كي لا يكون نقشا على رمال متحركة..

الأحد 2013/11/03

في إحدى الفضائيات العربية كنت أتابع حواراً هو أقرب إلى نقاش تقريري حول ظاهرة، أو هي تكاد تكون ظاهرة، انتشار الشك والتساؤل حول كثير من القيم التقليدية والدينية التي كانت وإلى فترة قريبة غير ذات محل شك وتساؤل، بل كانت محل تقديس مطلق وإيمان لا يتزعزع، سواء ما كان منها مقدساً بالفعل، أو أضفيت عليه قداسة معينة ليست في الخاتمة من القداسة في شيء حين التحليل الأخير، وتوظيف العقل والنقل السليم في مثل هذا التحليل.

كان النقاش تحديداً يدور حول المجتمع السعودي، وكان هناك اتفاق بين المتناقشين، أو المحللين، وقد كانوا من المنتمين إلى تيار فكري معين كان هو السائد اجتماعيا وثقافيا بشكل مطلق إلى ما قبل فترة قريبة، على أن هناك تيارات إلحادية وتشكيكية بدأت تعلن عن نفسها في المجتمع، من خلال انتشار الكثير من الأفكار المناقضة لما هو سائد من ثقافة وقيم، والتشكيك في نمط الثقافة السائدة ومنطلقاتها وبنيتها وما تفرزه من أفكار تُفرض فرضا ولا يمكن لأحد أن يُشكك في صحتها أو ينتقد رمزا من رموزها، سواء كان هذا الرمز قديما أو حديثا، وإضفاء القداسة على مثل تلك الرموز المجسدة في أشخاص هم في النهاية من البشر أولا وآخرا. ووصل المتناقشون إلى أن هنالك ظاهرة " دخيلة " على المجتمع السعودي تتمثل في اتجاه قطاعات كبيرة من الشباب إلى اعتناق أفكار "شاذة"، وفق تعبيرهم، وصلت إلى درجة الإلحاد المطلق عند البعض، مما يستدعي قرع جرس الخطر والتصدي لظاهرة تهدد كيان المجتمع القائم، وبنية الثقافة التقليدية السائدة. وفي نقاشهم لمثل هذا الأمر، توصل المتناقشون، ولا أقول المتحاورين، إلى أن سبب هذه الظاهرة (ظاهرة التشكيك والنقد الجذري ورفض السائد من فكر وأفكار) مرجعه إلى أن هناك "مؤامرة" تُحاك ضد "الأمة"، وأن هناك "استهدافا" منظما من قبل أعداء هذه الأمة لتدميرها من خلال التشكيك في "ثوابتها"، ومحاولة احتواء فئة الشباب لنشر مثل هذا الفكر الدخيل وتلك الأفكار الشاذة. أما من سار مع تلك الأفكار أو آمن بها من الشباب، فهم لا يعدون أن يكونوا من "المغرر" بهم والمغسولة أدمغتهم بهذا الشكل أو ذاك، لا يلبثوا أن يعودوا إلى "الطريق القويم" ما إن يتبين لهم الحق من الباطل، موحين بأنهم هم من يحدد طبيعة هذا الطريق القويم ويملك خارطة مسالكه ودروبه.

مقاومة هذا الفكر الدخيل وتلك الأفكار الشاذة لا تكون إلا بإحدى وسيلتين، وفق استراتيجيتهم: محاولة إعادة من غُرّر بهم إلى الحق عن طريق الإقناع والنصيحة، فإن لم يُجْد ذلك، فالحق في النهاية يجب أن يُفرض فرضا، دون تمحيص لماهية هذا الحق ومن يُحدده، حيث أن نسبية الأمور ليست واردة في الذهن،إذ في النهاية " فإن الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن "، وهو الأثر المروي عن عثمان بن عفان، وعن عمر بن الخطاب في روايات أخرى. رضي الله عنهم وعن كل من تخلل الإيمان قلبه. الخلاصة أن الحل يكمن في عودة المنحرف إلى الخط الفكري القويم إما اقتناعا ذاتيا، وهو أمر لا يمكن إثباته خاصة حين يلوح الترهيب في الأفق، وإلا فإن سيف المعزّ لا زال مشهراً، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

مثل هذه البرامج "الحوارية"، أو التقريرية بمعنى أصح، وما شابهها من ندوات ومؤتمرات وكتابات، كثرت في الآونة الأخيرة، وخاصة فيما يتعلق بالمجتمع السعودي، وغالب من يشاركون فيها، إن لم يكن كلهم، هم إما رجال دين ينتمون إلى تيار ديني واحد في الغالب، وإما من المتعاطفين مع مثل هذا التيار الذي يرى أنه وحده على الحق والمالك الأوحد للمحجّة البيضاء ومنهج الفرقة الناجية، وكلها في النهاية تصل في "تحليلها" إلى ذات النتيجة في جوهر السبب: المؤامرة، الاستهداف الخارجي ويده التي تعبث في الخفاء، والتغرير بعقول لا تملك القدرة المعرفية على تمييز الغثّ من السمين، في تعليل بسيط ومريح يُغنى عن عناء التفكير وتعقيدات العقل المحلل، بمثل ما أن الكثير من مؤرخي التاريخ الإسلامي أراحوا أنفسهم من عناء التفكير والتحليل حين الحديث عن الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة الراشد الثالث، فنسبوا السبب كله إلى شخصية أسطورية قادرة على فعل الأعاجيب هي شخصية عبدالله بن سبأ. أما العلاج، وبنفس المنهج البسيط والمريح والخالي من تعقيدات العقل والتحليل، فهو ضرورة إعادة الإبن الضال إلى "الجماعة"، إما بالنصيحة

أو بالقطيعة أو بهما معا، وكلا الأسلوبين غير ناجح في النهاية لأنهما لا يقومان على أسس من فهم حقيقي لما يجري ويمور في أعماق المجتمع، ومعرفة ذلك تحتاج إلى من يستخدم أدوات تحليل لا علاقة لها بالفهم الأوحد للحق، أو منطلقة من مرجعية وحيدة لا تقبل الاستعانة بمرجعيات خارجها مهما كانت تلك الاستعانة ضرورية. الحكم على المستجدات من الأمور بالخروج أو الشذوذ أو مجافاة حق لا حق سواه، قد يكون سهلا ومريحا للذات التي ترى الأمور من ثقب ضيق، أو نافذة لا تُطل إلا على زقاق ضيق واحد، ولكنها لن تطرح حلا قادرا على استيعاب ورؤية ما استجد من أزقة لا يراها الناظر من تلك النافذة، أو تلك الجوانب المتسعة والمتجددة للمجتمع التي لا تُبدي نفسها للناظر من ثقب هو أقرب إلى الظلام منه إلى النور.

المجتمعات، كل المجتمعات، هي كيانات متحولة ومتغيرة، حيث أن ذات المجتمع ليس هو ذاته حين النظر إليه من زاويتين زمنيتين مختلفتين، والمجتمع السعودي مجتمع بشري مثله في ذلك مثل بقية مجتمعات الإنسان، يجري عليه ما يجري على الآخرين من تغيرات وتحولات، وأحياناً انقلابات اجتماعية نتيجة حدث معين أو تغير غير ملحوظ يؤدي إلى تحولات ملحوظة خلال فترة من الزمن، ولا استثناء لأي مجتمع من حالة التغير والتحول هذه، بعيداً عن حديث الثوابت والخصوصيات الذي تحول إلى خطاب تبرير حقيقة لا خطاب تفسير. صحيح أن لكل مجتمع من المجتمعات ثوابت يقوم عليها، وخصوصية معينة هي جزء من ذاتيته وهويته، ولكن حتى هذه الثوابت والخصوصيات ليست بمعزل عن التغير والتحول، إذ لا ثابت مطلق في النهاية إلا الدائم والموجود خالق الخلق ورب العباد. فالديموقراطية مثلا جزء لا يتجزء من الثوابت التي قامت عليها أنكلترا ومن ثم بريطانيا في أعقاب "الماغنا كارتا"، أو فرنسا في أعقاب ثورة 1789، أو الولايات المتحدة وفق وثيقة الإستقلال التي صاغها الآباء المؤسسون، أو الهند التي صاغها المهاتما غاندي والباندت نهرو وغيرهم من آباء الهند الحديثة، إلا أن هذه الديموقراطية لم تبق ثابتة المحتوى طوال تاريخ هذه البلدان. فالديموقراطية الأميركية التي كانت تجيز تجارة العبيد مثلاً، أو كانت لا تمنح الحق في التصويت للسود والنساء، وصل إلى سدة الرئاسة فيها اليوم رجل أسود، ولا أستبعد أن يكون الرئيس القادم من النساء. وذات الديموقراطية حوكم فيها مدرّس في العشرينات من القرن الماضي لتدريسه نظرية دارون، واليوم ذات الديموقراطية تستوعب من يقول بهذه النظرية وغيرها ومن يقول بعكسها، والتعايش السلمي هو ديدن الجميع في ظل القانون ومفهوم المواطنة. هي ذات الديموقراطية، مبدأً ثابتاً، ولكن المحتوى مختلف أشد الاختلاف عن المكون السابق، ولذلك استمرت هذه الدول في الاستمرار فيما انهارت دول أخرى لم تستطع استيعاب تحولات المجتمعات، وتغيير محتوى ردائها الثقافي ليتواءم مع تلك المتغيرات، ولعل السلطنة العثمانية والاتحاد السوفيتي أبرز مثالين يفرضان حضورهما في هذا المجال.

أن تنتشر أفكار جديدة ورؤى جديدة، مهما كانت طبيعة تلك الأفكار والرؤى وسواء اتفقنا معها أو رفضناها، شيء من طبيعة حركة المجتمع الذي لا يلبث على حال واحدة أو قالب واحد مهما كانت محاولات ذلك، ولعل اتحاد السوفيت الراحل يطل برأسه هنا، وهي محاولات قد تبدو ناجعة لبعض الوقت، وسهلة التطبيق والممارسة، ولكنها غير قادرة على الحفاظ على الكيان المرجوّ في النهاية، مثل محاولة حشر رجل بالغ في لباس صبي لم يبلغ سن الحلم بعد، حتى وإن تغير النسيج طالما الحجم لا يتغير، وما تاريخ المجتمعات عبر زمان الإنسان على هذه الأرض إلا شاهد وشواهد على نجاح هنا وفشل هناك. الحل الأنجع، في ظني على الأقل، هو في استيعاب المتغيرات عن طريق تعدد النوافذ التي يُطل منها على الحياة، وعن طريق ردم الثقوب التي يُطل منها على الدنيا المتحركة، وذاك لا يكون إلا بتوفير غطاء ثقافي أوسع يسمح بالتعدد الخلاق، والتفاعل مع كل جديد من أجل هضمه كجزء من نمو ثقافة أكثر قدرة على استيعاب كافة مكونات المجتمع، وفي ذلك تكمن صحة الكيان وحيويته وقدرته على الاستمرار وتجدد الروح. بغير ذلك، فإن الرداء ذو الحجم الواحد سوف تعتريه التمزقات في النهاية، حتى وإن كان منسوجاً من المطاط، ولن ينفع معه رقع ولا ترقيع، كفانا الله وإياكم شر الرقع والترقيع. حديث يطول حقيقة، ولكنها ظروف الحجم التي تفرض علينا التوقف حيث لا نريد. وفي النهاية لا أجد أفضل من مقولة للمهاتما غاندي ربما تلخص كل القضية. يقول المهاتما ما معناه: "إني لأفتح نوافذي للريح، ولكني لا أدعها تقتلعني من جذوري.."، ولا أظن أن جذورنا بذاك الضعف غير القادر على الصمود في وجه هبوب ريح تحولات الزمان ومتغيرات المكان، طالما كانت محاطة بتربة مناسبة.. هذا وطاب لكم الزمان ورغد المكان.

6