لارس فون تريير الدنماركي الذي جاء إلى السينما لتدميرها

الأحد 2015/08/16
لارس فون تريير: طفل السينما المشاغب

في تاريخ مهرجان كان السينمائي كله، لم يحدث أن صدر بيان عنيف مثلما صدر في دورة 2011 عن إدارة المهرجان ضد المخرج الدنماركي لارس فون تريير، وهو البيان الذي اعتبر تريير “شخصا غير مرغوب فيه”. والسبب أن فون ترييرأبدى خلال مناقشة فيلمه “ميلانكوليا” الذي كان مشاركا في المسابقة الرسمية، اعتراضه لما تقوم به إسرائيل من انتهاكات، وعلى سبيل المغالاة في المزاح قال “إنني أستطيع أن أفهم هتلر وإن كنت لا أحبه”!

لم يكن فون تريير بالطبع يمكن أن يتورط في “مأزق” كهذا إن لم يكن بتكوينه وتاريخه الشخصي، من ذلك النوع من الفنانين الجامحين، أصحاب الموهبة التي لا تعرف حدودا، والذين يعتبرون أنفسهم أصحاب “رسائل” كبرى، وأنهم جاؤوا إلى عالم الفن والسينما تحديدا، لا لتشذيبها، بل لتدميرها، أي لتدمير تلك الصورة القديمة العالقة في الأذهان، صورة الفيلم الذي يروي قصة سطحية مثيرة، بل لكي يعبر عن رؤية وفلسفة وفكر من داخل عقل وقلب الفنان الذي يعكس ما يؤرقه، كما يعكس رؤيته لهذا العالم.

من ضمن ما أثار الجدل حول شخصية فون تريير، ما أعلنه في اعترافاته الأخيرة المنشورة، بأنه عولج أخيرا من إدمان المخدرات والخمر الذي استمر معه لمدة عشرين عاما، وبأنه أخرج معظم أفلامه وهو مستمر في تعاطي المخدر. ومضى قائلا في تصريحات هي الأولى من نوعها منذ أن فرض على نفسه الصمت بعد تصريحاته التي أثارت الجدل في مهرجان كان، إنه يشك في ما إذا كان سيمكنه مواصلة عمل أفلام جديدة في المستقبل.

لارس فون تريير (59 سنة) الذي أضاف كلمة (فون) إلى اسمه تشبها بالمخرج الشهير إريك فون شتروهايم، هو ابن “كوميونات الحرية” الشهيرة التي ظهرت في البلدان الأسكندنافية في الستينات كنوع من التمرد على القيم “البورجوازية” المحافظة واتسمت بالتعري والعيش الجماعي، فقد عاش طفولته مع والديه داخل إحدى تلك “المستعمرات”.

لارس فون تريير جاء إلى مهرجان كان للمرة الأولى عام 1991 بفيلم “أوروبا” Europa وكان وقتها في الخامسة والثلاثين من عمره، وراءه تجربة جماعة “دوغما 95” التي تزعمها

فون تريير بهذا المعنى جاء إلى السينما وفي داخله طاقة هائلة من الغضب، والتمرد، والاستقلالية، والنزعة إلى الصدمة، والاهتمام بالجنس كمفجر لتداعيات النفس البشرية، يبحث بمشقة عن اليقين، يرفض الدين في البداية، ثم يصل إلى الإيمان خلال رحلته، لكنه إيمان من دون خضوع إلى التعاليم الموروثة، بل ينبع من داخل النفس، مع شعور بتجاوز الخير والشر، وبنظرة فنية خاصة تتعامل باهتمام مع النور والظل والظلام، سواء من خلال الإضاءة وتكوين الصورة، أو من خلال البناء الدرامي للشخصيات التي يقدمها ويعكس من خلالها هواجسه الذاتية. وهو رغم إعلانه الانضمام للكنيسة الكاثوليكية، ظل يواصل بحثه الخاص المعذب، عن الخلاص، وأظن أن ذلك البحث هو الذي ميّز رحلته السينمائية في معظم أفلامه.

البحث عن أوروبا

في أفلامه الأولى كان فون تريير يعيد اكتشاف أوروبا التي تعيش في مفترق طرق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، منذ أن انتهت أكبر مذبحة بشرية للقتل الجماعي، أوروبا التي لا تزال بعد نائمة، مستسلمة لمصير غامض، خاضعة لرؤية تأتي بعيدا من خارجها، من الشاطئ الآخر للمحيط الأطلسي، وهذا ما يجسده فون تريير كأفضل ما يكون، في فيلمه “أوروبا”، لكنه كان أيضا يبحث عن قدرة الفرد على الخلاص من الواقع الرمادي المشوب بالغموض الذي يشبه السفينة التي تندفع نحو الغرق وجميع من عليها يعرفون هذا دون أن يملكوا القدرة على المقاومة.

جاء لارس فون تريير إلى مهرجان كان للمرة الأولى عام 1991 بفيلم “أوروبا” Europa وكان وقتها في الخامسة والثلاثين من عمره، وراءه تجربة جماعة “دوغما 95” التي تزعمها، ورغم أنها لم تستمرّ طويلا لكنها تركت بصماتها على أفلامه وأفلام عدد من أبناء جيله.

كان “أوروبا” مفاجأة مدهشة لعشاق سينما الفن، وتجربة جديدة في استخدام لغة السينما: أبعاد الصورة وأعماقها، حركة الكاميرا الطويلة المهتزة المعقدة التي تعبر كل الحواجز وتخترق المحظورات، العين التي تراقب دون أن نراها، شريط الصوت القادم من وراء العالم وكأنه صوت القدر، والبطل/ اللابطل الذي يسير منوما نحو مصيره المحتوم في “ألمانيا العام صفر” أي في الأشهر الأولى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. كانت موهبة فون تريير تعلن عن نفسها بوضوح في هذا الفيلم، الحلم الممتد الذي نراه بالأبيض والأسود، والفضاءات الممتدة التي يقطعها ذلك المشاء القادم من الخارج إلى أوروبا، بالألوان.

"مهووسة جنسيا" تحطيم التابو

وكلما قطع هذا الغريب المثالي القادم بالنوايا الحسنة للتكفير عن الذنب، والاعتذار بمثاليته الفردية عن الدمار الذي تعرضت له ألمانيا، كلما كشفت الأرض عن أسوأ ما فيها، عن “الذئاب” التي لا تزال تتحين الفرصة للانقضاض. لكن مصير ذلك الغريب محدد سلفا، بقرار من القدر نفسه، مسموع ومعلن منذ البداية. فهو سيلقى مصيره في.. أوروبا.

تكسير الأمواج

عاد فون تريير عام 1996 بفيلم بديع آخر هو “تكسير الأمواج”، ليواصل طرح تساؤلاته المعذبة المدفوعة بالبحث عن مغزى الإيمان، يناقش مغزى الوجود من خلال الآخر، وكيفية الوصول إلى الله، من خلال لغة فنية رفيعة يستخدم فيها الموسيقى ويقسم الفيلم إلى فصول تحمل عناوين مختلفة للتغريب من أجل التقريب.

تقوم إميلي ووطسون بدور “بيس” الأسكتلندية الريفية البسيطة التي تتزوج من “يان” النرويجي الذي يعمل في حقل للنفط بمنطقة نائية، لكنه يصاب ذات يوم إصابة تعجزه، وذات يوم يطلب من زوجته أن تمارس الجنس مع رجل آخر وأن تأتي لتروي له عن تلك التجربة. ورغم عدم ترحيبها بالفكرة، فهي تستجيب لمطلبه إيمانا منها بأنها بهذه الطريقة تتواصل مع الله، ترضي رغبة زوجها، تقدم التضحية الخارقة لعل الله يشفيه ويعيدها إليه، ولكن كلما صب الآخرون اللعنات عليها بما في ذلك طردها من الكنيسة، حيث أصبح الأطفال يطاردونها ويقذفونها بالحجارة، كلما مضت أكثر في تجربتها التي تتعرض خلالها لشتى أنواع الإهانات والعنف، وكأنها قديسة تدفع ثمن خطايا البشر.

الفكرة المحورية التي ستتكرر كثيرا في أفلام فون تريير، هي فكرة المرأة ككيان معذب، مسكون بالهواجس، يبحث عن اليقين، يريد الاقتراب من الله ولو عن طريق الجسد الذي يقال إنه ملعون، فان، يميل إلى الخطيئة، لكنه هنا يصبح قربانا. فون تريير يعكس هنا هواجسه وأفكاره الذاتية من خلال نموذج المرأة- الضحية- المعذبة- الغارقة في ما يعتبر “رذيلة” من أجل الوصول إلى الفهم؛ إلى التفرقة المستحيلة بين الخير والشر، بين ما هو إنساني وما هو شيطاني داخل النفس البشرية، لمعرفة حدود النفس وما تقدر عليه وهل من الممكن أن يتسامى المرء روحيا ولو بدا أمام الآخرين غارقا في الخطايا؟

الجزء الأول من فيلمه المثير للجدل "مهووسة جنسيا" يبدو عملا استفزازيا مقصودا، يحطم “التابوهات”، ويسبح في المناطق المحرمة، طارحا الكثير من التساؤلات حول معنى الجنس ومفهومه

تجريد رمزي

هذا البحث الشاق نجده أيضا في فيلم “نقيض المسيح” (Antichrist (2009 فيلمه الأكثر صدمة وإثارة للجدل من بين كل أفلامه. هنا رجل وامرأة، بدون أسماء، يمارسان الجنس في اندماج كامل بينما يزحف طفلهما الصغير ليسقط من أعلى الشرفة ليموت.يتكون الفيلم من ثلاثة أجزاء تحت عناوين مختلفة: الحزن، الألم، اليأس.

في الجزء الأول نشاهد كيف تعبر المرأة عن شعورها بالحزن عن طريق رفض الحياة، دافعها الشعور بالذنب، فكيف يمكنها أن تغفر لها أو لزوجها، أنهما كانا يمارسان فعل اللذة، الفردية، الأنانية، مهملين طفلهما رمز البراءة والجمال والمستقبل، وتركاه يموت؟ عليها إذن أن تدفع الثمن وذلك بالتعرض إلى أقصى درجات الألم والعذاب على يدي ذلك الآخر/ الرجل. إنه طريق الآلام التكفيرية على غرار ما تمر به “بيس″ في “تكسير الأمواج”.

يتركان المدينة ويرحلان إلى الريف حيث ينعزلان داخل كوخ خشبي، وهناك يحاول الرجل وهو طبيب نفسي، العثور على علاج لزوجته، غير أن الوسيلة العلاجية التي يتوصل إليها تتمثل في الجنس، أي ممارسة الجنس في كل مكان وفي أوضاع مختلفة، وبصورة وحشية وبأقصى درجات السادية، خاصة وأن المرأة الشابة تطلب المزيد من التنكيل والقسوة كوسيلة للتعجيل بالنهاية. وعندما تشك ذات لحظة في أن زوجها، يوشك أن يتخلى عنها ويهرب، تستخدم معه أقسى درجات الوحشية.

يقول فون تريير في الفيلم على لسان الذئبة المتوحشة التي تظهر في الفيلم، إن الفوضى تسود العالم، ولم يعد أمامنا مهرب من المصير الأسود، وهو الجزء الثالث “اليأس″ الذي نرى في خاتمته ذئابا تحدق في الرجل بعد أن يقتل زوجته ويحرق جثتها ويمضي في الغابة وحيدا ليرى مئات الجثث العارية منثورة في الفضاء، وفجأة تظهر آلاف النساء يمضين في اتجاه صاعد لا نعرف إلى أين… ربما تكون هذه هي الأبدية/ المتاهة. إنه بلا شك، أكثر أفلام فون تريير إغراقا في التشاؤم والعدمية.

"ميلانكوليا".. عزلة الفرد ونهاية العالم

دوغما 95

كانت حركة “دوغما 95” التي أسسها في الدنمارك مع عدد من زملائه، تدعو في بيانها المعلن، إلى ضرورة الالتزام بالتصوير في المواقع الطبيعية، وعدم استخدام الموسيقى والأغاني إلا إذا كانت نابعة من المكان، واستخدام الكاميرا الحرة لكسر الإيهام بالواقعية، وعدم استخدام مرشحات الضوء، وألّا يحتوي الفيلم على جرائم أو أسلحة أو مشاهد عنيفة تسيل فيها الدماء، وعدم ذكر اسم المخرج، باعتبار أن الفيلم من عمل الممثلين، واحترام التسجيل المباشر للصوت وعدم التلاعب به بأي شكل. وقد حافظ فون تريير على بعض هذه العناصر ولكن من دون تشّد، وأغفل معظمها.

إنه مغرم كثيرا بالكاميرا الحرة المحمولة التي تتحرك أفقيا بين الوجوه والشخصيات، كما يميل للاقتراب كثيرا من شخصيات أفلامه من خلال اللقطات القريبة (كلوز أب) التي تترك في المشاهد تأثيرا عاطفيا مقصودا، لكن كاميرا فون تريير تبدو في معظم أفلامه كما لو كانت تتلصص، وتجوس، وتتسلل من وجهة نظره هو، كأنما يضع ممثليه في اختبار ما، ويراقب ردود أفعالهم. وهو يستخدم الإضاءة لا لكي يكشف، بل لكي يخفي أيضا، ثم يكشف عن بعض ما أخفاه، وينتقل في الكثير من أفلامه من الأبيض والأسود إلى الألوان، معبرا عن “مزاجية” المشهد ونوعية العالم الذي يصوره: بين الحلم والحقيقة، الماضي والحاضر، الرؤية والخيال، الواقع وظل الواقع.

نهاية العالم

في فيلمه “ميلانكوليا” (2011) لا يركز تريير على الظواهر الخارقة التي تشي بقرب نهاية العالم، لكنه يرصد تأثيرها على “الأسرة”، وعلى العلاقات في داخلها، وعلى عزلة الفرد في المحيط الاجتماعي الأشمل، وردود فعل الأفراد إزاء كارثة يعرفون أنها باتت قريبة للغاية منهم. إنه أول فيلم يخرجه تريير منذ فيلم “تكسير الأمواج” (1996) يمتلئ بكل هذا الحزن النبيل، والقلق الإنساني الذي يشترك فيه المتفرج مع بطلتنا “جوستين” التي تبدو أقرب إلينا بمشاعرها ورقتها، بضعفها وتماسكها الظاهري.

يبدو الجزء الأول من فيلمه المثير للجدل “مهووسة جنسيا” (Nymphomaniac (2013 عملا استفزازيا مقصودا، يحطم “التابوهات”، ويسبح في المناطق المحرمة، طارحا الكثير من التساؤلات حول معنى الجنس ومفهومه ومدى الحرية التي يمكن أن تمضي فيها المرأة في بحثها عن المتعة الجنسية من خلال علاقات متعددة، على نحو مشابه لما يفعله كثير من الرجال، ولكن دون أن تصل إليها قط. وفي الجزء الثاني يكشف تريير عن مزيد من إسقاطاته الشخصية من خلال ما تقوله المرأة للرجل الذي أنقذها وأصبحت تعتبره “الصديق الوحيد الذي يمكنها الثقة فيه”، تواصل قص مغامراتها عليه، لعله يجد لها تفسيرا عجزت هي عن العثور عليه، لكن هل سيصمد الرجل أمام اختبار الثقة؟

فون تريير يقف حاليا في مفترق طرق. فهل ستكون عودته للسينما، إذا عاد، اتصالا مع ماضيه المحمل بتساؤلاته القلقة المعذبة، أم سيتخذ مسارا آخر؟

17