لاءات مستجدّة

بدأ الوضع في الانفراج شيئا فشيئا، في الآونة الأخيرة، مع تخفيف قيود الحجر، ومع ذلك أصبحت كلمة “لا” تأتينا بالبلاء في وطن نجح، نسبيا، في درء الداء، لكنّه فشل في تأمين استمرارية الغذاء.
الثلاثاء 2020/08/11
تقبّلنا اللاءات بصدر رحبِ

في تونس، ترعرعت أجيال وأجيال على مثل شعبي قائل “كلمة لا.. ما تجيب بلاء” (لا تصيبك ببلاء). هذا المثل ينطبق تماما على ما يعيشه العالم منذ أربعة أشهر ويزيد، على وقع الجائحة التي أربكت الدنيا وحصدت أرواح الملايين من الناس.

العالم، كل العالم، بتكنولوجياته المتطوّرة وعلومه الخوارزمية الخارقة وطبّه ما بعد الحداثي، وقف عاجزا أمام الوباء المستجد، ولم يعد للإنسان مفرّ كي يحافظ على حياته وحياة أولاده وبعض من أحبائه سوى الاعتماد على مقولة المثل الشعبي التونسي في حربه ضدّ كوفيد – 19.

لا تُغادر البيت، لا تختلط بالناس، لا تقبّل، لا تلامس، لا تسبح، لا تمرح.. لا تكحّ.. لا تعطس، فالعطسة تهمة والكُحّة جريمة.

لا تنسى وضع الكمامات إن اضطررت لمغادرة البيت لدقائق معدودات، لا تنسى أن تعقّم يديك إن أخطأت وصافحت أحد الأقربين إليك، لا تُشارك أحدا في صحنك وكأسك وفراشك.. وربما ميراثك!

هي نماذج من اللاءات الجديدة المستجدّة، وربما المستمدّة من المثل الشعبي التونسي، الذي يبدو أن منظمة الصحة العالمية عملت على تعميمه في البشرية أسوة بـ”اللاّ” التونسية، فأخضعت الإنسانية للعشرات من اللاءات المتحكّمة في تفاصيل حياتهم اليومية.

تقبّلّنا اللاءات بصدر رحبِ المواجعِ غير مرحّب بهول الفواجع، إن نحن تمرّدنا على اللاءات والإملاءات، وبتنا لا ننام ولا نصحو إلاّ و”اللاّ” تصطحبنا في حلنا وترحالنا، بل غدت كلمة “لا” لسان حالنا الأبكم إزاء نطق كلمة “نعم” المشتهاة.

نعم، كلمة مفتاح، كانت تُغدق علينا منذ زمن غير بعيد الكثير من النِعَم المؤجّلة إلى حين قد يطول وقد يقصر، لكنه بات عزيزا الآن وهنا وهناك أيضا.

نعم لقليل من الحرية، نعم للعربدة الطفولية.. نعم لجولة ليلية مُختلسة من زمن الحجر وتلصّص الأطباء/ الرقباء علينا. نعم لبالون هواء نقيّ يقينا خطر الكوفيد وتدميره لأعصابنا قبل أجسادنا. نعم لسباحة متناثرة على رمال شواطئ متحرّكة متغيّرة ننتقيها وفق ما ترتضيه لنا وزارة الصحة التونسية في تحديدها للمناطق الموبوءة من عدمها.

نسينا طموحاتنا الكبيرة كالارتقاء في السلم الوظيفي والسفر وجمع المال والتحايل في تكديسه. بتنا نرضى بأقل الطموحات الممكنة، كأن نحافظ على وظائفنا لأشهر إضافية، ولا بأس إن لم نسافر خلال هذا العام فلنا في الخيال سلوى وملاذ، أما عن المال فحدّث، وبكل حرج!

بدأ الوضع في الانفراج شيئا فشيئا، في الآونة الأخيرة، مع تخفيف قيود الحجر، ومع ذلك أصبحت كلمة “لا” تأتينا بالبلاء في وطن نجح، نسبيا، في درء الداء، لكنّه فشل في تأمين استمرارية الغذاء.

فحمدا لله أننا بلغنا العيد بأمر فيه تجديد. حمدا لله أننا لا زلنا على قيد.. الكوفيد؟

24