كي يبقى الوطن.. وطنا

الخميس 2015/12/31

رزمة كبيرة من المتغيرات شكلت بانحداراتها وارتداداتها على مدى خمس سنوات مشهدا متفاوتا من بشاعة العنف والكره الذين أنتجتهما برك الدماء في حرب لوثت أفكار السوريين بقذارتها.

في هذا الواقع المعجون بعشوائية تصدير الموت وزخرفته انكشف زيف الأمان والاستقرار، واختلت المفاهيم والقدرة على التميز بين النصر والهزيمة، بين الحرية والفوضى، بين الدولة والقبيلة، وتمزقت منظومة الثوابت والمرجعيات، الهوية والوطن والدولة ومفهوم المصلحة الوطنية، وصار الوطن يصاغ حسب مشيئة وأيديولوجية كل حزب أو جماعة أو حتى شخص، وبات مفهوم المصلحة الوطنية جزءا من العنف الدموي الذي يستخدمه النظام الحاكم ليقتل من يصنفهم كأعداء للوطن، وباسمها يُصادر القرار الوطني الحقيقي للشعب.

ما أسفرت عنه الحالة السورية من عنف غير مسبوق وإطلالة الثقافات المضادة، من قبلية وطائفية ومذهبية، وتهديدها لوحدة الشعب والدولة، وضعف الولاء للوطن، والارتباط بمرجعيات خارجية، واتساع دائرة التطرف الديني وحواضنه التي انتعشت في المناطق التي رميت منذ عقود للفقر والتجهيل، وسقطت بيد دعاة دين يبثون أفكارهم المسمومة الرافضة للمختلف لتشكيل أتباعهم، هي دليل على أن ما يعيشه السوريون ليس أزمة سياسية عادية أنتجها حراك جماهيري يطالب بحقوقه في الحرية والديمقراطية وتتعدى كونها ناتجة عن شرعية النظام أو عدمها، وتتجاوز في عمقها حق الاختلاف. إنها أزمة إعادة التعريف لما تمت تسميته ثوابت ومرجعيات وطنية، والتي أثبتت بشكل ما أنها ثوابت ومرجعيات استثمر فيها النظام السياسي، وتمت مصادرتها وتحريفها من قبل الأيديولوجيا المهيمنة التي غرست في ذهنية الشعب حالة التماهي بين الدولة والنظام، والتي استندت على مواد دستورية تنص على الصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية، وإمكانية انتهاك السلطة التشريعية وإخضاعها للسلطة التنفيذية المحمية بأجهزة أمنية تمنع إمكانية المساءلة المستقلة، وما يرافقها من

تجاوزات سافرة لما تم التوافق عليه في الدستور السوري، والذي ينص على مبادئ المواطنة والمساواة والحريات وحق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كل ذلك عزّز لعقود أزمة الدولة السورية المتنوعة ثقافيا وعدم تمثيلها لكافة فئات الشعب، والشعور بفقدان الكرامة الإنسانية.

إعادة الاعتبار للشعب لن تتم فقط عبر إجراء بعض التقاطعات التوافقية بين النظام والمعارضة على دستور آخر وتشكيل حكومة مؤقتة تقودها الموجبات الإنسانية لإنهاء حالة الدمار السورية، وهو ما تم التوافق عليه في المناورات السياسية الأخيرة، إنما توجب إعادة الصياغة لكافة الثوابت حسب تغيرات الظروف والتحولات التي يمر بها الشعب السوري، وهذا يعني إعادة هيكلة الدولة السورية إذ يستحيل أن نبني وطنا حقيقيا يشترك فيه الجميع ما لم نتحرر جميعا من الانتماءات التي تقوم على رابطة الدم والعرق والأرض والقبيلة، والانتقال إلى الانتماءات المدنية والحضارية، من ثقافية وفكرية.

كما أن التوافق على هوية وطنية مشتركة تحترم التمثيل الصحيح لكل فئات المجتمع لا بد أن تتجسد في نظام سياسي واجتماعي يتوافق ويتناسب مع بنية وتركيبة المجتمع التعددي، وقانون ودستور يعززان هذه الهوية ويقدمان الضمانات الكفيلة باستمرارها وحمايتها وأن لا تتحول خصوصية هذه الكيانات المجتمعية أو الثقافية السورية إلى حالة أو كيانات سياسية متميزة ومتعصبة داخل الكيان السياسي للدولة السورية. فالوطن ليس مجموعة طوائف تتصالح حينا وتتناحر أحيانا أخرى، وليس قبائل أو مذاهب أو طبقات تلتقي أو تتصادم، ولا هو إقطاعيات يحكمها أمراء إذا التقوا عمّ السّلام وإذا تناحروا كانت الحرب.

إن أزمتنا سوريّة الجذر والمحتوى والحل، كونها الناتج الطبيعي لتدمير طويل الأمد لحالة الانتماء إلى ما يسمى الوطن، وهي تحتاج إلى إعادة هيكلة الدولة وليس فقط لدستور يمكن التلاعب فيه أو تجميده لصالح فئة حاكمة حتى لو كانت تحت لواء الديمقراطية التمثيلية، فالسوريون ليسوا بحاجة إلى تغيير الوجوه، إنهم بحاجة إلى وطن.

كاتبة ورسامة سورية

9