كي لا يضيع الكيان ونفقد الإنسان..

الأحد 2014/02/16

في عام 1990، وبعد غزو القوات العراقية للكويت في الثاني من أغسطس/ آب تلك السنة، اتخذ عاهل السعودية آنذاك، الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، قرارا تاريخيا مصيريا في تاريخ السعودية والمنطقة، وربما العالم أجمع، وذلك باستدعاء القوات الأميركية تحديدا، ومعها تحالف دولي من اثنتين وثلاثين دولة، معظمها ذات دور رمزي، للمساعدة في حماية المملكة أولا من تدخل عراقي محتمل، ولتحرير الكويت من الاحتلال العراقي ثانيا، وهو ما تم من خلال عملية عاصفة الصحراء (17 يناير/ كانون ثاني- 28 فبراير/ شباط، 1991).

كان القرار السعودي آنذاك حاسما ومصيريا حيث أن كيان الدولة ووجودها كان مهددا، فأطماع الزعيم العراقي آنذاك، الرئيس صدام حسين رحمه الله، كانت بلا حدود، ولا أحد كان يعلم إلى أي مدى كان سيصل. في ظل خروج العراق من حربها مع إيران (1980-1989)، بجيش جرار كان لا بد لصدام أن يجد له منفذا، وإلا فإن كارثة اقتصادية مدمرة كانت ستحل بالعراق. ولكن القرار كان مُحرجا للسعودية في ذات الوقت من عدة وجوه. فمن ناحية، هو إقرار بعجز الجيش السعودي، بل وكل قوات مجلس التعاون الخليجي، وربما كل العرب الذين لا يمكن الركون إليهم بأية حال وحدهم في أمر مثل ذاك، عن مجابهة الجيش العراقي الجرار وصاحب الخبرة القتالية الطويلة، رغم كل الإنفاق العسكري السعودي المهول. ومن ناحية أخرى هو إحراج للدولة، التي تقوم شرعيتها السياسية على مذهب ديني متشدد، باستقدام قوات أجنبية غير عربية ولا مسلمة للدفاع عن أرض الحرمين، بما يستلزمه ذلك من ممارسات لهذه القوات لا تنسجم مع السياسة الداخلية السعودية، وخاصة فيما يتعلق بأمور اجتماعية معينة، والخوف من أن يؤدي وجود هذه القوات إلى تغيرات في البنى السياسية والاجتماعية للدولة المحافظة. المهم، كل هذه الإشكالات، الدينية منها والاجتماعية، وجد لها التبرير المناسب، ولكن المهم كان مدى القوة على الأرض. وجاءت القوات الأميركية والبريطانية والفرنسية وغيرها، واستطاعت في النهاية دحر القوات العراقية، وخرجت الدولة السعودية سليمة معافاة من تلك الأزمة التاريخية. كان قرارا مصيريا بالفعل، رغم كل إحراجاته السياسية والدينية لدى الكثيرين، إذ لولا ذلك لربما كانت أوضاع اليوم مختلفة كثيرة، ولا ريب أنها كانت ستكون مختلفة كثيرا، خاصة فيما يتعلق بكيان الدولة ووحدة أراضيها. صحيح أن القوى الدولية ما كانت لتترك صدام يلتهم الكويت ومن بعدها ساحل الذهب الأسود بطوله، ولكن القرار السعودي أضفى شرعية سياسية ودينية معينة على التدخل الأميركي وحلفائه.

بطبيعة الحال لم يُرض القرار السعودي وتواجد القوات الأجنبية على “أرض الحرمين الشريفين” الكثير من القوى والتيارات السياسية والأيديولوجية، فرأى فيه الإسلامويون تحالفا مع الكفرة وموالاتهم والاستعانة بهم، وهو أمر يتناقض مع مبدأ “الولاء والبراء”، وأن المسلمين قادرون على الدفاع عن أرض الحرمين بأنفسهم، حتى أن ابن لادن أعلن عن قدرة قواته على التصدي لقوات صدام على المدى الطويل. وانحاز معظم الإسلامويون إلى جانب العراق، إن لم يكن نظريا فعمليا، على اعتبار أن ذلك يمثل خطوة على طريق توحيد عالم العرب ثم المسلمين وصولا إلى دولة الخلافة. وكان ذلك هو التبرير المعلن، ولكن الحقيقة هي أن أطماعا سياسية لا علاقة لها بوحدة عرب أو مسلمين هي الباعث وهي المحرك. أما القومويون فقد ثارت حميتهم، وصفقوا طويلا لصدام وقواته بصفتها جحافل بسمارك العربي التي ستوحد أقطار العرب بدءا بجزيرة العرب، كما وحدت جحافل بسمارك الألماني المقاطعات والدويلات الألمانية في القرن التاسع عشر، وكان ذلك هو الشعار المرفوع أو تبرير الغزو. ولكن الباعث الحقيقي كان العداء التاريخي بين القومويين والدولة السعودية. بمعنى آخر، كانت القضية نوعا من تصفية حسابات سياسية وتاريخية لا علاقة لها بمبادئ أو شعارات.

وفي الداخل السعودي، وبفضل وعاظ (دعاة) تحولوا اليوم إلى نجوم ساطعة في سماء الشهرة والثروة، تحولت قضية الوجود العسكري الأجنبي، والأميركي على وجه الخصوص، إلى فرصة للإسلامويين للتأجيج وإثارة المشاعر ضد السلطة السياسية، واستثارة رجل الشارع باسم الدين وغيرة عليه، وخاصة وأن “الصحوة- الغفوة” كانت في أوجها، ولم يكن الأمر في حقيقته متعلقا بدين أو مبدأ بقدر ما كان متعلقا بمجرد ورقة سياسية استثمرها الإسلامويون آنذاك، وقد أصبحوا أسياد الشارع، في سعيهم الحثيث نحو السلطة والهيمنة، وقد وقر في أذهانهم أن الزمن هو زمنهم. وكان الخطاب العقلاني، الذي يحاول أن يبين أن قرار استدعاء القوات الأجنبية هو قرار متعلق بوجود الكيان وليس مجرد دفاع عن النظام، يُقابل بالازدراء وتهم الردة والتخوين والعمالة والتغريب، وغيرها من تهم يزخر بها القاموس السياسي للإسلامويين، ومن قبلهم القومويين، حتى لو كان ذلك الخطاب مؤسسا على مقولات دينية صرفة، فالمسألة لم تكن، ويبدو أنها لا تزال، مسألة دين ومبدأ، بقدر ما أنها مسألة سلطة ولعبة سياسة في النهاية. وقد ظن رجال من متبني الخطاب العقلاني آنذاك، ومنهم أستاذنا الدكتور غازي القصيبي رحمه الله، أنهم قادرون على مقارعة الحجة بالحجة مع أولئك وهؤلاء، ولكنهم غفلوا عن أن القضية ليست قضية فكر ينتهي بمنطقية الحجة، بقدر ما هي قضية سياسية استخدم فيها الدين كتبرير وتنظير وكسب لشرعية معينة، وبالتالي فإن العقلانية ومفاهيمها لم تكن ورقة سياسية ناجعة آنذاك، ولا يبدو أنها كذلك حتى هذه اللحظة. وأذكر أنني شخصيا كتبت عدة مقالات كنت أحاول من خلالها شرح منطق الدولة في هذا المجال، وأن ذات كيان الدولة كان في خطر وبالتالي فإن مناقشة أمور ما دون الوجود هو مسألة تُعتبر من قبل الترف الفكري والطفولة السياسية إذا فُقد الكيان، ولكن مثل هذا الخطاب كان ضائعا في خضم صيحات الجهاد والتكفير والولاء والبراء وإخراج المشركين من جزيرة العرب، في ظل “صحوة” دينية تبين لاحقا أنها أوردتنا مورد المهالك، وأرجعتنا قرونا إلى الوراء، بعد أن كنّا نعتقد أننا قد بدأنا خطوات ثابتة على طريق المستقبل، وقد نالني تلك الأيام ما نال آخرين غيري من تلك التهم الجاهزة، والعبارات المغلفة بأوراق سوليفان براقة دينية وقومية وحتى ليبرالية في طور البزوغ.

خلاصة القول هي أنه في تلك الأزمة، أزمة الخليج في التسعينات، كان وجود الكيان، بغض النظر عن الاتفاق مع النظام السياسي القائم من عدمه، كان مهددا من داخله وخارجه، وبالتالي فإن منطق الأمور يفرض محاولة الحفاظ على الكيان أولا، وهو البوتقة التي تتفاعل فيها مختلف التيارات والاتجاهات، وإذا تلاشى هذا الكيان فلا معنى لأي شيء آخر، وهذا على افتراض أن هنالك اتفاقا على شرعية وجود الكيان، أما إذا غاب مثل هذا الاتفاق فكل شيء وارد وممكن. وعلى افتراض أيضا أن مثل هذا الاتفاق هو الأساس، فنعم قد تكون السلطة فاسدة، وقد تكون قامعة لحقوق الإنسان وحرياته، وقد تكون أشياء كثيرة، والمطالبة بإصلاح كل ذلك وارد بل وواجب، ولكن في لحظات تاريخية ومصيرية معينة تكون المحافظة على الكيان، بكل علاته، هي الأولى على سلم طويل من الأولويات، ومن بعد ذلك يكون ما يجب أن يكون في إطار بوتقة متفق على أنها تُشكل مفهوم “الوطن”، وذلك كما حدث في روسيا السوفيتية إبان الحرب العالمية الثانية، حين كانت صرخة جوزيف ستالين للروس هي الدعوة للدفاع عن “روسيا الأم.. وطن بوشكن وتولستوي”.

وفي ظني فإن السعودية اليوم تواجه أزمة تاريخية لا تقل أهمية وخطورة عن أزمة الخليج في التسعينات، ولا أرى مبالغة في هذا المجال، وتتعلق بوجود الكيان وليس مجرد مصلحة النظام. صحيح أنه ليست هناك جحافل ظاهرة على الحدود اليوم، فقد ولّى زمن الجحافل الظاهرة وجاء زمن الجحافل الزاحفة زحف الأفاعي وتسرب الماء من بين السواقي. ففي الخارج، هنالك قلاقل وزوابع، تعصف بالكيانات المجاورة للسعودية في سوريا والعراق ومصر ولبنان واليمن، وتقف خلفها دول إقليمية وتنظيمات إقليمية ودولية، وكلها تتطلع لنقل قلاقلها إلى الداخل السعودي لغاية في نفس يعقوب لم يقضها بعد، لا علاقة لها بمصلحة وطن ولا حرية شعب، إذ أنه إذا تلاشت السعودية فكل شيء ممكن وكل هدف في الذهن متاح. وفي الداخل، فإن ” دعاة ” الأمس ومن تتلمذ على يدهم وسار على نهجهم من “دعاة ” ووعاظ اليوم، الساعين إلى ما سعى إليه الأوائل من شهرة وجاه وسلطة وجماهيرية ممتدة الأطراف، سالكين أقصر الطرق إلى ذلك، ألا وهو طريق الدين، ودغدغة العواطف، واللعب على أوتار الوجدان الديني لدى عامة الناس، والشباب منهم خاصة، يقومون بذات ما قام به أسلافهم وأساتذتهم من الأحياء والأموات من استغلال المبادئ والشعارات والخطب الوجدانية الملتهبة لقلب الحقائق، وتصوير الأمور على غير حقيقتها، إما لأغراض ذاتية معينة، أو لعدم قدرة على تحليل طبيعة ما يجري نتيجة الغرق في أوهام أيديولوجية جعلتهم لا يرون العالم كما هو، أو هما معا، وإن كنت أرى أن الأغراض والغايات الذاتية على اختلاف أنواعها هي التي تلعب الدور الرئيس هنا، وبما يتعلق بدعاة الجحيم خاصة. فما يجري اليوم في سوريا مثلا هو صراع بين ” الكفر والإيمان “، وفق الخطاب المطروح، وعلى ” شباب المسلمين “، والقادرين على ” الجهاد “، وخاصة في أرض الحرمين كما قال أحد هؤلاء الدعاة السعوديين البارزين في خطبة نارية في قاهرة المعز عندما ساد الظن بينهم أن نظام الإخوان قد استقر وبدأت مسيرة ” الفتح “، الانخراط في صفوف المجاهدين لنصرة الدين وإعلاء كلمة الحق، والحصول على إحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة. ذات الدعوة، وذات الشعارات، وذات استغلال المبادئ هو ما حدث في أفغانستان والعراق وأماكن أخرى من قبل، في عالم أصبح يرى أن الإسلام والإرهاب صنوان لا يفترقان، أو هما توأم سيامي غير قابل للفصل والانفصال. مثل هؤلاء الدعاة، القابعون في بيوتهم قبوع المخدرات من النساء، إنما يستغلون أمورا كثيرة، لعل أهمها الخواء الفكري لكثير من الشباب الناشئ في مجتمع أُفرط في تديينه رسميا واجتماعيا، والإحباط الناتج عن عدم الثقة في المستقبل في مجتمع يفتقد إلى المساواة في الفرص، فيمزجون مثل هذه الإحباطات والخواء الفكري لدى قطاعات واسعة من هؤلاء الشباب، بجرعة دينية مبشرة بالنصر في الدنيا والتمتع بغنيمة المال والسلطة، أو الجنة في الآخرة حيث النعيم المقيم والحور العين، أو هما معا، وأي شيء أكثر إغراء لشاب غير قادر على العيش في مجتمع تسوده الكثير من العلل، ومحبط فقد الثقة في المستقبل بالتالي، وفوق كل ذلك مؤدلج دينيا حتى النخاع، من تبشير بمستقبل أفضل من هذا.

بوجود كل هذه القلاقل وتلاشي الدول والمجتمعات المستقرة في المنطقة، مع ما تمور به من تشدد وضع نصب عينه أن السعودية هي الجائزة الكبرى في صراع وقوده شباب مخدرون وثملون بالشعارات، وبالتوجيه الديني المؤدلج لهم نحو جهاد لا علاقة له بمفهوم الجهاد وحقيقته وهم عن كل ذلك غافلون، تتبين مصداقية القول بأن السعودية اليوم تمر بأزمة كيان حقيقية، لا يمكن مقارنتها إلا بأزمة الكيان في تسعينات القرن الماضي. ومن هنا يتبين لنا أيضا مدى مصيرية القرار السعودي الأخير بقطع الطريق على مثل هؤلاء المتلاعبين بمفاهيم الدين، وغسل أدمغة غضة تعاني من مشكلات استغلها هؤلاء لتحقيق مآرب لا علاقة لها بدين أو وطن، حيث يمكن القول إن مثل هذا القرار هو نوع من صحوة أرجو أن لا تكون متأخرة للدولة عل خطورة خطاب أسهمت هي ذاتها في نموه في فترات تاريخية سابقة، وهنا يأتي دور الدولة في معالجة المشكلات المتجذرة في المجتمع والدولة، وعدم التوقف عند مثل هذا القرار والحل الأمني الصرف، وقطع الطريق على الخطاب التحريضي، عن طريق القضاء على الإحباط وعدم الثقة بالمستقبل لدى الشباب، وهذا لا يتأتى إلا بإصلاح حقيقي يكفل المواطنة الحقة، وما تتضمنه من حقوق وحريات، على رأسها حق المساواة وحرية التعبير وحكم القانون.
وبمناسبة الحديث عن الحريات، انتقد كثيرون القرار السعودي الأخير بالقول إنه تبرير لقمع وتكميم أفواه قادم، وأن من الإيمان بقيمة الحرية وجوب الإيمان بأن تكون الحرية مكفولة للجميع، ومنهم مثل هؤلاء الدعاة وخطابهم، وهي في ظني كلمة حق أُريد بها باطل. فنعم للحرية وحق الجميع بها، ولكن ليس من حق أعداء الحرية استغلال الحرية لإلغائها في النهاية، لأنهم ببساطة لا يؤمنون بها، أو استغلالا لها من أجل أمور لا علاقة لها بذات الحرية كقيمة مقدسة منحها الخالق للمخلوق منذ الأزل.. هذا ولخالق الإنسان الأمر من قبل ومن بعد.


ملحوظة:


يستمر حديث ” البهجة ” في المقال القادم إن شاء الله.

6