لارس فون تراير مخرج دنماركي ولد في مهرجان كان

السبت 2014/06/07
تراير خُلق ليغيظ الغرب

وصف بعض النقاد فيلمه الأخير بأنه فيلم رخيص سيء الإنتاج، أربع ساعات تثير عاصفة من الجدل بسبب المشاهد التي يحويها، متفوقاً بذلك على أفلامه الأخرى، تراير، الدنماركي الذي حاز على 77 جائزة دولية من ضمنها السعفة الذهبية في كان والأوسكار ومهرجان لندن للأفلام، نراه لا يتردد في تصريح له بأنه قد يفكر بصناعة فيلم عن الجانب الإنساني لدى هتلر.

فون تراير يثير الصخب العام في كل مرة يحقق فيها فلماً جديدا، حياته مليئة بالتناقضات، بالرغم من القسوة والعنف اللذين يظهران في أفلامه نراه يعاني من الاكتئاب والعديد من المخاوف والوساوس القهرية، فهو مصاب بـ”رهاب الطيران” وفي كل عام يقود مسافة 900 كم من الدنمارك إلى فرنسا ليشارك في مهرجان (كان)، غرابة أطواره والقهقهة المشهور بها، تخفي جانباً مظلماً من حياته، فقد كشفت له أمه وهي على سرير الموت أن أباه الحقيقي ينحدر من سلالة من الموسيقيين الألمان إذ أرادت “أن تطعم جيناته بجينات الفنانين”، اكتشافه حقيقية أبيه بالإضافة لوساوسه الشخصية تظهر في أفلامه بصورة سينمائية جعلته من أشهر مخرجي القرن الحادي والعشرين عالمياً، إذ بدأ بتصوير الأفلام من سن الحادية عشرة وعمل أثناء الثانوية على عدد من الأفلام المستقلة القصيرة ثم التحق بـ(المدرسة الوطنية للسينما في الدنمارك)، بعد تخرجه حقق فيلمه الأول عام 1984 بعنوان (عنصر الجريمة-the element of crime) الذي حاز على السعفة الذهبية في مهرجان (كان) للعام نفسه.


نحو سينما جديدة


في ظل طغيان موجة الأفلام الهوليودية وانتشار الأفلام ذات التقنيات العالية قام كل من المخرجين الدنماركيين (لارس فون تراير) و(توماس فينتيربيرغ)، بصياغة بيان (“دوغما 95“ - “95Dogma “) للوقوف في وجه الموجة العامة من الأفلام التجارية، وقد صيغ البيان بتأثر من حركتي (الواقعية) و(الموجة الفرنسية الجديدة) ويعتبر فيلم تراير (الحمقى the idiots-1998) من أهم النماذج التي التزمت بقواعد البيان المصنف ضمن الحركات الطليعية (Avamt-gard)، حيث وضع المخرجون قائمة بالمفاهيم بالإضافة إلى مبادئ (نذور العفة-Vow of Chastity ) للعمل السينمائي، منها عدم استخدام المؤثرات البصرية أثناء المونتاج والاعتماد على الإضاءة الطبيعية وعدم دبلجة الأصوات والاعتماد على بنية الحبكة وأداء الممثلين، وهذا ما اتضح بأسلوب العمل في فيلمي (كسر الأمواج breaking waves 1996-) و(الراقص في الظلام Dancer in the dark -2000-) حيث استعان تراير في الأخير بالمغنية الإيسلندية (بيورك -Björk) التي لم يسبق لها التمثيل سابقاً وكانت هذه آخر تجاربها في التمثيل على حد تعبيرها مع ذلك فقد نالت السعفة الذهبية عن آدائها. وبالرغم من استمرار هذه الحركة لحوالي العشر سنوات إلا أن كلا المخرجين ابتعدا عن مبادئها عام 2005 ، ليعود تراير للعمل على أفلام أكثر تجريبية، حيث لم تعد التقنية هدفاً في حد ذاتها بل أضحت أداة في سبيل رسم معالم الجمالية السينمائية التي يبحث عنها.


الاستقلالية


يثير فون تراير الصخب العام في كل مرة يحقق فيها فيلماً جديدا، فحياته مليئة بالتناقضات، وبالرغم من القسوة والعنف اللذين يظهران في أفلامه نراه يعاني من الاكتئاب والعديد من المخاوف والوساوس القهرية، فهو مصاب بـ{رهاب الطيران}وفي كل عام يقود مسافة 900 كم من الدنمارك إلى فرنسا ليشارك في مهرجان كان

ليحقق استقلاليته المادية والحرية الإبداعية إلى أقصى الحدود أسس تراير المنتج (بيتر ألبيك جينسون) شركة إنتاج خاصة باسم (زينتروبا Zentropa-) عام 1992 حيث استمدت الشركة اسمها من محطة قطار كانت موجودة في فيلم (أوروبا Europa – 1991)، و قد عمد تراير لتحقيق انطلاقة الشركة وتجميع رأس المال المناسب إلى إنتاج عدد من الأفلام منها (المملكة 1 و2 Kingdome) عامي1994 و1997، حيث مكنت هذه الثنائية من النهوض بالشركة بالإضافة إلى المشاركة في إنتاج عدد من الأفلام الجريئة، يكمن التناقض أن تراير تم تكريمه كفارس عام 1997 وفي العام التالي شارك بإنتاج الفيلم الإباحي (كونستانس- Constance).


أوروبا وأميركا والاكتئاب


معظم أفلام تراير تدخل ضمن تصنيف الثلاثيات وقد بدأها بثلاثية (أوروبا) والتي احتوت ثلاثة أفلام هي (عنصر الجريمة -The element of crime 1984)، (الوباء epidemic- 1987 )، (أوروبا -europa 1991)، التي عمل فيها على توجيه الانتقاد للمجتمع الأوروبي والتحولات التي طرأت عليه بين الماضي والحاضر وبالأخص مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار القيم التي كانت تحكم المواطن الأوربي في ظل المجتمع الصناعي والبهتان الذي يحكم طبيعة العلاقة البشرية وهذا ما اتضح في فيلم “عنصر الجريمة ” حيث كانت الألوان مائلة نحو البهتان sepia) )، بالإضافة إلى التركيز على بعض التفاصيل التي ترسم معالم الصورة جاعلة إياها أقرب إلى السوريالية، وفي فيلمه الوباء يستدعي تراير الطاعون في قصة عن كاتبين يحاولان الكتابة عن الطاعون ليكتشفا انتشار وباء في العالم الحقيقي، مقاربة تراير لأوروبا، مغايرة، مختلفة عن تلك التي تقدمها الصور النمطية فهو يغوص في دقائق المجتمع ليرسم التشوه الذي أصاب العلاقات البشرية ويضيء سمة الشر الكامنة داخل البشر والتي تبقى مخبّأة ولا تظهر إلا في ظروف القسوة التي تهدد وجود الإنسان نفسه.

تقول إليزابيث ستيورات المختصة في الأدب المقارن ودراسات ما بعد الحداثة عن ثلاثية (أوروبا): ” إن أفلام فون تراير تحوي أسئلة حول التحليل النفسي -خصوصاً عقدة أوديب- والعلاقة مع التنويم المغناطيسي فهو يقارب هذه العلاقة عبر الهوية الرمزية والعلاقة مع المتخيل والتأثير الهجومي للهوية الأولى”، حيث يستند إلى نظريات فرويد ولاكان في العلاقة بين الشخصيات وفي العلاقة مع المشاهد نفسه لإدخاله في حالة من التنويم المغناطيسي التي تدفعه للتعبير عن مكامن اللاوعي لديه وهذا ما كان يحاول إيصاله للجمهور الأوروبي في العلاقة مع هويته التي تعرضت لهزة وجودية بعد الحرب العالمية الثانية.

أثناء فترة (الدوغما 95) يتجه تراير نحو أميركا، ليصور انهيار الحلم الأميركي في ثلاثيته (القلب الذهبي –the golden heart) المكونة من Dancer in the dark -2000) و(كسر الأمواج breaking waves - 1996) و(الحمقى the Idiots 1998) في هذه الثلاثية يرسم انهيار الحلم الأميركي ويتضح ذلك في فيلمه الراقص مع الظلام ليروي قصة العاملة المهاجرة “سلمى” القادمة من التشيك والتي تفقد بصرها مع مرور الزمن مع ذلك تأتي لأميركا في سبيل تحقيق حلمها في العمل في المسرح وأيضاً في سبيل شفاء ابنها وتأمين نقود عمليته قبل أن يصاب بالعمى إثر مرض وراثي، فالعمى المتوارث في أسرتها دليل على حتمية الانهيار التاريخي المصاب به الإنسان وبرغم الانتقادات التي وجهت إلى هذه الثلاثية ومصادرة البعض لحق المخرج بصناعة فيلم عن بلد لم يزره إلا أن الثلاثية ترسم بشاعرية حقيقة أرض الأحلام والمعايير التي لا وجود لها على أرض الواقع، فالحبكة في الأفلام الثلاثة تقاد من قبل إناث، انعكاس لحالة التحرر التي تحاول المرأة الوصول لها والتركيز على رغباتها التي تتعرض للقمع والإسكات فتبدو دائماً بصورة الساذجة والمهانة والمازوخية.

ردا على الانتقادات التي وجهت لهذه الثلاثية قام بإخراج ثلاثية أخرى عن أميركا أيضا بعنوان (الولايات المتحدة: أرض الفرص) والمكونة (dogville – 2003) ، (manderlay -2005)، و(Washington) الذي لم يتم تصويره حتى الآن، ويحاول في هذه الثلاثية تفكيك المجتمع الأميركي وأشكال العلاقات ضمن صيغة بصرية مسرحية- سينمائية، أفضت في النهاية إلى وصف الفيلمين بأنهما معاديان لأميركا.

في فيلمه الوباء يستدعي تراير الطاعون في قصة عن كاتبين يحاولان الكتابة عن الطاعون ليكتشفا انتشار وباء آخر في العالم الحقيقي، وهنا تأتي مقاربة تراير لأوروبا مختلفة عن تلك التي تقدمها الصور النمطية فهو يغوص في دقائق المجتمع ليرسم التشوه الذي أصاب العلاقات البشرية ويضيء سمة الشر الكامنة داخل البشر

في ثلاثيته الأخيرة (عدو المسيح the anti-christ -2009، ميلانخوليا melancholia 2011، و(شبقة Numphomaniac -2013) يغوص تراير في النفس البشرية حيث يستمد مما يجول في نفسه من مخاوف ليرسم صورة سينمائية فذّة عن النفس البشرية معيداً إحياء أصوات العنف والرغبة، ومشكّلاً عالماً سوداوياً للمهمشين والمصابين بقلق الوجود في هذا العالم، حيث يستدعي اللاوعي والرغبات الدفينة والكامنة في البشر ضمن صيغة أقرب للغروتوسك بقسوتها وشاعريتها ويقول عن فيلمه “عدو المسيح” إنه واجه صعوبات عديدة أثناء كتابة السيناريو، “كنت مصاباً بالاكتئاب الشديد حين كتابته وكان السبب الوحيد لأنهض من السرير هو أني أرغمت نفسي على كتابة عشر صفحات من السيناريو يومياً، وحين أتى موعد التصوير، لم أكن أمتلك الاستقرار العقلي المناسب لأحمل الكاميرا وأصور، كنت عاجزاً كرجل عجوز في كرسي مدولب، كانت طريقة مذلّة للعمل”.


الطفل المدلل


تراير وليد مهرجان كان، كل من أفلامه شاركت في المهرجان، بالرغم من حصوله على العديد من الجوائز في مهرجانات دوليّة أخرى إلا أنه يدين لـ “كان” بالكثير، والغريب أنه بالرغم من عاصفة الجدل التي يثيرها في كل عام سواء لمضمون أحد أفلامه، أو لتعليقاته الغريبة على لجنة التحكيم وطريقة سير المهرجان إلا أنه يعود للمشاركة. عام 2011 وأثناء المؤتمر الصحفي لمناقشة فيلمه “ميلانخوليا” يقول تراير ” إنه نازي” و إنه ” يتفهم هتلر” إثر سؤال طُرح عليه من مراسل التايمز عن جذوره اليهودية، أثارت هذه التعليقات موجة عارمة من الاستياء مما دفع تراير إلى إطلاق بيان صحفي يقدم فيه الاعتذار عن تعليقاته بالرغم من ذلك تم وصف تراير من قبل مهرجان كان بأنه “شخص غير مرحب به” مما دفعه للتوقف عن عقد المؤتمرات الصحفية، وهذا العام يرحب المهرجان بعودة فون تراير بعد انقطاع دام سنتين إلا أن هناك تصريحات تقول إن فيلمه الأخير لن يشارك بالمهرجان بسبب تضارب مواعيد عرضه، ولا يمكن إهمال عاصفة النقد والتهكم التي أحاطت بالفيلم وجعلت بعض النقاد يصفونه بأنه فيلم إباحي فقط، رغم ذلك لا يمكن إنكار الحرفية التي صنع بها الفيلم والتحفة الفنية التي خلقها تراير.

15