لاءات المعارضة لن تنفعها في جنيف

الخميس 2017/02/23

لا يمثل القول إن ثمة حلا سياسيا لـ”الأزمة السورية” قد يتمكن مؤتمر جنيف 4 من وضع أسس له سوى ذر للرماد في العيون، طالما أن شكل ذلك الحل وطرق تجسيده واقعا ليسا موجودين أصلا. بل إنه سيظل حبرا على ورق شأنه شأن أطنان من التصريحات التي أطلقت خلال السنوات الماضية، والتي اصطدمت بواقع متغير على الأرض لا يمكن التكهن بما سوف يؤول إليه أو على أي شاطئ سوف يرسو.

وبمقدار ما يبدو مثل هذا الكلام مجازيا، إلا أننا لو تأملنا الخارطة العسكرية في سوريا، وخاصة خلال السنة الأخيرة، ستصدمنا حقيقة أن مساحة الثورة باتت ضيقة، وأن ما يسمى بالمناطق المحررة تضاءل حتى كاد يتآكل. ويمكننا أن نستثني محافظة إدلب وبشكل مؤقت فقط، والتي يبدو وضعها قلقا، بسبب الاقتتال المتواصل بين الفصائل المتحكمة فيها والتي يحاول كل منها الانتصار والتفرد بالقرار، وصولا إلى إعلان المناطق التي سوف تسيطر عليها إمارة وربما إمارات إسلامية، طالما أن بعض تلك الفصائل أصلا، وخاصة التي تمتلك ترسانة الأسلحة الأكبر، هي ذات طبيعة لا تختلف كثيرا عن تنظيم داعش، وإن اختلفت عنه ومعه في بعض التفاصيل الثانوية، لكنها بالمقابل لا تمثل الثورة السورية، وهي لا تبدو مبالية بإسقاط النظام في حال استطاعت التوصل إلى اتفاق هدنة طويلة الأمد معه، برعاية أممية أو سواها. ودون أن ننسى أن محافظة إدلب كانت وما زالت تنتظر أن يكون مصيرها مثل مصير جارتها حلب.

بمقدار ما يمثل هذا الكلام عامل إحباط لجمهور الثورة، إلا أنه يترك الباب مفتوحا أيضا لمراجعة سياسية شاملة ينبغي على قوى المعارضة السورية إجراؤها سريعا وترتيب أولوياتها وربما التخلي عن لاءاتها التي تنوء بحملها وخاصة في ظل انعدام أي دعم فعلي لها، فيما يعيش نظام دمشق مطمئنا بحماية داعميه، وخاصة قبل أن تتدخل الولايات المتحدة لتنفيذ مشروع الرئيس ترامب والذي يسعى من خلاله لإنشاء مناطق آمنة، تخفف حدة الموقف، نظريا، لكنها بكل تأكيد سوف تساهم في تقسيم الجغرافيا السورية المقسمة أصلا إلى دويلات، قد يكون تجميعها لاحقا أمرا في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا، في حال لم يتم إسعاف الوضع السوري بحلول أممية تضع حدا للعنجهية الإيرانية الروسية، وهذا هو المهم، برأينا، لأن الحديث عن النظام السوري واعتباره طرفا مؤثرا في ما يحدث يجافي الحقيقة ولا يتطابق مع واقع الحال، فهو مجرد جهة منفذة للقرارات التي تصل إليه من موسكو أو من طهران، وإن كان يفضل طهران نظرا للترابط الكبير بينهما، إلا أن وجود روسيا على الأرض حوّلها من داعم سياسي، إلى صاحب قرار عسكري، بل ويمكن النظر إليها على أنها صاحبة الكلمة الفيصل في ما يمكن ترتيبه لاحقا.

ولا نقصد بكلامنا أن تتخلى المعارضة عن لاءاتها، التي تذكرنا بلاءات العرب الشهيرة في أعقاب قمة الخرطوم 1967 والتي لم يبق من أثرها شيء الآن، الخضوع للاشتراطات الروسية الإيرانية والتسليم بأن رأس النظام يمكنه البقاء إلى “الأبد” حاكما لسوريا، ولكن على الأقل الوصول إلى صيغة حلّ تقريبية تكون كفيلة بوضع حد للمعاناة السورية بالدرجة الأولى من خلال رفع الحصار عن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وإطلاق سراح المعتقلين، والحدّ من تغوّل الجماعات المتطرفة التي باتت تشكل خطرا كبيرا على مستقبل ما تبقى من سوريا شعبا وجغرافيا أيضا. هذا دون أن ننسى أن معالجة قضية الميليشيات الطائفية التابعة والموالية لطهران، وربما التمكّن من إدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية، قد تشكل انتصارا ساحقا ستنعكس نتائجه على الأرض مباشرة، ما يعزز موقف ما تبقى من فصائل ثورية أو من فصائل ما يعرف بالمعارضة المسلحة، وهي تلك الفصائل التي ما زالت، رغم قلة حيلتها، تمثل ما يمكن اعتباره حلم السوريين الثائرين، بل إننا نعتقد أن الضغط باتجاه محاربة تلك الميليشيات بأجندتها الإيرانية الواضحة، هو أكثر جدوى في الوقت الحالي من حديث عن ضرورة تنحي الأسد عن السلطة، وهو حديث تدرك المعارضة سلفا أنه لم يعد يجدي نفعا، وهو يصبّ في مصلحة النظام بالدرجة الأولى فهو يستطيع برفض مثل هذا الطلب “التعجيزي” إفشال هذه الجولة كما أفشل ما سبقها من جولات.

وحتى يتحقق شيء من هذا فإن آلة القتل الهمجية مستمرة في حصد أرواح المدنيين بالدرجة الأولى، بأسلحة إيرانية وروسية، فهل تفرض مفاوضات مدينة جنيف السويسرية الآمنة وقفا لإطلاق النار يمنح ما تبقى من السوريين أملا في أن يبصروا شمس اليوم التالي؟

كاتب سوري

6