لات حين ندامة

الأربعاء 2015/06/17

قال بحسرة “آه يا صديقتي لو تدرين كم أنا نادم لأنني أضعتها مني!.. وأكاد أجزم كم هي نادمة الآن لأنها عرفتني!.. فأنا لم أكن أستحقها!”.

هكذا بدأنا حوارنا أمس.. بعد طول غياب وحوارات ابتلعتها الأيام بانشغالاتها فأبعدتنا عن بعضنا.. وكم كان لحواراتنا القديمة من معان تنير أيامنا كأننا كنا بها أقوى على مقارعة أنياب الحياة..

في ذلك الزمن كنت قد علّمت نفسي ألا أطيل الحديث مع الندم.. ألا أتوقف عنده وألا أسمح له بأن يكون قريبا مني أو صديقا.. وكنت إذ ارتكب خطأً أو حماقة توجع ضميري أو توّبخني على سذاجتي وتصديقي.. أتأملها لبعض الوقت وأمضي ولسان حالي يقول “الحياة تجارب!”.. وكنت كلما وجدت صديقا يسمح لنفسه اللوّامة بأن تشغل حيّزا من وقته وتفكيره أنهره قائلة “لا تنظر إلى الوراء.. فثمة قادم أهم ينتظر حكمتك التي ستبقى تتراكم كلما كثرت أخطاؤك وتعلمت منها المزيد.. وبدل أن تندم كن واعيا لئلا تقع في الخطأ نفسه مرة أخرى!.. لا تقل لماذا حصل ما حصل.. لا تقل ماذا لو.. ولا تلمْ نفسك.. هكذا تقول قواعد الخلاص من الإحباطات والنوستالجيا والفشل والصدمات والخيبات والفقدان والإحساس بالذنب أو منح الثقة لمن لا يستحق.. والإحسان لمن يأتيك شره بعد حين..”.

قال لي إنه تعلم هذه الحكمة مني.. لكنه لم يعد يقوى على تطبيقها (وكأنني مازلت أطبقها!).. وراح يسألني “لماذا صرت أجلد نفسي ولا أعرف طريق الغفران لها بينما أغفر لكل من حولي؟.. لا أدري متى بدأ الندم يفرض نفسه عليّ فصار يتسلل مثل هاجس يعكر صفو حاضري!.. هل حين نكبر تكبر أخطاؤنا فيكون ندم اقترافها أوجع والشفاء منها أبطأ؟.. أم أننا إذ نكبر يصعب علينا أن نخطئ أو أن يُخطئ الآخرون في حقنا لأننا نجد أنفسنا أكبر من الأخطاء؟..

هل هو تراكم الألم الذي لم يعد لمبضع الحنو والمحبة واحتضان الآخرين من قدرة على علاجه؟.. أم هي ثنائية الغربة والوطن بذئابها ووحشتها وما تبثه فينا من طاقة سلبية تستلب هدأتنا وتنفث فينا أحاسيس الخواء والضياع؟.. أم تراني صرت أكثر حساسية لخيبات البلاد وخذلان الأحبة؟”.

بدا وكأنه يتحدّث بلساني.. فقلت له “لا أسوأ من هذا الدرب.. درب الملامة وجلد الذات.. ولن أنصحك يا صديقي فأنا مثلك أولى بالنصائح.. لكن دعنا نحاول أن نردد معا تميمة الإصرار لعلها تكون مفتاحا لهدأة أرواحنا”.

لن ننظر إلى الوراء.. لن نكرر ما سمعنا فأثار غيضنا.. ولا ما شاهدنا فصَدَمَنا.. ولن نسمح للصور الموجعة بأن تربك عقولنا.. لن نفتح الباب لذاكرة فرح كانت ولم تعد موجودة فتثير شجوننا.. ولن ندع من رحل عنا يستبدّ بما سيأتينا.. فثمة دائما آت جديد.. وسيكون أجمل بلا شك لو أننا فقط آمنا بأنه سيكون كذلك.. فنحن سنعيش مهما كرهنا حياتنا.. وسنموت مهما تشبثنا بحاضرنا..

هي ليست اتكالية على القدر بل على العكس.. هي اعتقاد وثقة في النفس وبالقدرة على الإنجاز والتجاوز.. ولو صدقناها سنؤمن بها ونمنحها أحذية تمشي على الأرض وتتراقص أمامنا لتثبت بأنها حقيقة.. هكذا تقول الحكمة يا صديقي.. ولا أدري من فينا سيكون البطل الذي يستطيع أن يجعلها تحدث بالفعل!”.

21