لاجئات سوريات في قبضة ذئاب بشرية في لبنان

الحرب بددت أحلام السوريات بالعيش الكريم ودفء الأسرة ليستيقظن على واقع مؤلم إثر لجوئهن إلى دول الجوار ويصبح أقصى أمل لهن توفير لقمة العيش، ويدا رحيمة تساعدهن على الانتقال بعيدا عن دمار الحرب، والخوف الذي بات يعشعش في كل مكان هناك، لكن هذه الأحلام البسيطة لم تتحقق لبعضهن ليواجهن الويلات والعبودية الجنسية.
الجمعة 2016/04/08
من يرحمنا

بيروت- رحلت الآلاف من السوريات هربا من نار الحرب إلى لبنان بأحلامهن بالعيش الكريم والأمان قاصدات أرض الجيران التي كانت بمثابة شعاع أمل، قبل أن ينقلب هذا الشعاع إلى عتمة حالكة، بعد أن وجدن أنفسهن في قبضة أناس قست قلوبهم، وزجوا بهن في جحيم “العبودية الجنسية”.

إنها قصة 75 امرأة وفتاة، غالبيتهن من الجنسية السورية، استُدرجن إلى لبنان بذريعة قيامهن بأعمال منزلية في البيوت أو غيرها، وفور وصولهن، كانت جوازاتهن تُصادر، وكنّ يُخبرن أنهن مسجونات منذ لحظة وصولهن، وأنهن مُجبرات على العمل في “الدعارة” تحت التهديد.

وكشفت أجهزة الأمن اللبنانية عن إلقاء القبض على عناصر هذه الشبكة، الجمعة الماضي، التي “رأسها” لبناني يُدعى علي حسن زعيتر، بينما “مُديرها التنفيذي” سوري يُدعى عماد الريحاني، والأخير كان مختصا في استدراج النساء والفتيات والإيقاع بهن. سالي (27 عاما) من حمص تم احتجازها لمدة عامين ونصف العام، وهي فترة تصفها بأنها “الأكثر مرارة” في حياتها.

وتروي ساردة مأساتها “تعرفت على عماد الريحاوي خلال سهرة في بيروت على أساس قصة حب وزواج، خاصة أنه سوري، وابن بلدي، ويريد أن يساعدني”. وتتابع “بعد لقاءات عدة اصطحبني إلى ملهى ‘شي موريس” على أساس شغل، وقال لي ‘إنه يحتاج ثلاثة أشهر حتى ينتهي من تجهيز منزله، وبعدها نتزوج\'”. وتشير إلى أن لحظات السعادة، التي شعرت بها، انتهت بعدما وصلت إلى ملهى “شي موريس”.

إذا رفضت إحدى الفتيات العمل يضعها عماد على الكرسي، ويضربها بالكرباج، ولا يتوقف حتى تقول له إنني لا أريد الرحيل أبدا

وتصف ذلك قائلة “بعدما أوصلني إلى المكان، ورأيت الفتيات بملابس فاضحة جدا، وأخبرني عن طبيعة العمل، رفضت، فطلب مني أن أبقى ليلة واحدة على أن أرحل في اليوم التالي، صرت أبكي، ولم أتقبل أن يلمسني أحد”.

وتضيف “في اليوم التالي جمعت أمتعتي لأرحل، فوجدت الأبواب موصدة في وجهي، وقالت لي إحدى الحارسات إن علي أن آخذ إذنا من عماد للمغادرة، وعندما حضر إلى المكان صفعني مرتين، لم أستطع بعدهما أن أسمع بأذني لأيام عدة”.

وتابعت، وهي تبكي “أخذني إلى الصالون (مكان في الملهى)، ووضعني على الكرسي، وأحضر الكرباج واستدعى الفتيات، وسألهن بصوت عال، ماذا أفعل بالتي تفكر في الرحيل؟، فشعرت بالخوف؛ أنا التي لم أتلق صفعة واحدة في حياتي”.

وتواصل قصتها “بعد 15 يوما، لم أستطع التحمل، وقلت له إنني أريد أن أرحل، وضعني على الكرسي، وضربني بالكرباج، ولم يتوقف حتى قلت له إنني لا أريد الرحيل أبدا”، لافتة إلى أن الضرب بالكرباج يكون على القدمين حتى لا يثير الأمر شكوك الزبون.

وتستطرد “إذا لم نعد قادرات على العمل من جراء الضرب، يعطينا عطلة يومين، أما إذا كنا قادرات على الحركة، نعود إلى العمل. أحيانا يسألنا الزبون عن سبب هذه الآثار الناتجة عن الضرب فنقول له ‘وقعنا على الدرج\'”.

زادهم الأمل

وحول الأيام الأخيرة لها مع الشبكة وكيف تمكن الأمن اللبناني من كشفها، تقول سالي “قررنا الهروب، أنا وسبع بنات أخريات، لكن فكرنا أنه إن توجهنا إلى الأمن العام سيجدنا جلادنا عماد”.

وتضيف “في النهاية عزمنا أمرنا وبدأنا بالفعل في الهرب، لكن عماد قبض على ثلاث منا، فيما تمكنت الخمس الباقيات من الهروب”. وتتابع قصتها “كنت ممن لم تتمكن من الهرب، وعندما قبض عليّ عماد ربطني في السرير، وراح يجلدني، لكنه لم يكثر من عدد الجلدات، لأن يوم السبت (26 مارس) يكون لدينا عمل كثير. تركني وهو يهددني بأنه سيكمل ضربي يوم الإثنين، لكن تمت المداهمة الأحد”.

رنا (24 عاما) من السويداء، بدأت فصول قصتها مع جحيم الحرب في سوريا، والذي أجبرها على اللجوء إلى السعودية، حيث تزوجت من أحد مواطني المملكة، وأنجبت منه أطفالا، قبل أن تنفصل عنه، لتعود من هناك إلى لبنان حيث واجهت مأساة أخرى أثقلت من همومها.

تقول رنا “كان من المقرر أن أمكث في لبنان شهرا عند عمي، ثم أعود إلى السعودية، لكنني لم أرتح في العيش مع عمي. تركته بعدما تعرفت على بنات، وسكنت معهن في منزل مشترك في جونيه. تعرفت على عماد من قبل أحد الأشخاص على أساس توظيفي في مطعم”، وتشير إلى أنها بعدما عرفت طبيعة العمل، رفضت، وبعد الضرب والتعذيب عادت ووافقت.

وكشفت أنها بعد فترة أصبحت حاملا من أحد الزبائن، ولأنها كانت “مطلوبة من أغلب الزبائن” تأخر مشغلوها في إجراء عملية إجهاض لها حتى أصبحت في الشهر الرابع، “أعطوني دواء حتى يقتل الجنين، ويفتته في أحشائي قبل سحبه”.

دعارة "رأسها" لبناني يُدعى علي حسن زعيتر، بينما «مديرها التنفيذي» سوري يدعى «عماد الريحاني»، والأخير كان مختصا في استدراج النساء والفتيات والإيقاع بهن

سيرينا (27 عاما) من ريف إدلب وصلت إلى لبنان قبل نحو ثلاثة أشهر، تقول إنها “تعرفت على شاب (عماد) على أساس قصة إعجاب وزواج، أخبرني أننا سنعيش في لبنان وسنعمل معا. عندها، أعددت أوراقي وسافرت إليه”.

وتضيف “تحدثت مع عماد عدة مرات عبر الهاتف قبل السفر، وجعلني أتحدث إلى نور التي عرفني عليها على أنها إحدى صديقاته (اكتشفت بعدها أنها زوجته وإحدى الحارسات في الشبكة) التي شجعتني بدورها على المجيء إلى لبنان”.

وبعد حضورها، اصطحبها عماد إلى ملهى “شي موريس”، “عندما وصلت إلى الملهى لم أشعر بشيء غريب، إذ خلت أنني سأقدم الطلبات إلى النزلاء، وبعدها طلب عماد من أحدهم إرشادي إلى غرفة لأرتاح فيها”. ولم ترغب “سيرينا” في استكمال قصتها، لأنها لا تريد تذكر الفظائع التي عايشتها داخل الملهي.

نغم (30 عاما) من طرطوس وصلت إلى لبنان قبل 10 أيام من تحريرها من الأسر لدى الشبكة، وهي الأجدّ بين ضحاياها، تقول “صديقة لي في سوريا اتصلت بي في إحدى المرات، وقالت إن لديها صديقا يريد أن يفتح مطعما في جونيه، وعرضت علي العمل لديه، لأتمكن من جمع المال، ويلحق بي زوجي في وقت لاحق من سوريا”.

وتضيف “حين وصلت أطلعني عماد على حقيقة العمل، فرفضت، وقلت له إنه بإمكاني أن أتصل بأحد الأشخاص ليؤمن له المبلغ الذي دفعه تكلفة وصولي إلى لبنان، فقال ستشتغلين، وبعد الضرب والإكراه، أجبروني على العمل”. وطلبت نغم عدم الخوض في تفاصيل أخرى من قصتها حفاظا على كرامة زوجها، وحتى لا تتضرر صورتها بشكل أكبر أمام أطفالها.

20