لاري بيج قائد "غوغل" الذي يجاور قادة العالم

بيج يعترف أنه أفضل في تطوير الأفكار وابتكارها بدلا من الإدارة، خاصة وأنه لا یستمتع بالتعامل مع الناس كثيرا، فهو كقائد یركز على النتائج ویتعاطف مع الأفكار أكثر من تعاطفه مع الأشخاص وأوضاعهم المعيشية.
السبت 2018/07/14
رجل أعمال وتكنولوجيا يرى مستقبل الأشياء قبل ابتكارها

قائمة فوربس لهذا العام 2018 تضم الأشخاص الأقوى نفوذا في العالم. من بين هؤلاء صناع قرار مثل رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، ورئيس وزراء اليابان شنزو آبي، ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو، ونائب الرئيس الأميركي مايك بينس، وقائد الجيش الباكستاني قمر جافد باجوا، وصاحب المرتبة الأخيرة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” جياني إنفانتينو الذي يراه العالم على الشاشات كل يوم في هذه الفترة في مونديال روسيا.

أما الأسماء العشرة الأولى في القائمة فقد تصدرها كل من الرئيس الصيني شي جين بينغ، يليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبعده المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والبابا فرانسيس، ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، وآخرين. ليحل في المركز العاشر فيها ثري أميركي اسمه لاري بيج.

ويخطر في البال أن جمع ثروة هائلة خلال فترة زمنية قصيرة، أمر أصبح مألوفا إذا كان ذلك معتمدا على الورثاة أو على أعمال غير مشروعة، ولكن أن تحصد ثروتك من وراء عرق “دماغك” في عالم التكنولوجيا فذلك ليس بالأمر السهل، ولم يحققه سوى بعض الأشخاص النادرين جدا، بعضهم موجود في قائمة فوربس، إذ يحتمل أن تبلغ قيمة الأعمال التي يديرها أقوى 10 رؤساء تنفيذيين في العالم ممن ضمتهم القائمة 5 تريليون دولار، أي ما يوازي الناتج القومي المحلي لدولة اليابان صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

لكن مهلا، هناك من تجاوز ذلك وجمع كل ما سبق. إنه لاري بيج المدير التنفيذي لشركة “ألفابت” العملاقة التي تملك محرك البحث العالمي “غوغل”.

مستقبل الأفكار

الأسماء العشرة الأولى في قائمة فوربس لهذا العام يتصدرها الرئيس الصيني شي جين بينغ، ثم الرئيس الروسي بوتين، والرئيس الأميركي ترامب، وبعده المستشارة الألمانية ميركل، ليحل في المركز العاشر ثري أميركي صنع ثروته بالعلم وحده اسمه لاري بيج
الأسماء العشرة الأولى في قائمة فوربس لهذا العام يتصدرها الرئيس الصيني شي جين بينغ، ثم الرئيس الروسي بوتين، والرئيس الأميركي ترامب، وبعده المستشارة الألمانية ميركل، ليحل في المركز العاشر ثري أميركي صنع ثروته بالعلم وحده اسمه لاري بيج

ولد بيج لعائلة متقدمة علميا، فالأبوان كانا خبيرين في الكمبيوتر، في وقت لم يعرف أغلب سكان الأرض معنى تلك الكلمة، بل أن البعض كان يشكك بوجود هذا الاختراع الذي غير وجه العالم تماما، درس كل من الأب فيكتور بيج والأم غلوريا علوم الكمبيوتر في جامعة ولایة میتشیغان الأميركية، وهناك عرفا وأحبا بعضهما البعض، وقررا الزواج وهما مازالا في فترة الدراسة، وأنجبا ولدهما الأول كارل، ومن ثم أنجبا طفلهما الثاني لاري في العام 1973.

 حياة الوالدين كانت منقسمة بين الجامعة والبيت، ولذلك امتلأ منزلهما بأجهزة الكمبيوتر ومجلات التكنولوجیا التي فتنت الابن الأصغر لاري، وهذا ما دفع أهله إلى تسجيله فى مدرسة مونتیسوري، وإلحاقه ببرنامج التنمیة والإبداع لصقل موهبته الفذة.  حيث كان كل من سیرجى برین أحد مؤسسي غوغل، بالإضافة إلى جیف بیزوس مؤسس أمازون، زميليه في ذات المدرسة.

وواصلت العائلة صعودها العلمي. فالأم اليهودية غلوريا حصلت على ماجستير في علوم الكمبيوتر، وأصبحت في ما بعد مدرسة البرمجة في جامعة ميتشيغان، أما الوالد فيكتور فحصل على درجة الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي، وأصبح هو الآخر أستاذا في الجامعة نفسها.

في عمر 12 عاما، قرأ لاري السیرة الذاتیة للمخترع الأميركي والصربي الأصل نیكول تسلا المشهور بإسهاماته في تصميم نظام التيار المتردد الرئيسي. ألهمت لاري تلك السیرة أنه لا ینبغي التفكير فقط في تكنولوجیا لتغیر العالم، وإنما یجب أن یكون لدیه حس التجارة لیعرف كیفیة التسویق لها. فتسلا تعلم البحث المستمر في أكثر من جانب، وعدم التوقف في دائرة معينة من العمل العلمي. ولذلك كان لاري يفكر بمستقبل الاختراع قبل حاضره، وكيفية التطوير الدؤوب لكل فكرة تراوده.

يتبادر إلى الذهن أن مواهب رواد عالم التكنولوجيا منحصرة بما يتعلق بعلوم الكمبيوتر والإنترنت، لكن بيج يكسر تلك القاعدة كونه من محبي الموسيقى منذ صغره. تعلم العزف على آلة الساكسفون، وذكر والده في مقابلة صحافية أن لاري كان لا يقوم بالدراسة والأبحاث إلا على أنغام الأغاني والموسيقى، وأنه من عشاق موسيقى الجاز والكلاسيكيات.

 وجود والدي لاري في جامعة ميتشيغان كأستاذين جعله يتجه إليها لدراسة علوم الكمبيوتر بدوره، وهناك قام بعدة أبحاث عن مستقبل وسائل النقل وقد انضم إلى فریق “سیارة الطاقة الشمسیة”، واستطاع رفقة زملاء الدراسة تحقيق نتائج مبهرة حينها، وهذا الأمر بالتحديد لا يزال يرافق لاري منذ أيام الدراسة، حيث يربط كل أبحاثه واختراعاته بوسائل النقل بكل مستوياتها.

بعد التخرج من جامعة ميتشيغان، ذهب لاري إلى ستانفورد للحصول على شهادة الدكتوراه، وهناك عاد والتقى من جديد ببرین، ليكوّن معه أنجح صداقة وشراكة على مر التاريخ.

 اهتم الاثنان بعلوم الكمبيوتر، وأصبحا يقضيان أغلب وقتهما سوية، يدرسان ويتناقشان بكل فكرة تراودهما. وفي إحدى الليالي تساءل لاري بصوت عال عما إذا كان بإمكانه تحميل الويب بالكامل، تجاوب برين معه بكل جدية، وأخذا يبحثان بتطوير التساؤل وبدآ بالعمل على تلك فكرة لترتیب صفحات ویب ذات روابط داخلیة متشابهة، بدلا من عدد المرات التي تحتوي على كلمة للاستعلام عنها.

خلال عامين متواصلين عملا كل من بيج وبرين على حلمهما، وتجاوزا كل الظروف الصعبة، ولم ييأسا من كل الإحباطات التي واجهتهما، مثل استهزاء أستاذ بيج بالجامعة بالفكرة وسخريته منها قائلا له “هل أنت مجنون، تريد الإنترنت كله في كمبيوترك؟”.

مؤسس "ياهو" والنصيحة الذهبية

أهم الصفقات التي يعتبر بيج عرّابها شراء كل من الموقع العالمي "يوتيوب" وشركة أندي روبين المطورة لنظام "الأندرويد"، وإنشاء ما يسمى بـ"غوغل بلاي"، والبدء بمنافسة شركة "أبل" ومتجرها "الأي تونز"
أهم الصفقات التي يعتبر بيج عرّابها شراء كل من الموقع العالمي "يوتيوب" وشركة أندي روبين المطورة لنظام "الأندرويد"، وإنشاء ما يسمى بـ"غوغل بلاي"، والبدء بمنافسة شركة "أبل" ومتجرها "الأي تونز"

في العام 1997 توصل بيج وبرين إلى برمجة محرك البحث الذي يحلمان به، ولكنهما اصطدما بالعائق المادي، حيث لم يكونا يمتلكان المال الكافي لإنجاز مشروعهما المنجز على الورق.

 ورغم ذلك لم يتوقفا واتجها إلى جمع الميزانية المطلوبة والمقدرة حينذاك بمليون دولار أميركي. قررا في البداية تسمية المحرك بـ”باك روب”، ولكن الاسم تغير في ما بعد إلى “غوغل” وهو تعبير يدل في لغة الرياضيات على الرقم 1 متبوعاً بمئة صفر.

نصحهما صديقهما ديفيد فيلو مؤسس “ياهو” أنه من الأفضل لهما تأسيس شركة المحرك بنفسيهما، ومن ثم الذهاب لأصحاب رؤوس الأموال وإقناعهم بالدخول في شراكات معهما وتقديم الدعم المالي لهما.

 وبالفعل استمع بيج وبرين للنصيحة وأسسا الشركة الخاصة بهما وانطلقا لمقابلة رجال الأعمال وطرح مشروعهما الجديد، وأول من قابلاه كان أندي بيكتولشيم أحد مؤسسي شركتي سان صن ومايكروسيستمنس، الذي اقتنع بالفكرة وأبدى استعداده لتقديم مئة ألف دولار فقط، لكن ذلك المبلغ لم يف بالغرض حينها، فاتجها إلى البنك وحصلا على قرض بقيمة مليون دولار وافتتحا الشركة خلال أسبوعين وتحديدا في 7 سبتمبر 1998.

لم يبق أمام بيج وبرين أي عائق. أخذا يسابقان الزمن ويعملان طوال وقتهما ليطوّرا المحرك ليكون الأفضل في العالم بين محركات البحث التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وفعلا في أول عام من إطلاق “غوغل” حصل من مجلة الكمبيوتر على لقب “أفضل محرك بحث”.

بيج المختلف في الإدارة

قیادة شركة غوغل بشكل ناجح حتى عام 2015 أمر يحسب لبيج الذي أصبح بعدها المدير التنفيذي لشركة “ألفابت” العملاقة التي تشرف على “غوغل” بالإضافة إلى فروع أخرى
قیادة شركة غوغل بشكل ناجح حتى عام 2015 أمر يحسب لبيج الذي أصبح بعدها المدير التنفيذي لشركة “ألفابت” العملاقة التي تشرف على “غوغل” بالإضافة إلى فروع أخرى

كان بيج من الأشخاص المتميزين بالنشاط، فهو لا يكل ولا يمل من العمل، يضع نصب عينيه كل فكرة ويقاتل من أجل تحقيقها، لديه مفهوم مغاير في الإدارة. أثبت ذلك عندما تولى منصب المدير التنفيذي لمحرك “غوغل” منذ انطلاقه، وفي مقابلة صحافية أفصح بيج أنه یشعر بإنفاق الكثیر من الوقت في الاجتماعات، مما جعله یتخلص من مساعدیه بحیث أن أي شخص یرید التحدث معه، كان علیه تتبعه إلى المكان الذي یتحرك إلیه.

تولى بيج ذلك المنصب حتى العام 2011،  عندما تم جلب المبرمج إریك شميت لقیادة الشركة، وكان برين حذرا جدا من جمیع المرشحین لمنصب الرئیس التنفیذي، إلا أنه علم أن شمیت لديه تاريخ طويل في إدارة البرمجيات، أما بيج فكان غیر مرتاح في البدایة للتخلي عن منصبه، ولكن تغير شعوره بشكل تدریجي كونه أصبح أقل انخراطا فى إدارة الشركة يوما بعد یوم، واتجه للتفكير في توسع غوغل وحمل على عاتقه الاستحواذ على شركات ناجحة أخرى.

 يعترف بيج أنه أفضل في تطوير الأفكار وابتكارها بدلا من الإدارة، خاصة وأنه لا یستمتع بالتعامل مع الناس كثيرا، فهو كقائد یركز على النتائج ویتعاطف مع الأفكار، أكثر من تعاطفه مع الأشخاص وأوضاعهم المعيشية.

اتفق كل من برين وبيج في تلك المرحلة على تقسيم المهام الرئيسية فيما بينهما، وأن يكون الأول على عاتقه تطوير الشركة تكنولوجيا من الداخل، أما بيج فذهب إلى خارج الشركة بهدف التوسع والتسويق العالمي وإبرام الاتفاقيات مع كبريات الشركات التكنولوجية، والأهم من ذلك الاستحواذ على أهم الشركات الناجحة.

أهم الصفقات التي يعتبر بيج عرّابها شراء كل من الموقع العالمي “يوتيوب” وشركة أندي روبين المطورة لنظام “الأندرويد”، وإنشاء ما يسمى بـ“غوغل بلاي”، والبدء بمنافسة شركة “أبل” ومتجرها “الأي تونز”.

قيام بيج بتلك الصفقات كان قرارا فرديا، فهو لم يقم باستشارة المدير التنفيذي للشركة إریك شميت، وهذا ما أزعجه كثيرا وكان بداية للخلاف بينهما. ذلك الخلاف الذي تطور لاحقا إلى أن قرر شميت ترك منصبه، وهذا ما جعل بيج يعود ليكون المدير التنفيذي للشركة التي شهدت بذلك الوقت إطلاق عدة خدمات واختراعات، من بينها “غوغل بلس” و”نظارة غوغل”، والكمبيوتر المحمول الشهير “كروم بوك”.

استمر بيج في قیادة شركة غوغل بشكل ناجح حتى عام 2015 إلى أن تم تغییر الهیكل المؤسسي للشركة، وأصبح المدير التنفيذي لشركة “ألفابت” العملاقة التي تشرف على “غوغل” بالإضافة إلى فروع أخرى. ویقضي بیج منذ ذلك الحين الكثیر من وقته في البحث عن التكنولوجیات الجدیدة وتجنید الأشخاص الأذكیاء في شركته، والسعي بشكل مستمر إلى تطوير منتجاته.

وعلى الرغم من ثرائه الفاحش، ووجوده المستمر في قائمة فوربس لأكثر الأشخاص ثراء في العالم، إلا أنه یفضل دائما حیاة هادئة بعيدة عن ضجيج الشهرة، وهو یعیش رفقة زوجته الباحثة لوسيندا سوثوورث الحائزة على الدكتوراه في الطب الحيوي، وطفلیه كارل فيكتور وغلوريا في مجمع “بالو ألتو” داخل منزل یمتلك حدیقة وألواحا للطاقة الشمسیة على السطح، كما أن لاري حريص جدا على إبعاد حياته الشخصية عن الصحافة والأضواء، لدرجة أنه لم ینشر خبر إصابته بشلل حباله الصوتیة، والذي مازال يحارب من أجل الشفاء منه.

12