"كُعَيَّة" أوباما

الأربعاء 2014/02/26

أن يجد المرء نفسه وقد ارتدى قلنسوة فارس امتطى “كُعَيَّة” شهباء في تقاطع طرق في بيكين، فهو ليس فقط خارج الزمن بل وخارج المنطق تماما. الذي يعتقد أن باراك أوباما يمكن أن يدعم أي توجه أو تنظيم فقط لأن المبادئ تفرض عليه ذلك فهو كصاحبنا ذاك. الولايات المتحدة تلعب مع الكل ضد الكل، وتلعب مع من يختصم معها في شأن ويتفق معها في شأن آخر، فلا تشابك ولا تضاد بل تقاطع مصالح. هناك أمران لا تتهاون فيهما، أمنها القومي وأمن إسرائيل وما عدا ذلك فلا يتوقع أحد أنها لن تدعم القاعدة هنا وتحاربها هناك، أو أن تتفق مع إيران هنا وتختلف معها هناك. هذا هو حال معظم الدول ومنها دون أدنى شك تركيا أردوغان وقطر حمد وتميم، والحال كذلك مع التنظيمات الحركية والسياسية. المشكلة دائما وأبدا تكمن فيمن يمتطي “كعاوة” أوباما ويصر على العيش خارج الزمن، وهم يتدرجون من العامي البسيط المفتقد لمعيار المصالح السياسية والأولويات، إلى النخبوي الذي يختل لديه ذلك المعيار لأسباب تتراوح بين قناعات زائفة أو وهمية وبين أهداف مادية.

لن نجعل من “الكُعَيَّة” لغزا، فهي الأتان الصغيرة بلهجة جنوبنا العزيز، وارتباطها بالأحداث يتطلب مراقبة المشهد الآني والتاريخي، وعلاقة ذلك بمعايير المصالح السياسية الدولية. لذا دعونا نعود بالذاكرة إلى ما أسماه المنشق السعودي العميل سعد الفقيه “الزحف الكبير”، واسترجاع الآلية التي اتبعها المذكور ثم نقارنها بالآلية التي اتبعها القائمون على ما أسموه “ثورة حنين” قبل أن يتحول الملف بكامله إلى الجارة العاقة قطر.

ذاكرتنا المتخمة بالأحداث تشير إلى تطابق يكاد يكون كاملا بين الآليتين من ناحية، وبينهما وبين الآلية المتبعة من الجارة مع فروق هامة تكمن في القناع والمنهج. أما القناع فقد تغير إلى قناع أممي، وأما المنهج فقد تحول إلى منهج علمي مبني على استراتيجيات وتكتيكات تعتمد على استخفاف بالعقل الجمعي وتوجيهه في آن واحد. أين وجه الارتباط بين مجهود استخباراتي تآمري يعتمد على فرد واحد، وبين مجهود استخباراتي تآمري يعتمد على منهج علمي وأكاديمية تغيير وجيش من العاملين؟

البداية يا سادة كانت من نصيحة وجهها المواطن السعودي سابقا القطري حاليا محمد الأحمري في رسالة خاصة لقراءة كتابين لمؤلف أميركي يمكن تحميلهما مجانا من موقع دار النشر التي تولت طباعتهما.

يقول صديقي الذي زودني بنسخة من الكتابين إنه اندهش، كما اندهشت، من كونهما بالمجان مع أن أقدمهما لم يُطبع إلا في التسعينات، وقانون حماية الملكية الفكرية لا يعتبر الحقوق مشاعة إلا بعد خمسين عاما من وفاة صاحبها. فمن ذا الذي اشترى حقوق الكتابين وجعلهما مجانا؟

الذي يهمنا هنا هو الكتاب الأول الذي ألّفه المؤلف بناء على طلب من “يو تن ماونغ وين” أحد قادة ثوار بورما في التسعينات على شكل كتيب إرشادي صغير يحتوي على خطوات وآليات مواجهة الجيش البورمي وإسقاط الحكومة هناك، وتمت طباعته باللغة البورمية والإنكليزية في بانكوك عام 1993 ثم زِيدَ فيه في السنوات التالية وبدأ نشره بين التنظيمات الحركية في عدة دول منها مصر. تحت يدي الآن الطبعة الرابعة منه ويحتوي على تمهيد وعشرة فصول وثلاثة ملاحق. تطبيقات الكتاب البالغة 198 تطبيقا تستهدف إصابة أجهزة الدولة بالشلل من خلال الاعتصامات كأهم آلية متبعة، ثم الخروج المتكرر للشارع والقيام بكل ما يمكن القيام به لخلخلة النظام العام.

التطبيقات في مجملها عبارة عن تنفيذ لاستراتيجية واحدة رئيسة تدعو إلى استخدام جميع الوسائل المتاحة للأفراد والجماعات لخلق حالة من الضوضاء المجتمعية، سواء من خلال خطب المنصات أو الرسائل الموجهة للحشود، والتي تهدف إلى رفع سقف الأحلام والآمال المجتمعية وخلق نشوة تحزبية داخل المجتمع دون اعتبار لواقعه واختلاف بيئته الداخلية، أو العمل على خلق الزعامات الوهمية وإضفاء القدسية عليهم وإيهام الناس بالحجم الكبير لمتابعيهم ومؤيديهم، وبالتالي إيجاد مسوّغات لدى العامة للاستماتة في الدفاع عنهم. إضافة إلى ذلك، العمل على استحداث حالة من تقسيم المجتمع إلى فئات وشرائح لكل منها مطالب مستقلة وبعيدة عن الأخرى ينتج عنها اغتراب مجتمعي داخلي ويؤدي إلى مطالبة كل فريق بالسيطرة الكاملة.

ما نشاهده اليوم من التنظيم الدولي في مصر من تعطيل للمسارات السياسية والتنموية، وإحالة هذه المسارات إلى مجموعات صغيرة تتلاعب بها، هي من أهم التطبيقات على الإطلاق، إلا أنها في مصر زادت في استخدام العنف والتفجير والتدمير وإرهاب المجتمع.

ومن ضمن التطبيقات، التي يشير إليها المؤلف، خلق اعتصام أو ما يشبهه ثم التحدي بواسطته حتى حدوث مواجهة مع السلطة، يتبعه رفض للحوار وعدم قبول أية وساطة تهدئة لضمان استمرار الخلخلة المجتمعية.

ما سبق مجرد نماذج سريعة فلست هنا بصدد عرض للكتاب بقدر ما أحاول أن ألفت الانتباه إلى التطابق بين تلك الآليات وأحداث عالمنا العربي وما ينادي به أقوام من جلدتنا في الفضائيات المشبوهة أو وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.

جميع ما رأيناه سابقا، ثم ما لمسناه بعد أحداث “الخريف” العربي ثم ما شهده مجتمعنا بعد حكم إخوان مصر من تجييش ومحاولات خلق حشد جماهيري، بالإضافة إلى ما تواجهه مصر حاليا، ليس إلا تنفيذا دقيقا لتلك الآليات.

لعلنا نتذكر أيضا تقارير “راند” وكيف وقع الكثيرون ضحية تحويل اتجاهها حتى أصبح العامة أبعد ما يكونون عن الجهة الحقيقية المقصودة بأصحاب الإسلام المعتدل، حتى تبين لاحقا الدور الذي لعبته قطر لتقديم التنظيم الدولي على أنه ذلك الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الذي يمثل الإسلام في صورته الأميركية. حينها كانت معايير المصالح السياسية الأميركية لصالح ذلك، إلا أن السقوط المدوي والمفاجئ للتنظيم في عقر داره، وبعد تحول أنظار السعودية ومصر في اتجاه الدب الروسي كان لابد أن يتحول الدعم الأميركي العلني إلى دعم على استحياء. المصالح هي ما غاب عن معتنقي تلك التطبيقات، وهي نفسها التي رأت في العياط، ذات يوم، رئيسا شرعيا منتخبا ولم تر في الرئيس الأوكراني رئيسا منتخبا بالأمس. وهي نفس المصالح التي وقفت ضد الثورة الشعبية على الإخوان وأيدت عنفهم، بينما أيدت ثورة أوكرانيا ووقفت وحذرت من استخدام العنف.

الحقيقة التي غابت عن المؤلف كما غابت عن معتنقي تطبيقاته أن المصالح العليا ثم القرار الذي يتبعها هو ما يحكم طبيعة العلاقات الدولية وتتحول معه التنظيمات إلى ضحية عابرة. فإذا رأت “المفكّات” الصغيرة والكبيرة أن قطر بدأت في التحول عنهم قريباً، فليعلموا حينها أن مصلحتها العليا ستجبرها على بيعهم وربما بيع حاضنهم ونفيه خارجها مهما بلغت صلته بصاحب القرار.

يا سادة: أضاءت الإشارة الخضراء وصديقنا الممتطي لتلك “الكُعَيَّة الأوبامية” في تقاطع الطرق في بكين يسير بأقصى سرعة وقلنسوته تكاد تسقط هلعا، وما زال سببا في ازدحام خانق. لا بد أن يعود هؤلاء إلى الزمن الحالي فالسعودية ليست بورما التسعينات ولا ليبيا الأمس القريب، فالمجتمع السعودي ورغم كل ما واجهه من محاولات خلخلة، مازال مجتمعا واعيا. وهذه نقطة أخرى غابت عن صاحب التطبيقات ومعتنقيها الذين يعيشون خارج الزمن.


كاتب سعودي

9