كيلومتر واحد من السرد

الخميس 2016/09/29

في تجربة شخصية قطعتُ فيها كيلومترا ذهابا وإيابا على شارع في منطقة شعبية تقع على هامش المجتمع، ومن دون أن تثير اهتمام أحد سوى أنها ممرّ للسابلة والبعض من السيارات التي تتفادى زحمة السير على الشارع الرئيسي أو تلوذ بها من السيطرة العسكرية تجنبا للتفتيش اليومي الممل.

الهدف من هذا هو تجميع فُتات السرد اليومي المهمل على قارعة الطريق ورصيفه بهذا الطول المتوسط الذي يمكن لأي عابر طريق أن يقطعه بلا عناء. لكن العناء لشخص مثلي هو محاولة اكتشاف ما الذي يصلح أن يكون نسيجا في سرد قصصي أو روائي أو شعري في شارع متروك يقل فيه العابرون وتتوزع على جانبيه محال تجارية وأسواق صغيرة وأفران خبز ودكاكين موبايلات؟ ليس هذا من أجل فكرة نعبئ فيها مفردات الشارع المتروكة مع الغبار إنما من أجل مفردات تصلح أن تكون نسجا داخلا في عملية الكتابة المقترحة، ومدى طاقتها لأن تكون أساسا لبناء فكرة وليس حشوا فارغا تتداخل فيه مفردات الشارع التي لا تقع الأنظار عليها إلا لكونها متروكات لا قيمة لها.

بدأت التجربة مسجلا كل ما يقع عليه نظري في هذه المسافة المحسوبة بالأمتار شمالا ويمينا في الذهاب والإياب، ولا أخفي أن الاتجاهين يتشابهان في كميات المهملات السائبة الملقاة على جانبي الشارع ورصيفه المتآكل، لكن لا بأس من إحصائها حتى وإن بدت قليلة ومتكررة وهو إحصاء سردي أولي.

في الذهاب والإياب: محارم ملطخة بالغبار يجرفها الهواء وتسحقها أقدام المارّة، قلم رصاص مقشّر بلا ممحاة، قشور حبات من الكرز مختلفة، قصاصات صحف وسخة، أكوام زبالة أمام البيوت ترتفع وتنخفض حسب كمية الاستهلاك، 13 علبة معدنية من البيبسي والعصائر، إطار سيارة محترق، بركة ماء مستقرة خرجت من أحد البيوت، جرذ ميت، دفتر مدرسي ممزق، قدح مكسور، ملعقتان من البلاستك، ثلاثة أغلفة سجائر GAULOISES وPINE 23، علبة مياه معدنية مضغوطة من نوع اللؤلؤة وروفيان، قطعة كارتون يمكن قراءة بزر Castania عليها، عصفور ملطوش، أغلفة ملونة لأكياس جبس MAX و Lays، أوراق مختلفة الأحجام تتطاير بين الجهتين، كميات تراب كثيرة، أعواد نباتات جافة جدا، ثلاث علب بيرة نوع Corona Extra، زجاجتا ميرندا متعانقتان، نصف قنينة ويسكي CHIVAS REGAL، أغصان مقصوصة لشجرة نبق، قطع أخشاب صغيرة ومتوسطة، مسامير متفرقة، سدّادات صغيرة مخسوفة، قطعة نايلون مقروضة تجمعت عليها زيوت، 3 علب دهن من الحجم الكبير، حبات عنب تجمّع عليها الدود، ممرات صغيرة من زيوت محركات السيارات تصب في بالوعة مفتوحة، قبضة سكينة صغيرة من البلاستك، حصى، كِسَر طابوق، قبضات إسمنت جامدة، خِرْقة ثياب لطفلة، حفّاظة واحدة عليها لطخة دم يابسة، فرشاة أسنان بلا ريش، أكياس شيبيسكو وSarttol مطهّر ومعقم، وأغلفة شرائح البطاطا، ووريقات تتحرك لا قيمة لها سوى أنها تزيد من وساخة المكان.

في خمسين كلمة متبقية يمكن أن أقول إن هذه المفردات أو البعض منها يمكن أن تشكّل مشهدا سرديا كاملا واقعيا أو متخيلا من شأنه أن يصنع فسحة سردية في هذا الكيلومتر الصغير ويخلق حياة متحركة بربط البعض من هذه العناصر المهملة وإزاحتها مما هي عليه وتوطينها في جوّ أدبي صالح للخيارات الحرة.

الأمر يحتاج إلى خيال فائق ومهارة فردية لصناعة الأثر الإبداعي من هذه المهملات التي نراها كأشياء تالفة تتقاذفها الرياح، لكنّ غيرنا يرى فيها ما لا يمكن أن نراه فعلا. الكتابة هي رؤيا قبل أن تكون رؤية.

كاتب من العراق

14