لأجل صورة

الأربعاء 2014/03/19

العجلة مبررة جدا لأن العمر قصير، قد نكون معا ونحسب زمنيا لحظة لقائنا العابر، لان لقاءنا تدخلت فيه زحمة مواعيد بالجملة هي ضد تلقائية القول وتفاصيل الظرف، فالتلقائية والتفاصيل، شأن بغيض للمستعجلين، بينما الحياة ضيقة ، ومملة معا، نحن لا نقيس الوقت بالعمر بل بالمشاهد، ولهذا كان مخترع السينما عبقريا حينما وضع فلسفة العيش في شريط له عمر ساعة وقليل من الدقائق، فالصور الدالة والاستثنائية هي التي تشكل المنعرجات الحاسمة، لهذا ألبوم الصور قد يكون هو الحياة، نحن لا نلتقط صورا لنا وإنما لأحوالنا، لنكون هنا.

مفهوم إذن لم لا نلتقط عادة صورا في حياتنا اليومية، وإنما بعد الدخول في المعرجات، ولهذا تخلق الصور الإحساس بالتراتب في العمر والتجربة، وتنسج لغة رابطة بين لقاءات قد يكون التوق إليها مزمنا، نلتقي بسلام خاطف وقد نكتفي بجملة، لكن الصورة تحصن الخلوة العابرة وتمنحها حياة مسترسلة، تجعلنا نعتقد أن تلك الدقائق التي جمعتنا بالآخرين ممن لن نصادفهم مستقبلا، هي محطات إقامة لا عبور.

لكن الأمر في الأدب مختلف قليلا، فلقاء الكاتب مع زميله الذي قد يكون صديقا، تحوط بها الأسلاك الشوكية، إذ فيها من التأويل أكثر مما تضمر من التواصل التلقائي، سيما إذا كان اللقاء يتم للمرة الأولى بين من تتجاور أسماؤهم على الورق، قد تمنح القرابة الورقية قدرا كافيا من كريات الدم المقوية لمناعة اللقاء العابر، لكن الخروج من قناع الاسم المكتوب إلى الصورة الحية امتحان حقيقي، هو خروج من المجاز والتعبير إلى تفاصيل الشوارع والغرف، هو مأزق عسير، لذا اتفهم جيدا ذلك السلوك الذي كنت في الماضي استهين به، بل وقد أحوله لموضوع نكتة، وهو حين يبادر أحدنا لأخذ صورة مع زميله في الكتابة الذي هو مرشح قاب قوسين للتحول لصديق أو لأخ عزيز، فلأجل أن نلتصق ببعض صوريا على الأقل ودون التزامات أخرى، يلزم أن نتحلى بقدر كبير من التواضع أمام جبروت الوقت، صورة قد تؤخذ في لهوجة لتثبيت الزمن

أستعيد هذه الأفكار وأمامي مئات الصور التي التقطتها مع سياسيين ومناضلين ورموز مجتمعية في زحمة عابرة ولم يكن لها قبل ولا بعد ومئات أخرى مع روائيين وشعراء ونقاد وباحثين من أجيال مختلفة، وفي الحالات كلها كان الإحساس المرتبك ذاته يتغلغل لداخلي، كيف استطعت في لهوجة اللقاء أن أمتثل لصورة، في حين أن أغلب الأقارب والأصفياء لا تجمعني بهم صورة واحدة، بدا لي أننا نلتقط الصور مع الغرباء عن دائرتنا الشخصية الضيقة، ومع البعيدين، ومع من لا تجود الحياة بصحبتهم دوما.


كاتب من المغرب

15