كي لا تكون المصالحة الفلسطينية بين مفلسين

الاثنين 2014/04/28

لا يمكن إلّا الترحيب بالمصالحة الفلسطينية- الفلسطينية. ذهبت “فتح” إلى غزّة واتفقـت مع «حماس» على تشكيـل حكومـة وحدة وطنية تضمّ كفاءات سيعلن عنها في غضون خمسة أسابيع كما يقول الاتفاق. كذلك، سيحدّد، بموجب الاتفاق أيضا، موعدان للانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد ستة أشهر من الآن.

هل طوت المصالحة صفحة الكيانين الفلسطينيين المنفصل كلّ منهما عن الآخر؟ هل طوت صفحة الإمارة الطالبانية التي أقامتها «حماس» في القطاع؟ هل يستعيد الفلسطينيون الوجه الحضاري لشعب قاوم الظلم الذي تعرّض له تاريخيا عن طريق التعليم والانفتاح على العالم قبل أي شيء آخر؟

إلى الآن، تبدو الأمور وكأنها تسير في الطريق الصحيح، خصوصا إذا استطاع الجانبان توفير مضمون للمصالحة يشكّل ردّا يفحم المسؤولين الأميركيين الذين علّقوا على ما حصل على نحو سلبي. اعتبر الجانب الأميركي المصالحة “خيبة”، فيما ذهبت إسرائيل إلى حدّ تعليق المفاوضات التي تجريها مع السلطة الوطنية.

كشف المسؤولون الأميركيون، من خلال رد فعلهم، أن كلّ ما تبحث عنه واشنطن هو مبرر للانسحاب من العملية السلمية التي يفترض أن تكون راعية لها، والتي خصّص لها وزير الخارجية جون كيري وقتا طويلا ملأ به الفراغ الناجم عن تهميش البيت الأبيض لوزارته.

همّش البيت الأبيض في عهد باراك أوباما وزارة الخارجية والدور المفترض بها تأديته على الصعيد الدولي.

لم تكن الإدارة الأميركية جدّية في التوصل إلى تسوية تاريخية بين الفلسطينيـين والإسـرائيليين. الدليل علـى ذلك ترك الوزير كيري يهتمّ بالملف. لذلك، ليس مستبعدا أن تستغـلّ واشنطـن المصالحـة لتعود سالمة إلى حيث تريد العودة، أي إلى التفرّج على إسرائيل تكسب الوقت وتراهن عليه من أجل تكريس الاحتلال لقسم من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية.

في ضوء هـذه المعطيـات، كان طبيعيا أن يذهـب الفلسطـينيـون إلى المصالحـة. السلطـة الوطنيـة، أي “فتـح” فـي حاجـة إليهـا للقـول أن لديها خيارات أخرى غير التفاوض من أجل التفاوض مع حكومة بنيامين نتانياهو.

لا شكّ أن «فتح» ومعها السلطة الوطنية في أزمة عميقة في أساسها التعنت الإسرائيلي الذي أدّى إلى انسداد كامل لأفق المفاوضات. ولكن، هناك سبب آخر لا مفرّ من الاعتراف به لتفسير أزمة السلطة و”فتح” في آن.

هذا السبب عائد إلى الرغبة في التخلص من أية كفاءات في أيّ مجال كان. لم يعد من مكان في الإدارة الفلسطينية سوى للتافهين. هل صدفة أن السلطة و”فتح” لم تتمكنا من تحمّل حكومة سلام فيّاض، ففضّلتا الفراغ على وجود حكومة تمثّل أفضل شيء حصل للفلسطينيين منذ سنوات طويلة.

أمّا «حماس»، فكانت في حاجة إلى لعبة جديدة تمارسها للهرب من الاعتراف بفشلها وإفلاسها علي كلّ صعيد.

فشلت سياسيا وفشلت اجتماعيا. النجاح الوحيد الذي حقّقه الإخوان المسلمون في غزّة يتمثّل في تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني بأخذه إلى مزيد من التخلّف. فضلا عن ذلك، عملت «حماس» كلّ ما يمكن عمله من أجل تحويل غزّة إلى قاعدة تستخدم للإساءة إلى مصر.

بدل أن يكون القطاع، الذي انسحبت منه إسرائيل في أغسطس 2005 مثالا يحتذى به لما يمكن أن تكون عليه دولة فلسطينية مستقلة قادرة على العيش بأمان وسلام مع محيطها. حوّلت «حماس» غزّة إلى ساحة تنتشر فيها فوضى السلاح التي لم تجرّ على الفلسطينيين، في يوم من الأيّام، سوى الويلات.

فوق ذلك كلّه، نجحت «حماس» في مجال واحد هو خدمة السياسة الإسرائيلية من جهة، وإضعاف موقف السلطة الوطنية في رام الله من جهة أخرى. كانت الصواريخ التي تطلق من القطاع أفضل هدية يمكن أن تحلم بها إسرائيل التي فرضت على غزّة حصارا ظالما وقف العالم أمامه متفرّجا. هناك حنين إسرائيلي، ليس بعده حنين، إلى هذه الصواريخ التي تسمح لها بالقول أن لا وجود لشريك فلسطيني.

هل يمكن لمصالحة بين طرفين مأزومين ومفلسين أن تؤدي إلى أية إيجابية من أيّ نوع كان؟

الجواب أن ذلك ممكن شرط اقتناع «حماس» أن مشروعها الإخواني القائم على المساهمة في التغيير في مصر انتهى إلى غير رجعة.

فشل مشروع نشر الإرهاب في سيناء انطلاقا من غزّة. وفشل مشروع تقديم نموذج طالباني يمكن لمصر الإقتداء به.

ما يمكن أن ينقذ المصالحة هو العودة إلى البديهيات. وهذه العودة تعني أوّل ما تعني أن على «حماس» القبول بالمشروع الوطني الفلسطيني الذي اسمه البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

هذا المشروع الذي أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1988 والذي أعلن على أساسه قيام دولة فلسطينية مستقلة، هو الخيار الوحيد المطروح أمام الشعب الفلسطيني في المرحلة الراهنة.

إنّه الخيار الوحيد الذي يعترف به المجتمع الدولي ويدعمه. هل تقبل «حماس» المشروع الوطني الفلسطيني، أم تظل في خندق المتاجرين بالقضية الفلسطينية عن طريق شعارات من نوع “المقاومة” و«الممانعة»، وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو من النهر إلى البحر.. لا فارق.

لا مصالحة ذات مغزى من دون مضمون سياسي لها. لا وجود لمصالحة من أجل المصالحة. إذا لم تقبل «حماس» المشروع الوطني الفلسطيني، سيتبيّن قريبا أن كلّ ما حصل إلى الآن، أكان ذلك من جانب “فتح” أو من جانب «حماس» هو هروب إلى الأمام يقوم به طرفان مفلسان.

في النهاية ما معنى المصالحة إذا لم يرافقها موقف سياسي صريح من المفاوضات وما يفترض أن تؤدي إليه المفاوضات، إضافة إلى وضع حدّ لفوضى السلاح.

وهذا يعني أن على «حماس» أن تقرّر هل تريد العودة إلى حضن إيران أم لا؟ هل تريد الإبقاء على “الجهاد الإسلامي” الذي ليس سوى تنظيم يتلقّى أوامره من طهران يتحرّك بكلّ حرية في غزّة وانطلاقا منها؟

تظلّ كلمة المصالحة كلمة جميلة. ولكن بين تحقيق المصالحة، وتحقيق تقدّم على طريق قيام الدولة الفلسطينية هناك هوّة واسعة. لا يمكن ملء هذه الهوّة بالشعارات والمزايدات.

لا يمكن ملء الهوة إلّا بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل على أسس واضحة أوّلا، أكان ذلك في الضفة أو في غزّة. متى حصل ذلك، لن يعود سهلا على واشنطن تبرير موقفها من المصالحة الفلسطينية بما يخدم حكومة نتانياهو التي تقوم كلّ سياستها على استخدام الوقت لتكريس الاحتلال.. لماذا لا يستغلّ الفلسطينيون الوقت لترتيب وضعهم الداخلي ما دامت كل الحلول والتسويات مؤجّلة؟


إعلامي لبناني

8