لأوّل مرة: عطيل أبيض وسط جمع من السّود

أرنو شوران يقلب المعايير ويجعل عطيل رجلا أبيض محاطا بأشخاص سود البشرة، دون أن تفقد المسرحية ثيمتها القائمة على التناظر بين الأقلية والأغلبية.
الاثنين 2019/11/11
التناظر بين الأقلية والأغلبية بشكل عكسي

درَج رجال المسرح في الأعوام الأخيرة على قراءات جديدة للرصيد العالمي الكلاسيكي، بإحلال الأحداث في واقعنا المعاصر، أو تحديث الخطاب وإكسابه روحا عصرية، أو إسناد الأدوار إلى ممثل واحد ينهض بها جميعا. ولكن الفرنسي أرنو شوران عمد إلى قلب المعايير بجعل عطيل رجلا أبيض محاطا بأشخاص سود البشرة، دون أن تفقد المسرحية ثيمتها الأساس القائمة على التناظر بين الأقلية والأغلبية، رغم أن بعض النقاد رأى فيها خيانة للأصل.

والحق أن عطيل، الذي يكاد يكون الدور الوحيد في رصيد المسرح العالمي الذي يؤديه ممثل أسود، أثار جدلا واسعا في الأعوام الأخيرة، مع عودة العنصرية في الكثير من البلدان الغربية، من بينها فرنسا. جدل بدأ عام 2010 عندما عوّض الألماني توماس أوسترماير، مدير مسرح شاوبونه، عطيل بـ”بلاك” في الترجمة الخطية الفرنسية، والحال أن الترجمات المعروفة تصفه بالمغربي أو الأسود، وقد فسّر أوسترماير مسعاه بأنه من شأنه أن يلطف عنف العنصرية الكامنة في المسرحية، أي أنه اختار تجنب مواجهة رهانات النص.

تلاه لوك بلوندي عام 2015 وكان قد عهد بدور عطيل لممثل أبيض هو فيلبيب توريتون، بدعوى أنه لم يعثر على ممثل أسود جدير بذلك الدور، ولكن المشروع توقّف بوفاة المخرج، بعد أن أثار استياء أهل الصناعة من فنانين ونقاد وإعلاميين.

أما أرنو شوران فقد اتبع خيارا آخر، وهو أن يَكِل الأدوار كلها إلى ممثلين سود، باستثناء عطيل الذي يتقمّص دوره ممثل أبيض، ما أحدث تغييرا في رهانات هذه التراجيديا. فعوض العنصرية الأوروبية تجاه الشعوب الأفريقية، التي تحيل هزاتها التاريخية إلى قرون من الاستعباد والاضطهاد، خيّر التركيز على رفض ممثل الأقلية، أيا ما يكن، لأن كل فرد يمكن أن يكون وحيدا، أو منتميا إلى أقلية، مثلما اعتنى بالخطاب في قوته وأبعاده، لاعتقاده بأن “الكونية تقتضي اليوم إعادة البناء بشكل غير مسبوق، وأن توزيع الأدوار على هذا النحو يسمح بأن يقول إن مشروع شكسبير خلاصته أن الإنسان إنسان بصرف النظر عن دينه وعرقه ولونه”.

أرنو شوران أوكل جميع الأدوار إلى ممثلين سود، باستثناء عطيل الذي يتقمّص دوره ممثل أبيض، ما أحدث تغييرا في رهانات هذه التراجيديا

تدور المسرحية على خشبة خالية إلّا من ثلاث ستائر داكنة، موزعة توزيعا يسمح بتبيّن مختلف الفضاءات التي تعبرها الشخصيات، وذلك مقصود لتسهيل عمليات الكوريغرافيا، حيث يرتدي الأبطال أزياء يطغى عليها الرمادي والأزرق الداكن شبيهة بأزياء مقاتلي الساموراي، ويقلدون حركاتهم وأساليب قتالهم.

هذا الانزياح الياباني يتواصل حتى لحظة انتحار عطيل، بسكين معقوف يشبه الطانطو الياباني، ويبقر بطنه بطريقة “هارا كيري”، وتشمل البساطة نفسُها الموسيقى المصاحبة التي اعتمدت الغناء الجماعي والأنغام الخالية من الإيقاع. وقد جعلت هذه التقنيات، التي بدت غريبة في البداية، لخلق مباعدة تفسح المجال لتأويل الشخصيات.

أما الحكاية فهي نفسها، حبّ جنونيّ بين عطيل، الجنرال المغربي الذي يعيّنه دوق البندقية حاكما على قبرص، وديدمونة ابنة برابانتيو، وغيرته التي دفعته إلى قتل حبيبته، رغم استقامته التي يعترف بها الجميع، بسبب ياغو حامل لوائه الذي دفعه الحسد إلى نسج حكاية كاذبة عن خيانة ديدمونة مع الملازم كاسيو، فكان ما كان.

هي إذن حكاية عن خبث رجل يسعى جهده لجعل الآخر غريبا عن نفسه، وعن بلده، وعن حبّه. حكاية تتبدل فيها الوجوه، فيأخذ القوقازي الأبيض وجه المغربي الذي يعيش حياته كواحد من البندقية، ويتحدث لغة أهلها، ليكون الأبيض الوحيد وسط مجموعة من الرجال والنساء السود، ما يجعل لموت الآخر صدى مغايرا. والسؤال الذي تثيره المسرحية لا ينحصر في اختلاف عطيل عن محيطه والعنصرية المسلطة عليه، بل تشمل خصوصا تضحية الأفراد الذين يعتبرون أقلية، وآليات الإقناع، وهشاشة العقل البشري.

 فياغو، بما يملكه من مكر ودهاء، استطاع أن يتلاعب بعطيل ويدفعه نحو فظاعة مدروسة، فتحوّلت سرديةُ ياغو إلى واقع عطيل، ومن الطبيعي أن المهيمن عليهم بشكل أو بآخر هم من يفقدون الحياة، وهم هنا عطيل، وكذلك المرأتان اللتان لا يحسب لهما صوت، أي ديدمونة وإيميليا.

لم يكن الجنرال عطيل يطالب بشيء، كان يعيش كرجل من البندقية ولا يتعرض للكلام المغرض الذي يمكن أن يقال عنه، رغم طابع الاختلاف البادي في لون بشرته، ولكن غيريّته سوف يستغلها شخص آخر، لتصبح عاملا حاسما في مكيدة دُبّرت ضدّه، لعزله عن محيطه، وقطع روابط الحب والصداقة التي بناها في المجتمع البندقي. أي أن كل الجهود التي بذلها للاندماج في البلد الذي احتضنه، سوف تتولى بضعُ كلمات مرصوفة تحويلَه إلى غريب عن نفسه وعن الناس أجمعين.

وبذلك يمكن أن يكون عطيل رجلا أبيض إذا كان كلُّ مَن هم حولَه سودًا. ومن هنا جاءت فكرة إخراج هذه التراجيديا، هذه التجربة الكونية في أن يكون المرء وحيدا وسط أناس لا يشبههم.

16