"لازم أعيش".. تقبل الذات أول الطرق لتجاوز الصعاب

مسلسل "لازم أعيش" يقدّم قصصا منفصلة تجمع بينها مجموعة من الخيوط الدرامية عن المرض واليتم والفقد والحرمان والعجز.
الخميس 2020/11/12
مواجهة الظواهر المجتمعية السلبية خير من الهروب منها

يعري المسلسل المصري “لازم أعيش” عنصرية المجتمع تجاه أصحاب الأمراض المزمنة، وينتقد افتقاد ثقافة التعاطي مع المختلفين في لون البشرة والطول والوزن، ويسعى إلى إحداث تغيير في توارث الأجيال لآفة التنمر، وذلك من خلال مقاربة فنية مقنعة، لامست وترا حساسا يخشى الكثيرون العزف عليه.

القاهرة- ترتبط الدراما عند قطاع كبير من الجمهور بالتراجيديا، فمتعة المشاهدة لديهم مقترنة في الغالب بالمآسي المبنية على قصص من لحم ودم، تولد كميات من المشاعر والعواطف، ويجدون فيها وسيلة للتحرّر النفسي، وإثارة شحنات وجدانية من الحزن والبكاء والشفقة، وربما الرضا بواقعهم باعتبار أن غيرهم يعانون الأسوأ.

وينتمي مسلسل “لازم أعيش”، الذي حقّق صدى جماهيريا واسعا وتصدر “ترند” منصات التواصل الاجتماعي بمصر، إلى تلك النوعية من الدراما التي تتضمن قدرا كبيرا من المأساة المتشعبة بقصص منفصلة تجمع بينها مجموعة من الخيوط الدرامية عن المرض، واليتم، والفقد، والحرمان والعجز.

ويحكي العمل قصة نور (الفنانة جميلة عوض) الشابة التي أصيبت بمرض البهاق منذ نعومة أظافرها، ورحلة تعرضها للتنمر المجتمعي طوال عمرها، مع التركيز الشديد على تداعياته النفسية التي أوصلتها إلى خوض جلسات جماعية للعلاج النفسي فقط من أجل الدفاع عن حقّها في الحياة الطبيعية.

ويتعدّى العمل كثيرا إمكانية حصره في معاناة مرضى البهاق الذي يلقي بتبعاته على لون بشرة ضحاياه إلى تعرية المجتمع في تعامله مع ذوي الاحتياجات الخاصة عموما، وقصف جبهة التنمر بجميع صوره وأشكاله، سواء صغار القامة، وضعاف البنية الجسدية أو مرضى السمنة المفرطة.

وتنتقل الأحداث بسلاسة بين الماضي والحاضر لترصد تغيّر الشخوص والأزمنة دون تغير أنماط التفكير، فالطفلة الصغيرة التي يخشى زملاؤها الاقتراب منها بالمرحلة الابتدائية، هي ذاتها المراهقة التي تنذوي خجلا من صديقها حين رؤية ألبوم صورها، وهي الشابة مكتملة الأنوثة التي يهجرها خطيبها بمجرد معرفة حقيقة ما تعانيه.

أكثر من مأساة

أحمد خالد صالح: تقبل المختلفين يعطي تماسكا للمجتمع ويضمن تقدّمه
أحمد خالد صالح: تقبل المختلفين يعطي تماسكا للمجتمع ويضمن تقدّمه 

يفتقر العمل، الذي كتبت له السيناريو نجلاء الحديني، إلى سخونة الأحداث ومساحات التشويق، لكنه لعب على الإنسانيات، حتى كانت تعبيرات الوجوه والأعين المؤرقة الدامعة غنية في أوقات كثيرة عن الحوار، الذي كان لا يظهر أحيانا إلا بعد ثلاثة دقائق كاملة من العزف المنفرد لموسيقى آلة “التشيللو” الحزينة.

ولم تتوقف مأساة البطلة عند المرض فقط، بل امتدت إلى فقدان الأب الداعم الأول لها في الحياة في سن المراهقة، الذي جعل التصوير وسيلة تحديها للمجتمع، وحوّل أول يوم دراسي لها إلى مناسبة دائمة لالتقاط الصور، ويشحنها نفسيا بما يتناسب مع عمرها، ففي السن الصغيرة يؤكّد لها أن مرضها هبة لا تأتي إلاّ للمميزين فقط، ومع وصولها إلى سن المراهقة غير الرسالة لدعم قوتها في مواجهة المجتمع وقهره.

وعلى هامش قصة نور وجدت مآس أخرى، كشريف (الفنان خالد أنور) الذي يعمل معها في المصرف ذاته، وفقد والديه في حادث سقوط عقار، وأصبح يتيما مسؤولا عن أشقائه الأصاغر، أو حسن (الفنان فراس سعيد) صاحب وكالة الدعاية الذي تسبّب حادث سيارة كان يقودها في تحوّل زوجته إلى العجز في ريعان الشباب، وحتى بعد ارتباطه من أخرى في السر خوفا على مشاعرها أصبح عالقا في محاولة انتزاع حب الأخيرة لزوجها الميت، ورغبتها في الانفصال بعد معرفة ابنتها بالأمر.

ويظهر “لازم أعيش” مدى تفشي التنمر المجتمعي في مشاهد الجلسات النفسية التي تحضرها البطلة، فجمهورها مثل جميع الطبقات المتعرضة للتنمر لم يسلموا أيضا مثل داليا التي انفصلت عن زوج ظل يخاطبها بـ”الغبية” أمام الأبناء والغرباء لسنوات، وحينما احتجت منعها من رؤية أولادها لإجبارها على العودة والانصياع.

ويثير العمل الإشكاليات الأسرية في التعاطي مع المرض، بين مساعي أب جعل ابنته الوحيدة تواجه المجتمع بمرضها، وأم حاولت إخفاء الأمر تحت طبقات من مساحيق التجميل، وتشجيعها على خوض علاقة دون الإفصاح عن مشكلتها من منطلق الحماية من ظلم المجتمع الذي لا يقبل الاختلاف ولا يتعاطف مع مرض يستمد شراسته من الحالة النفسية والقلق والتوتر.

ويشير إلى الجهل والرجعية السائدين في التعامل مع المختلفين، فحاتم (الفنان أحمد خالد صالح) لا يخشى زواجه من نور، بل من إمكانية انتقال المرض إلى أبنائه، ووالدته ترى أنها صالحة لأي رجل باستثناء ابنها، ليعيدا معا رغم مرور سنوات ردود أفعال أسر زملاء الفتاة الصغيرة في المدرسة التي رفضت علاقتهم بها خوفا من العدوى، رغم أنه مرض مناعي لا ينتقل بالاختلاط.

معاني الحب

الفنانة المصرية جميلة عوض رغم اجتهادها في أداء دور المريضة نور، فإنها ظلت كعادتها أسيرة طريقتها الطبقية في الحديث
الفنانة المصرية جميلة عوض رغم اجتهادها في أداء دور المريضة نور، فإنها ظلت كعادتها أسيرة طريقتها الطبقية في الحديث

يثير مسلسل “لازم أعيش” تساؤلا رومانسيا، هل نحب بأعيننا أم بقلوبنا؟ بمقارنة بين منطلقات شابين يمثلان المجتمع الذكوري في التعاطي مع المرأة، أولهما لا تتعدّى المرأة عنده سوى كيان من الجمال الظاهري والعطور الجميلة يحب امتلاكه، والثاني مغاير تماما في تفكيره فهو يعتبر أن عشق الجسد فان، ولكن التعلق بالأرواح لا ينتهي.

ويعتبر حاتم نموذجا للفكر التقليدي، وكان يحاول التقرّب بشتى الطرق من نور باعتبارها نموذجا للجمال بمساحيق التجميل وأغلى العطور التي تستخدمها، وأرقى الملابس التي ترتديها، وتتغيّر مشاعره وينهي خطبته لها حينما تكتشف والدته إصابتها بالمرض، ويتهمها بالخداع والتدليس لوضعه أمام الأمر الواقع بعد الزواج.

في المقابل، يقدّم شريف كنموذج للشاب ذوي الأصول القروية، الذي يفضل فتاة مريضة على صديقتها الجميلة، لأن الحب عنده شعور وجداني بحت، ولم تتغيّر مشاعره حتى حين خطبتها لآخر فظل داعما لها، أو حين معرفته بمرضها الذي علمه بالصدفة بعد تعرّضها لإغماء في رحلة ترفيهية، ولم يصارحها تحاشيا لعدم إيذاء مشاعرها، ورغبتها في إبقاء الأمر سرا.

وجعل العمل القرية المصرية المكان الذي لا يعرف تنمرا ويحتضن القادمين إلى رحابه الخضراء، فلم تسأل عمة شريف أو أسرتها عمّا تعانيه البطلة، وتناول الجميع الطعام معها في وعاء واحد، في جرعة نفسية أهلتها للتخلي عن القناع الذي تضعه وتعيش بطبيعتها بل تعقد لقاء صحافيا وتضع من المساحيق ما يزيد من ظهور البقع البيضاء.

ونجحت المخرجة مريم الأحمدي في التعاطي مع الاعتبارات العمرية للبطلة في قصة تتسع لامتداد زمني طويل، فاختارت بطلة ضعيفة البنية الجسدية ذات ملامح طفولية لتعبّر عن الشخصية ببراعة، كما تلاقت المشكلة المعتادة للفنانة جميلة عوض في طريقتها الطبقية في الحديث التي كانت كثيرا مسارا للنقد بجعلها ابنة لأب يحمل دماء مصرية وأجنبية، وتلقيها تعليما غربيا.

قال الفنان أحمد خالد صالح، أحد أبطال العمل، لـ”العرب”، إن قصة العمل المختلفة والجديدة سر جذبه للجمهور، ففكرة التنمر دائما ما تكون محفزة للمشاهدة عموما، بعيدا عن الحالة الخاصة بمرض البهاق في المسلسل التي كانت فريدة من نوعها.

يثير العمل الإشكاليات الأسرية في التعاطي مع المرض، بين مساعي أب جعل ابنته الوحيدة تواجه المجتمع بمرضها، وأم حاولت إخفاء الأمر تحت طبقات من مساحيق التجميل

تلقى العمل دفعة من اقتباسه من قصة الإعلامية لجينة صلاح، التي نجحت في التعايش مع البهاق، وأصبحت داعمة أساسية للمصابات بالمرض، وحقّقت حلمها بأن تصبح مراسلة لفضائية عربية شهيرة، بعدما أكدت اقتراب العمل كثيرا من تفاصيل حياتها.

وأضاف صالح أن العمل يحمل رسالة مفادها أن الاختلاف ليس سببا للتنافر، لكن تقبل المختلفين يعطي تماسكا للمجتمع، وإحدى الضمانات الأساسية لتقدّمه، وسعى من أجل تحقيق التغيير في نظرة البشر تجاه قضية التنمر التي تناولها.

ينتقد المسلسل في حلقاته التي لم تتجاوز العشرة، المناخ العام للمجتمع الذي يجعل التنمر سلوكا مألوفا تحت مسميات مقبولة، مثل المزاح والترفيه، ويُفرّخ باستمرار أجيالا محملة بأنماط غير سوية، لا تعرف طبقة اجتماعية أو مستوى اقتصاديا.

ويعطي “لازم أعيش” في نهايته رسالة أمل بإمكانية تجاوز الصعاب بشرط تقبل الذات أولا، فبطلته هجرت عملها المصرفي وأصبحت مذيعة راديو، ولم تكتف بخلع القناع الذي ترتديه في دخولها محطتها بل أشاعت الأمر على الهواء ليعرف الجميع، ففي النهاية لا أحد يجعل الإنسان يشعر بالنقيصة أو الازدراء إلاّ بموافقته.

16