"لاشين" يؤسس لنظرة الشعوب للجيوش الوطنية الحامية للدولة

فيلم "لاشين" طرح قضية دور الجيش وقادته في حماية الحرية والعدل والوقوف إلى جوار الشعب في محنه وأزماته لمواجهة خيانات وفساد بعض أفراد النخبة.
السبت 2019/01/12
من زمن لاشين إلى ميدان التحرير: الشعب يستجير بالجيش

تحظى المؤسسة العسكرية المصرية بشعبية كبيرة تمتد عبر التاريخ الحديث. وكانت النظرة الشعبية الدائمة للقوات المسلحة تركز على اعتبارها المُخلص الوطني والحانية على الشعب والمُدافعة عن حقوقه وكرامته ووحدة دولته.

ورغم محاولات بعض خصوم النظام السياسي في مصر توظيف موقفهم من الحكم إلى موقف من الجيش المصري، إلا أن المحاولات باءت بالفشل لصلابة موقف المصريين أنفسهم من جيش بلدهم الذي يرونه أداة حماية لحقوقهم، قبل حماية حقوق الحاكم، حتى لو كان الحاكم خرج من رحم هذه المؤسسة.
بمزيد من المراجعة لكثير من المواقف السياسية والثقافية والفنية، يتبين أن العلاقة بين الجيش والشعب تتجاوز حدود الشعارات التي يتغنى بها البعض حاليا، والتفتيش التاريخي يثبت صلابة العلاقة المشتركة، قبل أن تتحول المؤسسة العسكرية بكل عنفوانها إلى رقم صحيح في معادلة الحكم بمصر.

المثير في الأمر أن واحدا من أقدم الأفلام السينمائية المصرية، وهو فيلم “لاشين” الذي تم إنتاجه عام 1938، يتعرض لتلك القضية ويؤسس لها من خلال شعبية القائد العسكري لاشين الذي يعتبره الشعب مُخلصا له من الظلم والخونة.

هناك أفلام عديدة عرفت طريقها إلى السينما بهدف تمجيد المؤسسة العسكرية، رُبما أخذ بعضها طابعا كوميديا، مثل أفلام الفنان الكوميدي إسماعيل ياسين، وظهرت خلال حقبة الستينات من القرن الماضي، للإشارة إلى مختلف أسلحة الجيش، كالطيران والبحرية والبوليس الحربي، غير أن تلك الأفلام الموجهة لم تُمثل إضافة لفكرة ارتباط المؤسسة العسكرية بالشعب مثلما فعل فيلم “لاشين”.

يتبنى الفيلم المأخوذ عن قصة مُترجمة، كتب لها السيناريو الشاعر الكبير أحمد رامي، الذي كتب في ما بعد الكثير من أغاني كوكب الشرق أم كلثوم، وأخرجه الألماني فرتنز كرامب، حكاية قائد عسكري محبوب من الشعب بسبب انتصاراته المتتالية، ويعمل على صيانة حقوق الناس، ورفع الظلم عنهم، قبل أن يدخل في صراع مع الخونة من الذين يسعون للوقيعة بينه وبين السلطان.

طرح الفيلم، الذي قام ببطولته الفنان حسن عزت، وجسّد دور القائد “لاشين”، بينما جسد دور السلطان الفنان حسين رياض، قضية دور الجيش وقادته في حماية الحرية والعدل والوقوف إلى جوار الشعب في محنه وأزماته لمواجهة خيانات وفساد بعض أفراد النخبة.

وجاء تاريخ إنتاج الفيلم وعرضه في أوج فترة الملكية بمصر والتي امتدت حتى 1952، وحمل من الإشارات الواضحة الخطيرة ما أثار ضجة أوقفت عرضه بعد أسابيع قليلة من إجازته في دور السينما، إذ أكد بوضوح أن صلاح السلطان (الحاكم أيا كان نوع الحكم) لن يكون قويا إلا بتدخل المؤسسة العسكرية ورعايتها.

ويتضح ذلك المفهوم، عندما يواجه الشعب مجاعة شديدة تتعرض لها البلاد وتُجدب الزروع وتموت الماشية وينهش الجوع والأمراض أرواح البسطاء، ويقوم القائد “لاشين” بتفرقة المؤن الموجودة في مخازن السلطان على الناس، ثُم يتصدى بعد ذلك لخيانة أحد الأفراد “كنجر” المتحالف مع المغول ضد بلاده، ويمنع انقلابه على السلطان لصالحهم، ويُصحح مساره نحو العدل والإنصاف بعد أن يكشف له الخونة.

الفيلم مأخوذ عن قصة مُترجمة، كتب لها السيناريو الشاعر أحمد رامي، الذي كتب الكثير من أغاني كوكب الشرق أم كلثوم، وأخرجه الألماني فرتنز كرامب
الفيلم مأخوذ عن قصة مُترجمة، كتب لها السيناريو الشاعر أحمد رامي، الذي كتب الكثير من أغاني كوكب الشرق أم كلثوم، وأخرجه الألماني فرتنز كرامب

وسعى الفيلم إلى تأكيد التفاف الناس حول القائد العسكري، ومحبتهم الطاغية له حيث يُقيم له الأهالي الزينات في الشوارع احتفالا بانتصاراته، وفرحا بعودته، بينما لا يقومون بذلك للسلطان نفسه الذي يقع فريسة لخداع الأمراء الفاسدين، فيباعدون بينه وبين الشعب، ويسعون إلى تأجيج الغيرة في قلبه تجاه “لاشين”، من خلال جارية جميلة تُدعى “كليمة”، قامت بدورها الممثلة نادية ناجي، حيث تهواه، رغم أنها ضمن حريم السلطان، ما سهل معه الانقياد لاضطهاد لاشين وسجنه.

ويُمثل الشعب في الفيلم الفلاح الجريء “يوسف”، وكان يدعو الناس إلى الوقوف إلى جوار “لاشين” وتخليصه من السجن، ثم مساندته في حربه ضد الخونة والفاسدين، ومقاومة الظلم المُستشري في البلاد.

نبوءة مبكرة

إذا كان الفيلم واجه مشكلات عند عرضه قبل عام من بدء الحرب العالمية الثانية، في ظل احتلال الإنكليز لمصر، فإنه في ظن الكثير من المُهتمين بالسينما مثل نبوءة مُبكرة بتحرك القوات المُسلحة لتنفيذ أماني وأحلام الشعب في الإطاحة بالفاسدين، وهو ما جرى بالفعل بعد ذلك في 23 يوليو عام 1952.

كما أن أحداث الفيلم تتشابه مع تحرك القوات المسلحة المصرية بعد خروج المصريين في تظاهرات حاشدة في 25 يناير 2011 للإطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك، وفي 30 يونيو سنة 2013 ضد حكم الإخوان المسلمين، والإطاحة بالرئيس محمد مُرسي، ما يؤكد الفكرة العامة الحاكمة، والتي ترى أن مؤسسة القوات المسلحة في مصر لا تقبل الاستدعاء إلا من الشعب نفسه، ومتى فعل ذلك استجابت.

رأى صُناع الفيلم في شخصية “لاشين” نموذجا لعسكريين وطنيين كانت لهم شعبية مثل عزيز باشا المصري، لكنه تطابق أيضا مع آخرين كنماذج لعسكريين محبوبين، مثل اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية المصرية، كذلك الرئيس جمال عبدالناصر، مع تصويره كراع لحقوق البسطاء والفقراء ومُحقق آمال الشعوب، والرئيس محمد أنور السادات، القائد العسكري المُنتصر في حرب أكتوبر 1973، وهو أيضا المؤسسة العسكرية المصرية، التي تم استدعاؤها من الناس للتخلص من الفاشية الدينية الممثلة في حكم جماعة الإخوان المسلمين، التي ضاق المصريون بها وبهيمنتها وتسميمها لحيواتهم اليومية.

هُنا فإن انتصار “لاشين” انتصار دائم لمؤسسة لا تعمل لصالح حاكم أو نُخبة، وإنما تعمل لصالح كيان اسمه “الشعب”، والعلاقة بين الطرفين هي علاقة تكامل واستكمال أدوار، فالقائد يهب لنجدة الشعب عند المجاعة، والشعب يهب أيضا لنجدته ونصرته في حربه مع “كنجر” كرمز الخيانة.

“كُنجر” نفسه شخصية مُتكررة لكل مَن يقف ضد الشعب، وقد يكون مُعبرا عن جماعات التمرد ضد الدولة في أي وقت، وعن كل شخص أو جهة تتحالف مع الأعداء للحفاظ على نفوذها أو نيل سلطة أوسع. ربما هو أقرب الشبه بجماعة الإخوان المسلمين، التي لا تعنيها مصلحة الشعب بقدر الحفاظ على مصالحها الذاتية، وليست لديها مشكلة في التحالف مع الخارج (المغول في الفيلم) للفوز بالحكم بأي ثمن، إنها مثل “كنجر” في الإيقاع بين جموع الشعب وصناعة الفتن والتحريض ضد “لاشين” ممثل المؤسسة العسكرية.

كأن التاريخ مُسلسل مُعاد يتكرر بتفاصيله. ففي العام 1956، وبعد قرار مجلس قيادة الثورة في مصر بحل تنظيم الإخوان المسلمين، وقفت الجماعة إلى جوار القوى المعادية للنظام المصري، لدرجة أن بعض قادتها سعوا، حسب مذكرات الشيخ أحمد حسن الباقوري، أحد أعضائها الذين انقلبوا عليها لاحقا، إلى الاتصال بالإنكليز أنفسهم للحصول على دعمهم بهدف اقتناص الحُكم، ولو كان الثمن عودة الاحتلال بأي صورة من صوره.

وبعد ثورة 30 يونيو 2013، وعقب الإطاحة بالرئيس محمد مُرسي، حاولت جماعة الإخوان استدعاء الدول الغربية وتحريضها ضد مصر للعودة إلى حكم البلاد بأي ثمن، ولو كان الخضوع تماما لإرادة الدول الكبرى وتلبية جميع مطالبها.

تذكرنا إحدى العبارات الواردة على لسان القائد “لاشين” في الفيلم، والتي يقول فيها للسلطان “الشعب المتألم ينتظر من مولاه أن يقف إلى جواره يُساعده ويزوده بما لديه من مؤونة”، بعبارة شهيرة للرئيس عبدالفتاح السيسي عقب ثورة 30 يونيو قال فيها “الشعب المصري ينتظر مَن يحنو عليه”.

بساطة القيادة

تصيب إعادة مشاهدة الفيلم في الوقت الحالي الجمهور بحالة دهشة مفادها ضعف الأداء التمثيلي وبدائية معدات التصوير وسطحية الحوار وبساطته وسهولة الحبكة، فضلا عن سذاجة النهاية التقليدية التي ينتصر فيها الخير وتنهزم الخيانة، غير أن العودة بالذهن إلى زمن الإنتاج والتعرف على حجم الإمكانات الفنية المُتاحة وكون الفيلم من باكورة إنتاج السينما، تكسر هذا التصور لدى المُشاهدين.

كشف الفيلم جانبا من بدايات فن السينما في مصر، وكيف كان للأجانب دور عظيم في تطويره، وتعظيم أدواته
كشف الفيلم جانبا من بدايات فن السينما في مصر، وكيف كان للأجانب دور عظيم في تطويره، وتعظيم أدواته

كما أنها تدفع المُشاهد إلى فهم نظرة الناس العادية إلى المؤسسة العسكرية في مصر في مُختلف محطاتها التاريخية، وتساعده على تفكيك العلاقات المعقدة لبعض قوى المصالح المحيطة بنظام الحكم، أو الوقيعة بينه وبين الشعب أو بينه وبين القائد العسكري.

وكشف الفيلم جانبا من بدايات فن السينما في مصر، وكيف كان للأجانب دور عظيم في تطويره، وتعظيم أدواته، والاستغلال الأمثل لقدرات المُهتمين به، ويلاحظ أن مُخرج الفيلم، فرتنز كرامب، ألماني الجنسية، جاء إلى مصر خلال العشرينات من القرن الماضي، وعمل خبيرا في أستوديو مصر، قبل أن يُخرج أول فيلم روائي وهو فيلم “وداد” عام 1934 بطولة كوكب الشرق أم كلثوم.

والملاحظ أيضا أن مدير التصوير في الفيلم، جورج ستيلي، هو مصور بريطاني كان يعمل في أستوديو مصر خلال الثلاثينات، ونقرأ على التتر اسم أحد الأجانب كمسؤول عن الماكياج الخاص بجميع الممثلين وهو ألكسندر سترانج.
أما أبطال الفيلم، فلكل منهم قصة مع السينما، ربما أغربها أن بطل الفيلم نفسه، حسن عزت، لم يظهر في أفلام أخرى، وهاجر بعد الفيلم إلى الولايات المتحدة وعمل في هوليوود وكان من أوائل الممثلين العرب الذين اشتغلوا في السينما الأميركية، وشارك في بطولة أفلام background to danger عام 1943، وفيلم Intrigue المنتج عام 1947، ونُسي ذكره تماما لدى المصريين، حتى أن أحدا لم يعرف بوفاته سنة 2001 في أميركا عن عمر ناهز 95 عاما.

وكذلك الحال بالممثلة نادية ناجي، التي قامت بدور الجارية “كليمة”، وهي ممثلة أدت بعض الأدوار الأخرى في المسرح خلال الثلاثينات، لكن تجربتها السينمائية الوحيدة كانت مع فيلم “لاشين”.
ورغم أن بعض المجلات الفنية اعتبرتها أجمل امرأة في مصر خلال نهايات الثلاثينات، إلا أنها اختفت ثم اعتزلت التمثيل نهائيا.

وكان الفنان حسين رياض، الممثل الوحيد بين أبطال الفيلم الذي واصل تألقه في عالم السينما بعد أدائه الرائع لدور السلطان، وقدم أكثر من عشرين فيلما سينمائيا، أبرزها فيلم “رد قلبي” سنة 1957، و”جميلة” سنة 1958، و”في بيتنا رجل” سنة 1961، و”الناصر صلاح الدين” سنة 1963، وحصل الرجل عام 1962 على وسام الفنون من رئيس الجمهورية، وتوفي في العام 1965 عن 68 عاما.

اللافت للانتباه أن عدد المشاركين في الفيلم تجاوز عشرة آلاف شخص، وهو ما دفع المُنتج لكتابة ذلك على تتر العمل، وربما يحمل هذا العدد قدرا من المبالغة التي تدل على استخدام أعداد كبيرة من مجاميع الكومبارس للتعبير عن جيوش السلطان أو حرسه أو جموع الشعب الثائرة ضد الخونة.

أما موسيقى الفيلم، والتي قدمها مُلحن غير معروف هو عبدالحميد عبدالرحمن، فقد بدت متوافقة مع الأحداث، مُعبرة عن شجن الحزن على فقد محبوب، أو مفعمة بالحماس والسرعة المتوافقين مع انتفاضة الناس ضد الظلم، كما كان من المُتقن استخدام ملابس وضعها مصمم الملابس نوار، لتُعبر عن قرب زمن الأحداث وهو القرن الثاني عشر الميلادي، حسب ما كُتب في تتر مقدمة الفيلم.

واعتبر المؤرخ الفني والناقد السينمائي المصري محمود قاسم أن فيلم “لاشين” يمثل علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، مشيرا إلى أن منع عرض الفيلم جاء بسبب تصور الرقابة وقتها أنه يحمل تلميحات للعيب في الذات الملكية، لأنه أظهر السلطان ضعيفا وسهل الانقياد، ويُمكن التأثير عليه وخداعه.

اختفت نسخ الفيلم الأصلية على مدى عدة عقود تالية، ولم يذكره أحد، وحتى أستوديو مصر، وهي الجهة التي أُنتجت الفيلم آنذاك لم تكن لديها نُسخة للعرض، وظهر موقع “يوتيوب” العالمي وأعاد بعض حائزي  نسخا من الفيلم بثه للمشاهدة عبر الموقع.

وبعد أقل من عشر سنوات، وعقب مصادرة الفيلم، بالتحديد في العام 1947، صدر قانون الرقابة المصري، والذي نصت بنوده على منع مشاهد الأحاديث والخطب السياسية المثيرة، والمواضيع التي تحتوي على دعاية ضد الملكية أو النظام  القائم، ومنع مناظر الإخلال بالنظام الاجتماعي، مثل الثورات أو التظاهرات أو حتى الإضراب.

16