لاجئون في أوطانهم: حقوق منتهكة وعجز حكومي وأممي

الأحد 2014/05/11
دول تضيق بسكانها

يرصد تقرير صدر عن مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، أزمة نوع خاص من المشرّدين الذين يسمون بـ”اللاجئين داخل أوطانهم”، وهم سكّان مشردون ضمن حدود بلادهم.

أضحت مسألة التشرد الداخلي اليوم من أهم المسائل المأساوية في تاريخ الشعوب، ومن أكبر التحديات الإنسانية للمنظمة الأممية، فبحسب تقارير الأمم المتحدة يوجد نحو 25 مليون نسمة، في مختلف أنحاء العالم، تمسهم ظاهرة التشرد لأسباب مختلفة، وتعدّ تلك الظاهرة مأساة هذا العالم المعاصر، إذ تؤدي إلى تفريق الأسر وتمزيق الروابط الاجتماعية والثقافية والقضاء على علاقات التوظف المستقرة وإضاعة الفرص التعليمية وحرمان الناس من الضرورات الحيوية مثل الغذاء والماء والدواء وتعريض الأبرياء لأعمال العنف من قبيل الاعتداء على المخيمات والخطـف والاغتصاب.

وسواء تجمع المشردون داخليا في مخيمات، أو فروا إلى الأرياف ابتعادا عن مصادر الاضطهاد والعنف المحتملة، أو اندسوا في مجتمعات الفقراء والمعوزين مثلهم، يظلون أشد السكان عرضة للتأثر وأكثرهم حاجة للحماية والمساعدة.

وكثيرا ما يكون التشريد جراء صراعات عنيفة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعوامل ذات صلة يغلب عليها طابع التمييز، أو قد يأتي التشرد نتيجة للظروف المناخية والكوارث الطبيعية، ومن ثمة يكاد يفضي دائماً إلى خلق ظروف بالغة الشدة والإيلام للسكان المتضررين.


مناطق التشرد في العالم


تقسم مناطق التشرد جغرافيا تبعا لأسبابها إلى نوعين؛ الأول، مناطق جغرافيا الصراعات والنزاعات المسلحة وتكثر في مناطق متفرقة من قارة أفريقيا وآسيا، منها دول دخلت دائرة عدم الاستقرار السياسي والأمني في السنوات الأخيرة بفعل الثورات التي حدثت في المنطقة العربية واشتداد الصراع على السلطة تحت عناوين مختلفة من أبرزها الطائفية. إضافة إلى دول أخرى تقع في جنوب شرق آسيا يشتد فيها التطهير العرقي مثل "ميانمار".

أما النوع الثاني، فهو المناطق التي تشهد جغرافيا الكوارث الطبيعية بشكل متكرر كالفيضانات والعواصف والزلازل وغالباً ما تكون في مناطق من آسيا وقسم من الأميركيتين.

حقائب السفر تحمل لوعة اللاجئين

من بين أكثر الدول في أعداد السكان تشردا في العالم نجد الدول الفقيرة أو تلك التي تكثر فيها الصراعات الإثنية والطائفية والنزاعات المسلحة، فقد أفادت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن عدد الأشخاص المشردين بفعل النزاع في منطقة أبيي في السودان- على سبيل المثال- قد وصل إلى 100.000، مضيفة أن العديد من السكان مازالوا في حالة حركة أو اختباء في الغابات وسط نشاط عسكري مكثف.

وقال المتحدث باسم المفوضية، أدريان إدواردز، “تشير تقديراتنا الحالية إلى أن 100.000 شخص تشردوا، وتم تسجيل 67.000 منهم حتى الآن”. ولجأ أكثر المشردين إلى ولاية “واراب”، بينما توجه البعض الآخر إلى “أقوك” على الرغم من قربها من أبيي والوجود العسكري الثقيل في المنطقة.

مقرر الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان “تشالوكا بياني” دعا المجتمع الدولي إلى توفير حماية عاجلة وزيادة حجم المساعدات الإنسانية من أجل مواجهة التزايد المستمر في أعداد المشردين والنازحين من جراء أعمال العنف الدائر حاليا في جمهورية أفريقيا الوسطى. وحذر مقرر حقوق الإنسان الأممي من ارتفاع عدد المشردين داخليا في جمهورية أفريقيا الوسطي خلال المدة الماضية.

أما في ميانمار فيقدر عدد المشردين المسلمين الروهنجا بحوالي 700 ألف مشرد على خلفية الصراع العرقي الذي تقوده جماعات بوذية متشددة. وفي سوريا ذكر الهلال الأحمر السوري، وهو هيئة المساعدات الرئيسية في سوريا، أن عدد السوريين المشردين في الداخل جراء الصراع الدائر هناك بلغ مليوني شخص على الأقل. وهذا الرقم يمثل أكثر من ضعف الرقم الذي تعلنه حتى الآن وكالات الإغاثة.

وقالت المتحدثة باسم وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة “ميليسا فلمنغ” إن هذه الأرقام تظهر أن السوريين يفرون بالفعل من مناطقهم ويختبئون بسبب الصراع. وأوضحت أن هذا جعل من الصعب إحصاؤهم وزيارتهم. وأضافت بأن أكثر من 400 ألف سوري سجلوا أسماءهم أو ينتظرون تسجيل أسمائهم كلاجئين في بلدان مجاورة. وفي العراق، تسببت أعمال العنف الطائفي، وبخاصة في المناطق المختلطة بين عامي 2006- 2007 بتشريد آلاف العائلات من مناطقها الأصلية، وخاصة في محافظة ديالى وقضاء طوز خرماتو وتلعفر.

"اللاجئون في الوطن" هكذا يوصفون؛ “هم الأشخاص المشردون داخليا والذين أجبروا أو اضطرّوا للهرب أو ترك أماكن سكناهم لأسباب عدة ولكنهم لم يعبروا الحدود الدولية المعروفة للدولة”؛ وأخذت ظاهرة المشردين داخليا بالتزايد منذ نهاية الحرب الباردة، حيث أن الصراعات في السنوات الأخيرة أصبحت داخلية بشكل رئيسي. وتكثر التشابهات بين مأساة اللاجئين والمشردين الداخليين، انطلاقا من مفهوم الاغتراب؛ حيث أن كلا الصنفين لم يعد قادراً على التمتع بالحماية التي يوفرها بلده.

عندما يصبح الوطن "جحيما" لا مفر من الرحيل

وهنالك تفريق قانوني مهم بين اللاجئين الذين فروا من بلادهم، وأولئك الذين أصبحوا مشردين داخل حدود وطنهم. وفي الوقت الذي ينتفع اللاجئون من الحماية التي توفرها الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين عام 1951، والبروتوكول الملحق بها عام 1967، والنظام الأساسي لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؛ فإن الأشخاص المشردين داخليا لا يتمتعون بأي وضع قانوني خاص حيث أنهم بقوا ضمن حدود بلادهم وبالتالي فهم خاضعون لقوانينها.

إن حقيقة عدم وجود وضع قانوني خاص للمشردين داخليا، لا يجب أن تعني بأنهم لا يتمتعون بالحماية الممنوحة من قبل القوانين المحلية، وقانون حقوق الإنسان الدولي والقانون الإنساني الدولي. لكن، هذه القوانين عادةً ما تترك الأشخاص المشردين داخلياً دون الحماية الملائمة على الأرض نظراً للفجوات القانونية، وعدم وجود وسائل التقوية، بالإضافة إلى عوائق أخرى.

وفي ظل غياب معاهدة دولية بخصوص المشردين داخليا، فقد تمت صياغة المبادئ التي تسري حول التشريد الداخلي من أجل تزويد المنظمات الدولية بما يوجه عملهم على الأرض، في وقت يغيب فيه دعم الحكومات المحلية لمفهوم المعاهدة الدولية، حيث أن الحكومات المعنية تجادل بأن هذا الأمر هو مسألة محلية تتم معالجتها بناء على قانون البلد.


الإجراءات الدولية


تتسم عمليات الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان بأهمية أساسية في رصد وحماية حقوق الإنسان الخاصة بالعائدين والمشردين. ويمكن أن يتعرض المشردون داخل بلدهم بصفة خاصة لانتهاكات لحقوقهم الإنسانية وقد يحتاجون إلى شكل معين من أشكال حماية هذه الحقوق. ويمكن لموظفي حقوق الإنسان التصدي لاحتياجات العائدين والمشردين داخليا إلى حماية حقوقهم الإنسانية على عدة مستويات، وهي خلال فترة التشرد نفسها وفي الإعداد للعودة إلى الوطن وخلال عملية العودة وبعد العودة وخلال فترة إعادة الاندماج.

مجاميع المتشردين غالبا ما يغمرهم تيه المصير

ومن المهم في جميع المراحل أن يكون موظفو حقوق الإنسان على علم بالتهديدات التي قد يواجهها العائدون والمشردون داخليا، وأن يكونوا على دراية بالقانون الدولي الملائم الذي يوفر الحماية ضد هذه التهديدات.

وفي السنوات الأخيرة، ازداد وعي المجتمع الدولي بمحنة المشردين داخليا، ويتخـذ المجتمع الدولي حاليا خطوات لتلبية احتياجاتهم. ففي عام 1992، عيّن الأمين العام للأمم المتحدة، بناء على طلب لجنة حقوق الإنسان، ممثلا بشأن المشردين داخلياً لدراسة أسباب وعواقب التشريد الداخلي، ومركز المشردين داخلياً في القانون الدولي، ومدى الاهتمام بأوضاع المشردين في إطار الترتيبات المؤسسية الدولية القائمة وطرق تحسين الحماية والمساعدة المقدمة لهم، بما في ذلك طريق الحوار مع الحكومات والأطراف الأخرى ذات الصلة.

ومنذ أن لفتت الأمم المتحدة أنظار المجتمع الدولي أول مرة إلى أزمة التشريد الداخلي، عمد كثيرٌ من المنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية إلى توسيع حدود ولايتها أو نطاق أنشطتها لتناول احتياجات المشردين داخلياً بصورة أكثر فعالية. وأصبحت الحكومات أكثر استجابة بعد أن أدركت مسؤوليتها الأولية عن حماية ومساعدة السكان المتضررين الخاضعين لسيطرتها. وغدت في الحالات التي يتعذر فيها الاضطلاع بهذه المسؤولية، لعدم توافر الإمكانات، أقل عزوفا عن طلب المساعدة من المجتمع الدولي. ومن ناحية أخرى، فمن الصحيح القول إن المجتمع الدولي، وإن يكن أكثر نزوعا للاستجابة الفعّالة لظاهرة التشريد الداخلي، على الصعيدين المعياري والمؤسسي، فإنه أقل تهيؤاً للاضطلاع بهذه المهمة.

اعتمدت لجنة حقوق الإنسان، في دورتها الثالثة والخمسين في أبريل 1997، القرار 39/ 1997 الذي أحاطت فيه علما بأوجه الإعداد لإصدار المبادئ التوجيهية، وطلبت إلى الممثل بشأن المشردين داخلياً في الأمم المتحدة أن يقدم تقريراً في هذا الشأن إلى لجنة حقوق الإنسان في دورتها الرابعة والخمسين.

4