لؤي البسيوني أول عربي تهبط بصماته على سطح المريخ

المهندس الفلسطيني يسخر من مفارقة أن رحلة استكشافية إلى مسقط رأسه في قطاع غزة، حيث تحتفل ملصقات بإنجازه، تبدو أصعب من رحلة استكشاف المريخ بسبب القيود الإسرائيلية والمصرية.
الثلاثاء 2021/05/11
فلسطيني باع البيتزا في شوارع أميركا من أجل أن يتعلّم

فيما يراقب العالم الأحداث الساخنة التي تدور في مدينة القدس بين مستنكر ومدين لاقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلية ساحات المسجد الأقصى وفض الاعتصام فيها بالقوة، تصل على التوازي أخبار عن تلك الشخصية الفلسطينية المركّبة من أماكن أخرى في العالم. وبينما ترفع هذه الأيام صور قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني الذي يعتبره عشرات الملايين من العرب مجرم حرب في الاعتصامات ذاتها وخلفها قبة الصخرة، ترفع على بعد أمتار أعلام الدول العربية  التي دمّرها محور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران، ومن أذرعه حركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من الفصائل الفلسطينية.

وسط ذلك كله، هناك أجيال من الفلسطينيين وضعت الصراع جانباً لتواصل حياتها مقتحمة الميادين العلمية ومقدمة أعلى درجات النبوغ والتفوّق. وهي حالة ابن غزة لؤي البسيوني وهو مهندس إلكترونيات عمل مع فريق ناسا الذي دخل التاريخ هذا الشهر بإطلاق مروحية تجريبية من سطح المريخ.

يسخر البسيوني من مفارقة أن رحلة استكشافية إلى مسقط رأسه في قطاع غزة، حيث تحتفل ملصقات بإنجازه، تبدو أصعب من رحلة استكشاف المريخ بسبب القيود الإسرائيلية والمصرية.

يقول لوكالة أسوشيتيد برس في مقابلة بالفيديو من منزله في لوس أنجلس “عندما تتعامل مع الإلكترونيات  والتكنولوجيا، يمكنك حساب الأشياء ومعرفة مسارها، أما عندما تتعامل مع الناس والسياسة، فأنت لا تعرف في أي اتجاه يمكن أن تسير الأمور”.

رحلة من بيت حانو

إنجاز البسيوني العلمي الذي تحقق على سطح المريخ حظي بالترحيب العالمي باعتباره لحظة مهمة كإنجاز الأخوين رايت في تاريخ الطيران. (الصور من فيسبوك)
إنجاز البسيوني العلمي الذي تحقق على سطح المريخ حظي بالترحيب العالمي باعتباره لحظة مهمة كإنجاز الأخوين رايت في تاريخ الطيران. (الصورة من فيسبوك)

كانت رحلته من بلدته بيت حانون إلى الولايات المتحدة شاقة، رحلة انتهت به في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة الفضاء في كاليفورنيا، حيث عمل مقاولا يساعد في تصميم مروحية إنجينيويتي.

غادر البسيوني غزة في 1998 للدراسة في الولايات المتحدة ولم يعد إلا مرة واحدة في زيارة قصيرة سنة 2000 قبل الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي قُتل فيها حوالي 6 آلاف فلسطيني وألف إسرائيلي في الهجمات والعمليات العسكرية الإسرائيلية قبل انحسار العنف في 2005.

كان القتال شديدا بشكل خاص في المدن الحدودية وحولها مثل بيت حانون. ويقول البسيوني إن الدبابات الإسرائيلية جرفت مزرعة والده في أربع مناسبات.

انسحبت إسرائيل من غزة في 2005، بعدها استولت حركة حماس على السلطة في القطاع، ومنذ ذلك الحين فرضت إسرائيل ومصر حصارا يحدّ بشكل صارم من حركة الأشخاص والبضائع من القطاع الساحلي الضيق وإليه، وهي منطقة يقيم بها أكثر من مليوني فلسطيني.

كانت غزة تعيش الأزمة تلو الأخرى، بينما كان البسيوني يتابع دراسته في البعيد، كافح من أجل تحمل الرسوم الدراسية في جامعة كنتاكي، خاصة بعد تجريف مزرعة الأسرة وبساتين البرتقال والزيتون الخاصة بها. ووصل به الحال إلى حد العمل أكثر من 90 ساعة في الأسبوع في محل ساندويتشات “ساب واي” وعامل توصيل “بيتزا” لتغطية نفقاته. وانتقل في النهاية إلى جامعة لويزفيل، حيث حصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الكهربائية.

زادت من حياته الصعبة في الولايات المتحدة أحداث 11 سبتمبر عام 2001 وتفجيرات برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك التي وقعت أثناء فترة دراسته، وحاصرت الإجراءات المشددة الطلاب العرب والمسلمين هناك، يقول البسيوني “كانت الحياة بعد 11 سبتمبر غاية في الصعوبة، ولم أتمكن من دفع رسوم الدراسة، ولم يتمكن والدي من المساعدة على الإطلاق”.

بين علماء وكالة ناسا

Thumbnail

انتدبته شركة تكنولوجية كانت تعمل على تطوير الطائرات الكهربائية في 2012 بعدما تعاقدت مع وكالة ناسا لمشروع مروحية المريخ، ولم يطل الأمر حتى تمت ترقية البسيوني لقيادة مهندسي الإلكترونيات، حيث أمضى ست سنوات في العمل جنبا إلى جنب مع علماء ناسا الآخرين لتطوير نظام الدفع للمروحية ووحدة التحكم الخاصة بها والمكونات الرئيسية الأخرى.

قال إن مشاعره كانت لا توصف حين انطلقت المروحية الروبوتية التي طورّها البسيوني على متن الرحلة المغادرة إلى المريخ في مركبة “روفر” التي أطلِقت في الفضاء، وخاصة عندما شاهدها تلامس سطح الكوكب الأحمر.

تابع البسيوني كل لحظة من الرحلة، وانتظر بقلق أي إشارة إلى أن المروحية تعمل بمجرد إطلاقها. عندما وصلت الصور الأولى إلى الأرض التي تظهر المروحية وهي تحلق، ذكر أنه صرخ في منتصف الليل وأيقظ الجميع في المبنى.

لقد كان انتصارًا حظي بالترحيب باعتباره لحظة مهمة كإنجار الأخوين رايت في تاريخ الطيران. ومنذ ذلك الحين، أجرى البسيوني العديد من المقابلات التلفزيونية مع وسائل إعلام غربية وعربية وأصبح بطلا في مسقط رأسه في بيت حانون.

مروحية البسيوني وبيته

طائرة البسيوني تعدّ أقوى بعشرات المرات من بقية الطائرات المماثلة لها. فنسبة الضغط على سطح المريخ تبلغ 1 في المئة فقط من الضغط الموجود في كوكبنا، إضافة إلى ما تتعرض له الطائرة من إشعاعات فضائية. (الصورة من فيسبوك)
طائرة البسيوني تعدّ أقوى بعشرات المرات من بقية الطائرات المماثلة لها. فنسبة الضغط على سطح المريخ تبلغ 1 في المئة فقط من الضغط الموجود في كوكبنا، إضافة إلى ما تتعرض له الطائرة من إشعاعات فضائية. (الصورة من فيسبوك)

يشرح البسيوني في جميع مقابلاته الصحافية الفوارق الكبيرة ما بين الطيران في المناخ الأرضي والطيران في المناخ الفضائي، ويقول إنه تم تصميم طائرته لتعمل بالطاقة الكهربائية على أن تتحمل نسبة هواء ومعدلات ضغط مختلفة تماما عن تلك الموجودة فوق سطح كوكب الأرض. إذ أن نسبة الضغط على سطح كوكب المريخ تبلغ 1 في المئة فقط من الضغط الموجود في كوكبنا، وأن هناك تعرضا لإشعاعات لا نظير لها في الأرض. ولهذا فإن طائرة البسيوني تعدّ أقوى بعشرات المرات من بقية الطائرات المماثلة لها.

وصلت بصمات البسيوني المطبوعة على مروحيته إلى المريخ، لكنه يقول إنه من غير المرجح أن يزور مسقط رأسه في كوكب الأرض بغزّة في وقت قريب بسبب قيود السفر. فهو إذا أراد الزيارة سيتعين عليه المرور عبر الأردن أو مصر لأن إسرائيل لا تسمح لسكان غزة بالدخول أو الخروج من مطارها الدولي.

وفي الأردن سيكون عليه انتظار عربة خاصة لنقله من جسر الملك حسين الذي يعبر الضفة الغربية المحتلة وإسرائيل إلى حاجز بيت حانون. وتعمل وسيلة النقل غير المنتظمة كل بضعة أيام فقط. وستتطلب كل رحلة تصريحا إسرائيليا، وهي عملية يمكن أن تكون معقدة وتستغرق وقتا طويلا ونتيجتها غير مؤكدة.

الشخصية الفلسطينية المعقدة والمركّبة تظهر في لمعان أسماء من أجيال جديدة حسمت موقفها من لعبة السياسة، مثل البسيوني الذي يقول "عندما تتعامل مع الإلكترونيات والتكنولوجيا يمكنك حساب الأشياء ومعرفة مسارها، أما عندما تتعامل مع الناس والسياسة فأنت لا تعرف في أي اتجاه يمكن أن تسير الأمور"

عادةً ما تُمنح تصاريح الخروج فقط للمرضى الذين يسعون إلى العلاج الطبي المنقذ للحياة أو لعدد صغير من رجال الأعمال.

ويكمن خياره الآخر في المرور عبر مصر ومحاولة دخول غزة عبر معبر رفح، الذي يُفتح بشكل متقطع ويمكن إغلاقه لأشهر في كل مرة. وتفرض مصر قيودًا خاصة بها على الفلسطينيين الذين يتعين عليهم التقدم للحصول على تصاريح سفر ودفع رسوم باهظة أحيانا للانتقال.

والد البسيوني طبيب جراح تقاعد عن العمل في 2012 ويعيش الآن في ألمانيا، يقول إنه زار غزة عبر مصر في 2019 وظل عالقا هناك لمدة سبعة أشهر قبل أن يغادر عبر إسرائيل. بينما يشير ابنه إلى أن الأميركيين الآن، بمن فيهم مهندسو الفضاء، يحصلون على إجازة لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع فقط في السنة، ويضيف “إذا ذهبتَ إلى غزة فقد تتعطّل وتفقد وظيفتك”.

ومنذ انتشار وباء كوفيد – 19 شدّدت القيود على جميع الأطراف في العالم كله، ولكن قيود الدخول إلى غزة ومغادرتها قد سبقت بوقت طويل. قيود تصفها إسرائيل بأنها ضرورية لاحتواء حماس التي خاضت ثلاث حروب معها وهي الحركة التي تعتبرها والعديد من الدول الغربية جماعة إرهابية. وتقول وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق الشؤون المدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إنها تدرس الطلبات الفردية وتسمح بالسفر في الحالات الإنسانية. وتضيف أن كل طلب يتلقى “فحصا شاملا يشمل جميع المكاتب المهنية ذات الصلة ويخضع لاعتبارات أمنية”. بينما يقول منتقدو الحصار إنه يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، حيث تحتجز أجيال من سكان غزة في سجن واسع ومفتوح.

المجموعة الحقوقية الإسرائيلية “جيشاه – مسلك” وهي مركز تأسس في العام 2005 بهدف الدفاع عن حرية الفلسطينيين في التنقل، وخصوصًا سكان قطاع غزّة، في إطار القانون الدولي والقانون الإسرائيلي، تقول إن “القيود الصارمة والواسعة” تعني أن “علماء المستقبل في غزة ورجال الأعمال والمبتكرين ممنوعون من الوصول إلى الفرص التعليمية والمهنية التي قد تغير الحياة في القطاع”.

وعلى الرغم من الوضع السياسي يقول البسيوني إنه لا تزال هناك فرص لرواد الأعمال والمبتكرين الفلسطينيين، حتى في غزة، ويأمل أن يتمكن من توفير الإلهام للشباب الفلسطيني. ويضيف “أن تكون جزءا من هذا المشروع الذي يخدم الإنسانية هو مصدر فخر كبير”.

دخل هذا المهندس الشاب التاريخ بعد أن أقلعت مروحيته “إنجينيويتي” التي تزن 1.8 كيلوغرام لمدة 40 ثانية على كوكب المريخ، وكانت هذه أول رحلة لطائرة تعمل بمحرك يتم التحكم بها من الأرض، ومن كان يتحكم بها من على بعد 290 مليون كيلومتر هو لؤي البسيوني الفلسطيني العربي الآخر.

13