لاءات دولية لكبح مخططات أردوغان في ليبيا

محللون يرون أن الرئيس التركي اختار أن يكون عدائيا في ليبيا بنمط لا يليق بسياسات دولة يراد لها أن تكون كبرى في المنطقة.
السبت 2020/01/25
دفع تركي لتحويل المتوسط إلى بحر اضطرابات

أنقرة - تركز أنقرة كافة جهودها راهنا عبر تدخلها في الأزمة الليبية، لا فقط لنجدة حكومة فائز السراج بل أيضا لإضفاء تحولات في موازين القوى بمنطقة شرق المتوسّط.

وتستند تركيا في هذه المعركة الجديدة على اتفاقية رسم الحدود التي وقّعها رجب طيب أردوغان مع حكومة السراج في نوفمبر الماضي، حيث باتت أنقرة تدعي أن لها حقوقا في أجزاء من مياه البحر المتوسط التي تقول اليونان إنها تابعة لها وفقا للقانون الدولي.

وأكد أردوغان هذا التمشي الذي يدفع إلى تحويل المتوسط إلى بحر من الاضطرابات بقوله الأسبوع الماضي، إنه سيبدأ منح تراخيص للتنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط في المياه التي تدّعي تركيا حقها فيها، وهو ما يدفع بالتوترات في شرق المتوسط إلى مستويات جديدة، تهدد باتساع نطاق التصعيد في منطقة تتدخل فيها تاريخيا الولايات المتحدة وروسيا، ثم الصين مؤخرا.

وفي الوقت الذي تسعى فيه أنقرة إلى إظهار صلابة استراتيجيتها في ليبيا، فإن الكثير من الباحثين في الشؤون التركية بدأوا يتحدثون عن الكوابح التي وضعها المجتمع الدولي ضد طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان .

وتلفت مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن أردوغان يعمل في ليبيا خارج خطوط فضاء تركيا الاستراتيجي، وبالتالي فإن مغامرته في ليبيا تجريبية هدفها استطلاع فرص توسّع نفوذ تركيا على نحو يجعلها داخل نادي الكبار في عمليات التحاصص في النفوذ.

وتشير المصادر إلى أن أردوغان تمكّن من “التسلل” إلى الملعب الليبي حين أهمله اللاعبون الدوليون، وأن عودة هؤلاء اللاعبين، وبقوة، من خلال ما عبر عنه مؤتمر برلين، ستجبر تركيا على إعادة حساباتها في ليبيا والتركيز على التخفيف من الخسائر.

ويعتبر متخصصون في مسائل حلّ الأزمات في العالم، أن أردوغان اختار أن يكون عدائيا ومستفزا في ليبيا بنمط لا يليق بسياسات دولة يراد لها أن تكون كبرى في المنطقة. ويلفت هؤلاء إلى أن الرئيس التركي ارتكب عملية انتحارية بحيث سارع إلى إحراق مراكبه في ليبيا وقدم نفسه لليبيين، على عكس مقاربة روسيا مثلا، بصفته عدوا شرسا لطرف وحليفا حميما للطرف آخر.

ويقول المحللون إنه في ديناميات حل الأزمات، فقدت تركيا موقعها كوسيط محايد كما ضيّعت موقعها كطرف يجيد ممارسة السياسة مقابل التمسك بخيار عسكري يسهل التصدي له بخيار عسكري مضاد.

وكان أردوغان قد هدد، الثلاثاء، في خطاب أمام نواب حزبه المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي على نحو يعبّر عن جانب غير متزن في مقاربة الصراع في ليبيا والتحدث عن أطرافه. 

ولاحظت أوساط واكبت مؤتمر برلين أن أردوغان حاول داخل قاعة النقاش المقفلة أن يحقق إنجازا سياسيا من خلال الاعتراف به من قبل كل الدولة المنخرطة في المؤتمر شريكا في التسوية الليبية على منوال شراكته مع روسيا وإيران بالتسوية السورية من خلال عملية أستانة.

غير أن الرئيس التركي أدرك في برلين أن مرحلة الفراغ الدولي قد انتهت في ليبيا، وأن أوروبا وروسيا والولايات المتحدة، كما مصر والإمارات وبقية دول الجوار الليبي، باتت منكبّة بشكل مكثف على بذل وتنسيق الجهود لإعادة رسم خارطة الحل في ليبيا.

ويلاحظ مراقبون أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية عجزا عن تسويق “الحملة” الليبية لدى الرأي العام في تركيا، وأن الأتراك يتساءلون عما تفعل قوات بلادهم في ليبيا وذلك على عكس التفهم الذي حظي به أردوغان لدى الأتراك، حتى لدى المعارضين منهم، للحملات العسكرية التي خاضتها البلاد في شمال سوريا.

ويعتبر هؤلاء أن المنحى الذي بدأت أنقرة تعبر عنه يهدف إلى إعادة تموضع تركيا على نحو سيجعل موقعها خلفيا مقابل مواقع دول إقليمية وأوروبية بدأت تضع ليبيا في صدارة أجنداتها.

بوتين يمتلك هامشا من المناورة أفضل من أردوغان
بوتين يمتلك هامشا من المناورة أفضل من أردوغان

 وكان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، قد أعلن الخميس أن بلاده لن ترسل المزيد من المستشارين العسكريين أو قوات إضافية إلى ليبيا طالما تم احترام اتفاق الهدنة ووقف إطلاق النار. ويدعو مراقبون إلى مراقبة موقف اليونان الذي بات يمثل واجهة موقف أوروبا وعناوين مواجهتها لاستراتيجية أردوغان، لاسيما تلك التي استندت على اتفاقية ترسيم الحدود بين أنقرة وطرابلس.

وجددت اليونان معارضتها للاتفاق البحري الذي وقعته حكومة الوفاق الليبية برئاسة فايز السراج مع تركيا. وذهب رئيس الحكومة اليونانية كيرياكوس ميتسوتاكيس، الخميس، إلى أبعد من ذلك قائلا “إن الاتحاد الأوروبي لن يوافق على أيّ حل في ليبيا ما لم يلغ هذا الاتفاق”.

وتقول بعض وجهات النظر التركية إن روسيا باتت لاعبا أساسيا في ليبيا رغم أن استثمارها السياسي والعسكري أقل من ذلك الذي قامت به أنقرة، سواء من خلال واجهة دبلوماسية أثمرت توقيع أردوغان مع رئيس حكومة الوفاق فائز السراج على مذكرة التفاهم المتعلقة بالتعاون العسكري وبترسيم الحدود المائية بينهما، أو من خلال واجهة عسكرية جاهرت بإرسال “المستشارين” العسكريين وصولا إلى إقرار أردوغان أن بلاده ترسل مرتزقة إلى ليبيا.

وتوضح مصادر دبلوماسية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تمكن، كما في حالة سوريا، من استخدام تورط تركيا لصالح الموقف الروسي من الشأن الليبي، بحيث بدا الأقدر على تقديم بلاده بصفتها راعيا محايدا وقادرة على لعب دور الوسيط المقبول ليبيّا.

ونوهت المصادر إلى أنه، رغم اعتراف بوتين نفسه بوجود مرتزقة روس في ليبيا لا علاقة للحكومة الروسية بهم، فإن العلاقات التي سبق أن فتحتها موسكو مع طرابلس ومشاركة روسيا في مؤتمر الصخيرات الذي أنتج حكومة الوفاق وتواصلها الرسمي مع رئيسها فايز السراح، وفّر للرئيس الروسي هامش مناورة هام على عكس نظيره التركي الذي حشر نفسه بانحيازه المفرط للميليشيات وجماعات الإسلام السياسي التي تنضوي تحت سقف حكومة السراج في طرابلس.

ويرى خبراء في الشؤون التركية أن مؤتمر برلين كما مؤتمر دول الجوار في الجزائر كما مؤتمر الحوار الليبي – الليبي الذي يعد له مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة حوّل تركيا إلى لاعب من اللاعبين بعد أن خيّل لأردوغان أنه بات اللاعب الوحيد.

6