كيم فيلبي البريطاني الأحمر جاسوس منقطع النظير

الأحد 2014/06/29
كيم فيلبي وثق به البريطانيون لكنه خدعهم

من المرتقب صدور كتاب عن منشورات “بيتباك”، يَعِد بالإفصاح عن مخزونه من الأسرار: أحد رجال المخابرات البريطانية الأكثر غموضا وجدلا، كيم فيلبي، الجاسوس المزدوج في خدمة الـ “ك.ج.ب”، الذي حظي لزمن طويل بالدفاع والمساندة من طرف زملائه بالوكالة البريطانية، بينما كانت الشكوك تحوم حول نزاهته واستقامته.

من المرتقب صدور كتاب عن منشورات “بيتباك”، يَعِد بالإفصاح عن مخزونه من الأسرار: أحد رجال المخابرات البريطانية الأكثر غموضا وجدلا، كيم فيلبي، الجاسوس المزدوج في خدمة الـ “ك.ج.ب”، الذي حظي لزمن طويل بالدفاع والمساندة من طرف زملائه بالوكالة البريطانية، بينما كانت الشكوك تحوم حول نزاهته واستقامته.

تيم ميلن الضابط بـ “م.آي 6” يحكي في مذكراته التي ظهرت بعد وفاته، عن العلاقات العجيبة التي نسجها فيلبي مع رجال الوكالة. هذا ما أوردته بفبراير الماضي مجلة أكتوياليتي نقلا عن جريدة الغارديان.


الجاسوس الساحر


بين 1940، تاريخ ولوجه لـ “م.آي 6”، وأواسط الخمسينات، كان فيلبي يشغل مكتبا بمبنى “م.آي 6”، ويُطلِع بصفة منتظمة الاتحاد السوفييتي على تصرفات واستراتيجية الأميركيين والبريطانيين. ابتداء من 1951، ستحوم شكوك تجسس مضاد حول دونالد ماكلين وغاي بورجيس، صديقيْ فيلبي اللذين سيُعْلِمهما في الوقت المناسب. سيلوذان بالفرار إلى موسكو، لكنهما سيدحضان بالمرة كل الشكوك حول فيلبي.

رغم كل شيء، وطوال 12 سنة، سيعمل موظفو “م.آي 6” على حماية فيلبي والدفاع عنه في مواجهة التحقيقات الملحة لـ “م.آي 5”، وكالة محاربة التجسس، واثقين من نزاهته ومقتنعين باستقامته. يفسر تيم ميلن ذلك قائلا: “قليل من الأشخاص بالمصلحة كانوا يحظون بمثل ذلك التعاطف والاحترام الذي ناله كيم، وبمثل تلك المحبة من طرف كل الذين اشتغلوا معه”.

جاسوس منقطع النظير، إذن، كان ذاك الذي عرف كيف يخدع عالمه: عندما قدّم استقالته سنة 1951، كان العديد ممن حوله مقتنعين أن السبب وراء اختياره ذاك كان دبلوماسيا، وأنه عمد إلى إقالة نفسه ليهدئ من روع الأميركيين، المستائين من تجاوزهم من طرف السوفييت، ببرلين أو بكوريا. السيد ستيوار مينزيس الذي كان على رأس “م.آي 6”، خانته فراسته واستسلم للغشاوة، فكان يزمجر في وجه نظيره بـ “م.آي 5” وهو يحثه أن يكف عن توجساته ويعدل عن تحقيقاته التي قد تغدو مجرد «مطاردة للساحرات».

لقد تم إرسال نيكولاس إيليوط زميل فيلبي، للحصول على اعترافاته ببيروت حيث انتقل بعد استقالته وحيث تعددت المعلومات ضده. لكن إيليوط ترك النافذة مفتوحة فشوشت ضوضاء المواصلات على التسجيل الذي بات غير واضح، كما أنه «أغفل» أن يطلب من فيلبي الإمضاء على إقراره المكتوب.

بعد استقالته في الوقت المناسب، سينتقل فيلبي إلى بيروت ويعمل كمراسل لجريدتي ذي إيكونوميست وذي أبسيرفر. سيغوي زوجة رجل "السي آي إيه" الذي كلف بمراقبته ويتزوجها

على الرغم من كل ذلك، فقد كان إيليوط ينصح كيم فيلبي بالعودة إلى لندن ليتم الاستماع إليه هناك، ويستفيد من الحماية والتخفيف من العقوبة. لكن الجاسوس المزدوج لم يصغ إليه وفضل ركوب باخرة متوجهة إلى روسيا، في 1962، حيث سيُحتضن بدلال من طرف الاتحاد السوفييتي.


من ذاك الأسد


بالرجوع إلى سيرة فيلبي وأصوله، فقد كان أبوه جون فيلبي (1885ـ1960)، مستشرقا يتكلم العربية، دبلوماسيا وجاسوسا، وقد كان أكبر منافس للكولونيل تي.إي. لاورانس قبل أن يصير «المبتكر» لابن سعود مؤسس المملكة العربية السعودية، ثم مستشاره الحصين والمتبصر. شخصية الأب غير العادية أثرت دون شك في اختيارات الابن، سليل الطبقة المترفة.

لقد تلقى كيم تعليمه بالـ”ويستمينستر بوبليك سكول” قبل ولوج جامعة كامبريدج حيث درس الاقتصاد والتاريخ. سيلتقي هناك بطلبة سيشكلون معه مجموعة الخمسة لكامبريدج ويتعلق الأمر بدونالد ماكنيل، غاي بورجيس، أنطوني بلانت، وجون كيرنكروس. بعض المفكرين أمثال جورج بيرنار شاو أو جورج أورويل، المؤيدين للشيوعية في ذلك العهد، سيكون لهم بالغ التأثير على ذلك الجيل. حين كان يشغل أمين المال لـ”كامبريدج سوسياليست سوسايتي”، أثار انتباه أحد أساتذته الشيوعيين في 1930، موريس دوب الذي وجهه نحو المصالح السرية السوفييتية التي قبل العمل لصالحها.

فيلبي عرف كيف يخدع عالمه


زوجته الأولى


في 1934، بعد نهاية دراسته، سينطلق في جولة كبرى عبر جميع أنحاء أوروبا وسيزور كل الدول. تسنى له ذلك بكل سهولة بفضل التمويلات العائلية. بفيينا سيلتقي بـأليس رودرـ كوهلمان (اسمها العائلي عند الولادة: فريدمان )، وقد كانوا ينادونها ليتزي. من أجلها سيقبل تهريب أموال سرية باتجاه خلايا غير شرعية بألمانيا الهيتلرية وبريطانيا العظمى.


مراسل صحفي


في السنة نفسها سينتقل إلى أسبانيا كصحفي مراسل لجريدة التايمز. خلال الحرب الأسبانية ليحرر مقالات تصف أمجاد وانتصارات فرانكو، وأمام تيرويل (1937ـ 1938) ستصيبه شظايا قذيفة جمهورية؛ هذا ما سيمكنه من حمل وسام الشرف “كودييو الصليب” من درجة الاستحقاق العسكري (ريوخا كروز). سيشكل لنفسه بذلك غطاء مثاليا كمناهض للشيوعية وسيلج بعدها المكتب البريطاني للخارجية.


الحرب الثانية


في سبتمبر 1939، بعد اندلاع الحرب العالمية بقليل، سيتم الطلاق بينه وبين أليس. خلال التسعة أشهر الأولى، سيعمل كمراسل للتايمز بالثكنة العامة للقوات البريطانية بفرنسا في أراس.

بعد النكسة الفرنسية في 1940، سيتم توظيفه من طرف الكولونيل فيفيان فالونتاين بقسم محاربة التجسس بـ”م.آي 6”، مصلحة المخابرات البريطانية المعروفة تحت اسم “إنتيليجنت سورفس”. قبلها، الجنرال والتر كريفيتسكي الذي كان رئيسا للمخابرات السوفييتية، سيخون الاتحاد السوفييتي ويلتحق بلندن. سيقدم ملفاته لـ “م.آي 6”، وهكذا سيتم اكتشاف عدد من الخونة، منهم القائد جون هيربرت كينغ الذي حُكم عليه بالسجن لعشر سنوات، وكذا دونالد ماكلين، صديق فيلبي، غير أن هذا الأخير سيعرف كيف يعطل التحقيقات لحماية صديقه.

حين سيحس بتشديد الخناق حول الميالين للسوفييت سيتصرف بدهاء ويقترح على رؤسائه إنشاء خلية خاصة لمطاردة الخونة في 1944. هكذا سيضمن جيدا عدم اكتشاف أمره.


ما بعد الحرب


بعد استقالته في الوقت المناسب، سينتقل فيلبي إلى بيروت ويعمل كمراسل لجريدتي ذي إيكونوميست وذي أبسيرفر. سيغوي زوجة رجل “السي آي إيه” الذي كُلف بمراقبته ويتزوجها.

حين سيعرف أن أمره قد اكتشف، سيترك كل شيء في 1962 ويرحل نهائيا إلى موسكو حيث سيقضي بقية حياته ويحظى بالكرم والتشريفات. سيتزوج للمرة الخامسة بشابة روسية ستلازمه حتى وفاته. في آخر أيامه سيقبل بإجراء حوار مع قناة بي بي سي، حيث سيعرض مسار حياته: سيزعم أن الدافع نحو ميوله إلى الماركسية كان بسبب تأثير أساتذته، والخطر الذي كان يشكله المد النازي (الشيء الذي أورده من قبل بمذكراته، “حربي الصامتة”). كان دائما يردد أنه يتحمل مسؤولية اختياراته. على إثر سكتة قلبية سيتوفى فيلبي ويدفن بموسكو، بمقبرة كونتسيفو.

13