لاسلو كراسناهوركاي الذي حصد "المان بوكر" كافكا جديد

في دورتها السادسة المخصصة للروايات الإنكليزية والروايات المترجمة إلى الإنكليزية عن لغات أخرى تم الإعلان عن الفائز بجائزة مان بوكر الدولية لعام 2015 في احتفال أقيم بمتحف فيكتوريا وألبرت في العاصمة البريطانية. وجاءت قيمة الجائزة، وقدرها 60000 ألف جنيه إسترليني، من نصيب الروائي والمسرحي المجري لاسلو كراسناهوركاي.
الجمعة 2015/05/22
مؤلف استثنائي ينزع عنا أوهامنا المستوطنة ويعبث بالصور النمطية

كانت البوكر هذه السنة من نصيب رواية “ميلانخوليا المقاومة” للروائي والمسرحي المجري لاسلو كراسناهوركاي “عن رواياته الرؤيوية المتسمة بكثافة استثنائية ومدى سردي رحب يأسران نسيج الوجود المعاصر في مشاهد يطغى عليها الرعب، وتمتاز بالعجب، وتتلون بكوميديا مفزعة، وكثيرا ما تتحلى بجمال يبث في النفوس الصدمة” كما أعلنت رئيسة لجنة التحكيم الأكاديمية مارينا ورنر. وقد اختير كراسناهوركاي من بين عشرة مرشحين، نذكر منهم الروائي الليبي إبراهيم الكوني والروائية اللبنانية هدى بركات والروائي الهندي أميتاف جوش. والجدير بالذكر أن الجائزة توّجت أعمالا لأسماء قديرة كالنيجيري تشينوا أتشيبي والأميركي فيليب روث والكندية أليس مونرو.

نزعة الأوهام

صرح أعضاء لجنة التحكيم، وهم الأستاذة وين تشين أويانج والروائي نديم أصلان والكاتبان إدوين فرانك وإلكيه كومير، بأن ما أدهشهم في رواية “ميلانخوليا المقاومة” و”تانغو الشيطان” لكراسناهوركاي هو “جملهما الطويلة المبهرة ونبراتهما المتحولة من المهابة إلى الطيش، ثم إلى الهزل والبؤس، بينما تنفض أحداثهما انفضاضا لا سبيل إلى التنبؤ بما ستؤول إليه”.

“فيهما تنزع الكوميديا الإنسانية نزعة مؤلمة إلى التسامي، وتصير عباراتهما ملحمية، مثلهما مثل لفة الوبر، تلتقطان كل ضروب الغريب والمدهش فيما تتراكم تفاصيلهما الغرائبية لا محالة لتستحيلا إلى فقرات موسيقية تختال مجونا”.

ويؤيّدون اختيارهم له بمقارنته مع كافكا، “إنها حيلة يقوم بها خيرة الكتاب ككافكا، يبعثون فيك إثارة ترافق الشيء الغريب، وبعد هنيهة يعيدون تشكيلك بقوة الخيال”. كان كراسناهوركاي قد صدّر “تانغو الشيطان” بعبارة مقتبسة من كافكا، “بطلي الوحيد” مثلما يقول مرارا، وهي “وفي تلك الحالة سوف أفتقد الشيء بانتظاره”.

مرّ أدب كراسناهوركاي بفترتين مختلفتين؛ بدأت الفترة المبكرة من الثمانينات حين كتب روايات رؤيوية قاتمة، تدور حول بلدات صغيرة وأناس مشؤومين تلفهم الخيبات. وبعد ذلك انتقل إلى مرحلة جميلة مضيئة تتواصل حتى الآن، وعلى الرغم من أن بعض النقاد يستهجنون أسلوبه الروائي المنهك، فهو في الحقيقة لا يختلف عن الموسيقى. تبدأ المقطوعة، وفي مستهلها تجهل مكانك، إنها بقعة لا تألفها. تجد كتاباته في صعوبة كتابات بيكيت أو دانتي، وبعد ذلك تشعر أنها طبيعية، ولا يكف الإيقاع عن جذبك معه.

"ميلانخوليا المقاومة" تشريح للخراب في أشد حالاته ترويعا، ودليل مثير إلى مقاومته من خلال الانطواء

تتناول “ميلانخوليا المقاومة” الفائزة بجائزة بيستينليت الألمانية هيستيريا عنيفة تنطلق بعد وصول سيرك يضم حوتا ميتا في بلدة صغيرة لا اسم لها بالمجر. وقد وصفتها لجنة تحكيم مان بوكر بأنها “رؤية هجائية تحفل بالنبوءات لمقاطعة تاريخية كئيبة يطلقون عليها الحضارة الغربية”. وفيها تطيح الكوميديا الماكرة بأيّ ادعاء بالعظمة قد ينسبه المؤلف لنفسه.

يقتنع أهل هذه البلدة لسبب ما مستتر بأن نهاية العالم وشيكة. يحدّق جانوس بعين الإعجاب إلى النجوم. وتعيبه سذاجة أيما سذاجة حتى أن الآخرين ينظرون إليه نظرتهم إلى أبله. لذا تتجنب أمه ابنها المحرج، وتتراجع إلى عالمها المريح الزاخر بالوسائد المطرزة ومربّى الفواكه.

أمّا إستر، فيرسمها المؤلف في صورة الرصينة المتشككة بعقلانية، وهي تحدّ من تعرضها للعالم المحبط خارج شقتها. ونراها في تناقض وصراع دائمين مع امرأة أخرى تخطط للسيطرة على البلدة.

خصوصية التجربة المجرية

في “ميلانخوليا المقاومة” ينزع عنا المؤلف أوهامنا المستوطنة، ويعبث بالصور النمطية المجرية المشبّعة بالحزن والوحدة عندما يرتد الدكتاتور الطاغوت إلى العالم. وعالمية رؤية المؤلف هنا تنافس في نظر بعض النقاد رواية “أرواح ميتة” للروسي نيكولاي جوجل، كما تتجاوز هموم الكتابة المعاصرة وتتغلب عليها.

كانت الكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ قد أسمته “أستاذ المجر المعاصر في أسفار الرؤيا، يلهمنا بأن نقارنه بجوجل وميلفل”. ثم أردفت أن “ميلانخوليا المقاومة” ما هي إلا “تشريح للخراب، الخراب في أشدّ حالاته ترويعا، ودليل مثير إلى مقاومة الخراب من خلال انطواء البشر”. يعد كراسناهوركاي من بين أبرز الروائيين الطليعيين بعد الحرب العالمية الثانية مثله مثل جوزيه ساراماغو وديفيد فوستر والاس. ومع أنه يشترك معهم في هذه الجمل الطويلة كالدهر، تنفرد جمله بأنها غريبة لا تعرف الاستقرار، يستعصي تماما إدراك كنهها.

"ميلانخوليا المقاومة" الرؤية الهجائية وكوميديا الألم الماكرة

الغرابة تتعلق بالأساس بخصوصيات التجربة المجرية واللغة المجرية. فتراث كراسناهوركاي ينفخ في عباراته حساسية معنية بالمهمشين، الذين يتأرجحون على حافة المجتمع، أو بالأحرى على شفا الجنون، في تركيز على القوى الكبرى أو الوعود الواهية التي تشدّ المنبوذين إلى المركز.

نصوصه نفسها نادرا ما تحوي نقطة واحدة في الصفحة الواحدة، في روايته “حرب وحرب” الفائزة بجائزة مؤسسة بن للترجمة عام 2005، يظهر كل جزء كعبارة واحدة وحيدة تتواصل، للأسف، على مدار صفحات.

كان مترجم رواياته جورج زريتس قد أشاد برواية “ميلانخوليا المقاومة” قائلا “إنها تدفق بطيء من الحمم القصصية، نهر غامق فسيح”. ومع التوغل في القراءة تبزغ الحاجة النادرة في هذه الأيام إلى التمهل بغرض العثور على إيقاع سرّ ينضح بجمالياته إلى خارج الضمير كأمواج البحر دون أن يتجمع في نهاية محددة.

لا ريب أن اللغة ليست مجرّد آلية لخدمة الاستيعاب، وإنما أيضا عائق أمام الاستيعاب. الحق أن اللغة المجرية مختلفة تمام الاختلاف عن الإنكليزية فيما يتعلق الأمر بنظم الجملة وأصوات الكلمات، كما أنها تستخدم مقاطع لاحقة للتعبير عن عدد لا نهائي من المعاني، والكلمات نفسها توحي في إيجاز لغوي بمضامين وشفرات متعددة. ثمة كذلك درجات متباينة من الخطاب الرسمي وغير الرسمي، وتشمل كلمة “أنت” كما هو الحال في الفرنسية. وقياسا على “أنت” و”حضرتك”، هناك العشرات من الكلمات التي تنقلب لتهين أحدهم تارة أو تبجله تارة. وهكذا تغرق اللغة المجرية في أحضان التهكم، وتغلّف المعنى بالمعنى، وتدمج التناقض في قلب آخر.

ولد كراسناهوركاي عام 1954 قبل عامين من دخول الدبابات السوفيتية بودابست، ولكن الوحشية المتفاقمة في روايته “ميلانخوليا المقاومة” يخيّم عليها عامل الخلود والكونية وكأن قلمه يحاكي انتكاسات التاريخ المجري المتكررة، حين تتلو فترة واحدة من القمع والتمرّد الأخرى. صدرت الرواية لأول مرة عام 1989، لتعكس ضمنا التغييرات السياسية الجارية وقتذاك. ولكن العنف الناجم في النهاية يتراءى بلا زمان أو مكان، كما أن لا هدف حقيقيا منه، هو قمة العبث.

يجد جانوس البطل دفتر أحدهم، وفيه يصف كيف “حطمنا وقصفنا كل ما يمكن أن نضع أيدينا عليه حتى عدنا إلى نقطة البداية، ولكن لم تكن هناك أية وسيلة للتوقف، لا توجد فرامل، والفرح المبهر للأعين الملازم للدمار دفعنا إلى التغلب على أنفسنا مرارا وتكرارا”.

ونقرأ عن البلدة في “ميلانخوليا المقاومة” وقد تخللتها شوارع تحمل أسماء محاولات يائسة فاشلة لرد القهر والعثور على مجد عسكري في تاريخ حافل بالهزيمة والنكران. نرى جانوسيفر من نهّاب ليقع في يد نهّاب آخر “حيث يتقاطع شارع رقم ثمانية وأربعين مع ميدان بيتوفي”، وهو ملتقى طرق يعيّن محور ثورة لم يكتب لها النجاح. ففي عام 1848 فشل المجريون في نيل الاستقلال من إمبراطورية هابسبورغ؛ وكان ساندور بيتوفي هو شاعر الحركة وشهيدها.

15