كينغ روبو أسطورة فن الجرافيتي البريطاني يسقط من أعلى السلم

الاثنين 2014/08/11
روبو ظل متواريا لثلاثة عقود لكنه كان يخوض حروبا على الجدران

لندن - هناك فنانون تشكيليون بريطانيون مشهورون جدا لكنهم مجهولون لدى الناس لأنهم معتكفون ومتوارون عن الأنظار تماما، يعيشون حياتهم السريّة الخاصة، ويجدون متعة كبيرة في محو معالمهم الخاصة، وحجب سيرهم الذاتية، وأنشطتهم الفنية التي تجد طريقها إلى الناس خلسة. وهذا ما حصل تماما مع الفنان الجرافيتي البريطاني كينغ روبو الذي ظل مجهولا طوال حياته التي لم تجتز الخامسة والأربعين عاما، غير أنه عاش مشهورا، ذائع الصيت.

كان كينغ روبو ينشر أعماله الجرافيتية -الرسوم والكتابة على الجدران- كلّما عنّ له ذلك مالئا الدنيا وشاغلا الوسط الفني البريطاني من دون أن يطل علينا إطلالة واحدة بالصوت أو الصورة، وإذا ما ظهر لسبب اضطراري جدا فإنه يظهر بوجه مُقنّع لا تبرز منه إلاّ عيناه اللتان لا تفضيان إلى معالم وجهه المخبأة التي تحولت إلى طلسم محيّر يتوق الناس إلى فكّه ومعرفة أسراره الدفينة.

لم يكن كينغ روبو هو الفنان الجرافيتي الوحيد المجهول في المملكة المتحدة، فثمة فنان جرافيتي آخر ما زال متواريا عن الأنظار منذ سنوات طويلة وهو روبرت بانكسي الذي يُعرف باسمه الأخير فقط، وهو العدو اللدود لروبو منذ ثلاثة عقود تقريبا. وقد اقترن اسم بانكسي بروبو حتى في خبر وفاة هذا الأخير حيث نشرت “الغارديان” مقالا تحت عنوان لافت “كينغ روبو، منافس الجرافيتي بانكسي، يموت” وكأنّ هذا الموت سوف يخفف من أعباء بانكسي التي تحمّلها منذ بدء المنافسة عام 1985 مع عَلَم آخر من أعلام الجرافيتي “المجهولين” أو “المتوارين عن الأنظار".

في الثاني من أبريل 2011 عُثِر على الفنان كينغ روبو مُصابا إصابة خطيرة في رأسه يُعتقد أنها ناجمة عن السقوط من أعلى السُلّم الذي وُجد بالقرية، وقد اضطرته هذه الإصابة البليغة إلى أن يبقى طريح الفراش خاملا لمدة ثلاث سنوات إلى أن فارق الحياة في 31 يوليو 2014 نتيجة لمضاعفات صحية حادة كما أشار فريق عمله على موقعه الشخصي ولم تُوجّه التهمة إلى أحد بما فيهم خصمه الدائم بانكسي الذي سقط في قلب الدوائر الضوئية الملونة للشهرة منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي دون أن يكلّف نفسه عناء الظهور إلى العلن.

لعِب التلفاز البريطاني دورا كبيرا في شهرة الفنانيْن روبو وبانكسي وذيوع شهرتهما اللافت للنظر، فهما ليسا الفنانَين الجرافيتيين الوحيدين في هذا البلد، وإنما هناك أسماء فنية كثيرة يمكن أن نشير إلى أبرزها أمثال كارترين، ستيك، بول إنسيكت من لندن، ومجموعة كبيرة من بريستول أمثال أندي كاونسل، نيك ووكر، بِن ويسلون وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعا علما بأن بعضهم متوارٍ عن الأنظار أيضا. كانت قصة الخصومة بين روبو وبانكسي موضوعا للقناة التلفزية البريطانية الرابعة التي عرضت فيلما وثائقيا يحمل عنوان “حروب الجرافيتي” في أغسطس 2011 حتى بات الاثنان أشهر من نار على علم!

رسم روبو قطاره الأول كعمل جرافيتي عام 1985 في قناة ريجنت بكامدن الذي يمكن الوصول إليه عن طريق الماء فقط. وكان العمل عبارة عن قطعة جرافيتية ملونة كبيرة الحجم تسمّى “روبو المحدودة” التي أصبحت على مدى السنوات أقدم قطعة جرافيتية بلندن. لقد أُزيلت كل أعمال روبو تدريجيا من القطارات والجدران بمدينة لندن ولم يبق منها سوى هذه القطعة التي أوحت، على ما يبدو، للمعنيين بالأجناس الفنية بأهميتها وضرورة بقائها كشاخص فني جرافيتي ماثل للعيان.

في عام 2009 شوّه بانكسي غالبية رسوم روبو إما بالأصباغ البخاخة أو بلصق رسوم جديدة عليها أو تخريبها بأي شكل من الأشكال. صرّح روبو بأن بانكسي قد قُدِّم له ذات مرة بهدف التعارف في تسعينات القرن الماضي فما كان من هذا الأخير إلاّ أن يقول بفظاظة: “إنه لم يسمع به “فردّ عليه روبو بصفعة على قفا رقبته أذهلته وأسقطت نظارتيه من وجهه".

لم يقف روبو مكتوف اليدين إزاء تشويه بانكسي لأعماله، حيث ردّ هذا الأخير بكلمات نابية وشتائم ظلت تتوالى بين الاثنين حتى نوفمبر 2011، أي بعد ثلاثة أشهر من عرض فيلم “حروب الجرافيتي” حيث ذهب بانكسي بنفسه إلى جدارية روبو في كامدن ورسم عليها تاجا وشمعة موقدة تحية لروبو ومحاولة جادة منه لإنهاء الخلاف مع منافسه الأبدي الذي كان في حينه لا يزال غارقا في غيبوبته الطويلة التي وضعت حدّا لحياته.

ثمة معارك عديدة على الجدران اندلعت بين روبو وبانكسي لكننا اكتفينا بذكر البعض منها، وحسبنا أن روبو، كما زعم أعضاء فريقه، قد غيّر وإلى الأبد فن الجرافيتي في العالم على الرغم من قصر حياته.

لا بدّ من الإشارة إلى أن الجرافيتي ليس جديدا وإنما يعود إلى أيام الحضارات الفرعونية واليونانية والرومانية القديمة. وتُعتبر الألوان البخّاخة وأقلام الخط “والتأشير أو التظليل” هي أبرز الأدوات المستعملة في هذا النمط الفني الذي ينطوي دائما على رسائل اجتماعية وسياسية تُعبّر عن روح العصر، وتجسّد هموم شرائح واسعة من الناس. ليس بوسعنا أن نفعل شيئا سوى أن نحيّي روبو الذي ظل متواريا لثلاثين عاما قبل أن يدخل في رقدته الأبدية.

16