لؤي كيالي رسام الحياة العادية في أرقى صورها

الأحد 2016/03/27
لؤي كيالي الكبير العائد دائما من غيابه

لندن - ما لم يحتط له لؤي كيالي أن تكون طريقة موته سببا مضافا لسوء الفهم الذي أحاط حياته بالألغاز. فبعد أن مات محترقا في منزله بحلب، لم تكن نظرية موته انتحارا بعيدة عما شهدته حياته من تقلبات، كانت قد وسمت شخصيته بالكآبة.

أسطورة الحداثة

ربما أضفت طريقة موته هالة عليه، فصار موته المبكر بمثابة علامة على عبقريته التي وهبت كل ما لديها في وقت قياسي وصار لزاما عليها أن تختفي. غير أن الثابت أن ما أنجزه كيالي خلال العشرين سنة التي عاشها رساما كان استثنائيا من جهة قوته الفنية وتميزه الأسلوبي.

فرغم مضي حوالي أربعين سنة على غيابه لا تزال رسومه تثير الاهتمام، لا بسبب أهميتها التاريخية فحسب، بل وأيضا بسبب ما تنطوي عليه من قيمة فنية، لا تتأخر به خطوة واحدة عن الصف الأول من رسامي الحداثة الأولى في سوريا، وهم زملاؤه الذين استمروا في الرسم بعد غيابه. فاتح المدرس ومحمود حماد ونصير شورى، وسواهم من أفراد الجيل الفني الذي بشر بالتحول الفني الذي شهده مفهوم الرسم في المحترف الفني السوري.

غير أن ما يجب الاعتراف به هنا أن الكثير من عمليات الأسطرة قد لحقت بسيرته وذلك بسبب موته المبكر بتلك الطريقة المأساوية. وهو ما جعل الكثيرين يتعففون عن المرور بحقيقة أن الرجل كان مريضا بالكآبة، بل إن البعض حاول أن يلقي بأسباب شعور الرسام بالإحباط على نقاد الفن الذين هاجموا رسومه.

لغز كيالي لا يختزله سؤال موته “هل مات منتحرا أم نتيجة حريق لم يكن له فيه يد؟” بل يتسع لسؤال يتعلق بوضعه النفسي. فهل كان الرجل الذي أحرق لوحات معرضه ذات يوم، ضحية لموقف النقاد المناوئ لتجربته الفنية أم أن هناك أسبابا أخرى لكآبته، لا صلة لها بمعرضه الذي تنقل بين المدن السورية وكانت لوحاته بمثابة رد فعل فني مباشر على هزيمة يونيو الشهيرة؟

لؤي كيالي يجد في الرسم مناسبة للإعلان عن غضبه وضيقه بعالم لا يرى جمالا في حياة الناس العاديين الذين أحبهم باعتباره مشاهدا. لم يكن الرسم بالنسبة له إلا مختبرا للأرواح المعذبة

كآبته التي سلمته إلى الموت

ولد لؤي كيالي في حلب عام 1934. في سن مبكرة مارس الرسم، غير أنه اختار في العشرين من عمره أن يدرس الحقوق وهو الخيار الذي ندم عليه حين غادر الجامعة بعد سنة من التحاقه بها، بعد أن عرض لوحاته في معرضها السنوي.

عام 1965 أوفدته وزارة المعارف وكان أحد موظفيها إلى روما لدراسة الرسم بعد فوزه بمسابقتها. عام 1959 أقام معرضه الشخصي الأول في مدينة روما. بعد ذلك المعرض بسنة شارك برفقة زميله فاتح المدرس في بينالي فينيسيا من خلال الجناح السوري.

في السنة نفسها أقام معرضه الشخصي الثاني في روما. حين أكمل دراسته عاد إلى بلده ليدرس الرسم في المدارس الثانوية وليستقر في ما بعد في المعهد العالي للفنون الجميلة وكان قد افتتح عودته بإقامة معرضه الشخصي الثالث في قاعة الفن الحديث بدمشق.

الحياة الكاملة في حياته الناقصة

كان غزير الإنتاج وهو ما أهله لإقامة ثلاثة معارض في الخمس سنوات التي تلت عودته إلى سوريا. الأول في دمشق والثاني في ميلانو والثالث في روما. صُدم الرسام بما انتهت إليه حرب الأيام الستة عام 1967 فصار يرسم متألما بالفحم وكانت تلك اللوحات مادة معرضه “في سبيل القضية” الذي لم يلق ترحيبا من قبل الفنانين ونقاد الفن وهو ما دفع الفنان إلى حرق لوحاته والتوقف عن الرسم.

كانت تلك صدمته الأولى التي أصيب بسببها باكتئاب شديد، حيث اعتكف في بيته بدمشق منقطعا عن التدريس والرسم ليغادره بعدها إلى حلب عام 1968.
رسوم كيالي تعود بنا دائما إلى صرخة الطفل الذي رأى الملك عاريا

وبالرغم من أن كيالي حاول أن يستعيد وضعه الطبيعي غير أنه سرعان ما كان يتعرض لانتكاسات صحية، وهو ما أدى في النهاية إلى أن يُحال إلى التقاعد عام 1971. وبرغم تلك الانتكاسات فقد استطاع كيالي أن يقيم خلال السنوات اللاحقة خمسة معارض شخصية، بين بيروت ودمشق ومونتريال، كان آخرها عام 1978 في صالة الشعب بدمشق. بعد ذلك المعرض سافر كيالي إلى روما وقد قرر أن يقيم فيها بشكل نهائي بعد أن باع بيته في حلب، غير أنه سرعان ما عاد إلى حلب محبطا ليقرر اعتزال الحياة، مستسلما لكآبته التي سلمته إلى الموت.

مر لؤي كيالي بالرسم السوري خاطفا، غير أنه لم يكن ظاهرة عابرة. أثره كان عميقا بما تلاه من الرسامين.

وهو المتهم بالجنون كان الأشد انسجاما مع ذاته في تصوير البسطاء من الناس بأسلوب تعبيري حديث، لا يبالغ في سرد الحكاية على حساب الانحياز إلى الانفعال الذي هو مصدر الشكل في توتره.

لقد وجد كيالي في الرسم مناسبة للإعلان عن غضبه وضيقه بعالم لا يرى جمالا في حياة الناس العاديين الذين أحبهم باعتباره مشاهدا. لم يكن الرسم بالنسبة له إلا مختبرا للأرواح المعذبة.

كان الرسم وسيلته المؤقتة لمغادرة روحه المضطربة التي لم تتسع لأي نوع من الارتباط الاجتماعي. فالرسام الذي لم يتزوج كان لا يضيق بحياة الآخرين، بشرط أن تكون تلك الحياة مرسومة.
لم تكن لديه إلا حياة واحدة، عاشها وهو يتأمل تفاصيل الأيام الرتيبة التي تتشكل منها حيوات آخرين لا يعرفهم.

وإذا ما وضعنا الموقف السيء الذي اتخذه النقاد والفنانون من معرضه (في سبيل القضية) عام 1967 فإن كيالي كان فنانا ناجحا بالمقياسين الفني والتجاري، ذلك لأن رسومه كانت تباع بأسعار، كانت هي الأعلى في زمانها، إضافة إلى ما كانت تحظى به تلك الأعمال من تقدير من قبل أبناء جيله من الفنانين.

غير أن هشاشة تكوينه الداخلي لم تعنه على مقاومة قسوة الظروف الخارجية وفي مقدمتها هزيمة يونيو التي أربكته، فصار ينظر من خلال اضطرابه إلى جنون جماعي، هو بالنسبة له نهاية لكل شيء أحبه.
تصوير البسطاء من الناس بأسلوب تعبيري حديث

المجنون الذي قال الحقيقة

لقد صور كيالي حياة الناس العاديين كما لم يفعل رسام سوري آخر، وكان يود من خلال ذلك أن يهب نفسه القلقة نوعا من الاطمئنان تستطيع من خلاله الخروج من عزلتها. بطريقة أو بأخرى كان يجد في حيوات الآخرين المكتملة بفقرها نوعا من العزاء لحياته الناقصة، بالرغم من ثرائها.

أكان على كيالي أن لا يظهر تشاؤمه تعبيرا عن صدمته بهزيمة يونيو لينجو من اتهامه بإشاعة روح الإحباط وهو الموقف الذي قاده إلى حرق أو تمزيق لوحات معرضه عام 1967؟

كان ذلك المعرض بمثابة صرخة جيل ضيعته أكاذيب السياسة ولم ينجده الواقع بشيء يمكن التعويل عليه في النظر إلى الحياة بتفاؤل. وكما يبدو فإن تلك الصرخة قد ارتدت إلى صاحبها بعد أن اصطدمت بجدار صلد من النفاق الثقافي وهو ما دعا الرسام إلى أن يفقد مؤقتا ثقته بالفن.

ما لم يدركه منتقدوه أن كيالي وهو الحزين بطبعه لم يكن قادرا على التفاعل مع الوقائع المريرة من حوله إلا ببصيرة الرائي الذي لا يسليه مشهد الأقنعة ولا تدير رأسه خطابات السياسة عن الطريق التي تقود إلى الحقيقة.

لذلك فضل لؤي كيالي أن ينزلق إلى مهاوي الجنون بدلا من أن يتمسك بمظهر العاقل الذي يساهم في إشاعة جنون جماعي. تعود بنا رسوم كيالي دائما إلى صرخة الطفل الذي رأى الملك عاريا.

10