لاعبون عرب وأفارقة تعرضوا لإساءات عنصرية في شتى ملاعب أوروبا

مازالت ملاعب كرة القدم العالمية تعيش على وقع مشاهد مأساوية تسيء للعبة الشعبية وللإنسانية بصفة عامة. حيث تعرض كثير من اللاعبين لهجوم عنصري على مدار التاريخ، وكان اَخرها تعرض النجم المغربي مهدي بن عطية مدافع فريق يوفنتوس الإيطالي واللاعب سليمان علي سولي مونتاري لاعب نادي بيسكارا الإيطالي لهتافات عنصرية في مشهد تكرر في الملاعب خاصة الأوروبية.
الأحد 2017/05/14
الألوان والجنسيات تختلف والهدف واحد

استشرى “سرطان” العنصرية في كامل الملاعب العالمية ليشمل بصورة أكبر الأفارقة والعرب، إذ كان النجم المغربي مهدي بن عطية مدافع فريق يوفنتوس الإيطالي ضحية جديدة لمناصري العنصرية حيث تعرض للإهانة، وذلك خلال مداخلة في قناة تلفزية إيطالية عقب مباراة فريقه أمام تورينو في لقاء الديربي بالجولة 35 من الدوري الإيطالي. وكان المدافع المغربي يتحدث للقناة بعد نهاية اللقاء أمام تورينو إذ بصوت من الأستوديو يقوم بالسخرية من الأصول العربية لمدافع السيدة العجوز.

كما تعرّض اللاعب المغربي كامل شافني لكلمات عنصرية من قبل حكم راية مباراة فريقه أوكسير ضد بريست في الدوري الفرنسي، حيث حاول اللاعب الاعتراض على خطأ لصالح فريقه فقال له الحكم “أغرب عن وجهي يا عربي”، يومها انتفض كمال فتعرّض للطرد. من ناحية أخرى لم يسلم نجوم المنتخب المصري من هذه الموجه التي تجتاح الملاعب، ففي عام 2007 وعندما كان اللاعب المصري السابق ومدرب وادي دجلة الحالي أحمد حسام “ميدو” يمثل ميدلسبره ضد فريق نيوكاسل، قامت جماعة مروجة للعنصرية ضد المسلمين بالهتاف ضده وطالبته بأن يرحل هو وكل المسلمين عن أوروبا إضافة إلى وصفه بالإرهابي.

كما تعرض النجم الغاني علي سولي مونتاري الذي يلعب ضمن صفوف فريق بيسكارا لهتافات عنصرية على هامش خوضه مباراة مضيفه كالياري، الأمر الذي جعل اللاعب ينسحب من أرضية الملعب على الرغم من تهديدات حكم اللقاء. ويقول عالم الاجتماع ومدير مرصد العنصرية ومواجهة العنصرية في كرة القدم ماورو فاليري في تصريحات صحافية “ما حصل مع مونتاري هو أمر مهمّ جدا، لكن فقط بسبب رد فعله. للأسف، ما حصل (الهتافات العنصرية) هو أمر غير نادر في كرة القدم الإيطالية”. وشهد لقاء لاتسيو ومضيفه نابولي بالموسم الماضي تعرض خاليدو كوليبالي مدافع فريق نابولي صاحب البشرة السوداء لهتافات عنصرية من جماهير فريق لاتسيو، الأمر الذي تطلب قيام حكم اللقاء بإيقاف المباراة عدة دقائق قبل عودتها من جديد.

تعرض يايا توريه أحسن لاعب في القارة الأفريقية 4 مرات هو الآخر لإهانات عنصرية على غرار “صرخات القردة” من جماهير سيسكا موسكو، ووقتها هدد توريه بمقاطعة اللاعبين الأفارقة لكأس العالم. وكان ماريو بالوتيلي أحد أكثر اللاعبين تعرضا للهتافات العنصرية، سواء خلال وجوده في إيطاليا رفقة إنتر ميلان أو جمعية ميلان أو في إنكلترا رفقة مانشستر سيتي أو حتى مع المنتخب الإيطالي.

وتعد مباراة الميلان وروما أحد أبرز الوقائع العنصرية التي تعرض لها اللاعب، وهو ما أدى لتغريم روما 50 ألف يورو. وفي سنة عام 2013 غادر النجم الإيطالي ماريو بالوتيلي الملعب وتبعه بقية لاعبي ميلان، وذلك خلال مباراة ودية أمام فريق مغمور اسمه بروباتاريا بعد تلقيه لإهانات عنصرية من مشجعي ذلك الفريق.

في الأعوام الماضية طالت هتافات عنصرية العديد من اللاعبين لا سيما الأفارقة منهم. وفي كل هذه الحالات بقيت العقوبات في حدودها الدنيا

كما تعرض بالوتيلي مع نيس الفرنسي لهتافات عنصرية من قبل الجماهير في مباراة فريقه ضد باستيا. وكذلك عام 2014 قذفت جماهير فريق أتلانتا الموز بالملعب على لاعبي ميلان كيفن كونستانت ونيجيل دي يونغ، وقد فاز الفريق يومها على ميلان وقد غرّم أتلانتا لاحقا بمبلغ 40 ألف يورو. وتعرض أيضا الإيفواري زورو في مباراة فريقه ضد نادي الإنتر الإيطالي إلى إهانات عنصرية تتمثل في الهتافات وحركات القردة من طرف جماهير النيراتزوري ما جعله يطالب بإيقاف اللقاء تماما. من جانبه ورغم حصوله على الجنسية الألمانية وتمثيله لمنتخب ألمانيا الأول فقد تعرض أسامواه لهتافات عنصرية من جماهير نادي هانزا روستوك الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية في بطولة كأس ألمانيا.

في إحدى أشهر قضايا العنصرية في تاريخ الدوري الإنكليزي وصف نجم ليفربول لويس سواريز مدافع مانشستر يونايتد باتريس إيفرا بالأسود، وتم حرمان النجم الأرجوياني لمدة 8 مباريات. كذلك لا ننسى صامويل إيتو وهو من أبرز اللاعبين الذين تعرضوا لتلك الهتافات، وأقدم الكاميروني على مغادرة الملعب خلال مباراة فريقه برشلونة أمام ريال سرقسطة، وبعد انتقاله من البرسا إلى إنتر ميلان وجهت جماهير كالياري هتافات عنصرية أخرى ضد اللاعب. من جانبه قال تيري هنري لاعب أرسنال الإنكليزي إنه كان يعانى كغيره من اللاعبين من التمييز العنصري الذي تعرض له في الملاعب الأوروبية.

عنصرية مشروعة

ومن أشهر القضايا التي كشفت عن عنصرية الجماهير الروسية التي تم تهديدها رسميا بالحرمان من المشاركات الأوروبية لاحقا، كانت قضية روبرتو كارلوس عندما ألقت جماهير كل من زينت بطرسبرغ وكريليا سوفيتوف الموز تجاه الأسطورة البرازيلية.

استشرت ظاهرة العنصرية في ملاعب أوروبا بصفة عامة، والإيطالية بصفة خاصة. لذلك تبقى عديد الأسئلة مطروحة إلى متى ستتواصل هذه الممارسات وسيتواصل التهاون بمشاعر البشر؟، فمهما اختلف لونك أو دينك أو عرقك يبقى الجميع سواسية، وتبقى مشاعر كل إنسان سامية فوق كل الحسابات. فهل باتت العنصرية مشروعة في البلدان الأوروبية؟

في سياق متصل بدأت كرة القدم الإيطالية في استعادة مكانتها العالمية، أكان على صعيد أداء المنتخب أو الأندية ومنها يوفنتوس الذي بلغ نهائي دوري أبطال أوروبا، إلا أن هذه العودة تلطخها مشكلات عنصرية متكررة.

ومن الملاحظ أن الأمر لا يقتصر فقط على الدرجة الأولى الإيطالية، كذلك في الدرجة الثانية وحتى كرة القدم عموما. فخلال العامين الماضيين سجلت المئات من حالات إهانة لاعبين ذوي بشرة سمراء. ويحصل الأمر بشكل شبه يومي، لكن يبقى دون أيّ معالجة. ففي الفترة الماضية بانت للعيان حالات مماثلة في رياضات أخرى مثل كرة السلة التي يتورط فيها أحيانا مشجعون لكرة القدم ممنوعون من دخول الملاعب.

عقوبات محدودة

أدت قضية مونتاري إلى ردود فعل واسعة شاجبة منها الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين الذي كان من أول المطالبين بإلغاء العقوبة بحق اللاعب على خلفية مغادرته الملعب، وصولا إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين.

وأفادت رابطة الدوري الإيطالي عن تسجيل حالات “هتافات عنصرية” في مباريات المرحلة الرابعة والثلاثين من الدوري الإيطالي، من قبل مشجعي أندية إنتر ميلان ولاتسيو وروما.

أرقام العنصرية في ارتفاع فهل من رادع

إلا أن أيّا من هذه الحالات لم تواجه بعقوبات صارمة، فكالياري وروما لم تفرض عليهما أيّ غرامة، أما إنتر ولاتسيو فتمت إدانتهما مع وقف التنفيذ بإغلاق جانب من مدرجات ملعبيهما. ولا تعد هذه الحالات طارئة على كرة القدم الإيطالية إذ طالت هتافات مماثلة في الأعوام الماضية العديد من اللاعبين لا سيما الأفارقة منهم. وفي كل هذه الحالات بقيت العقوبات في حدودها الدنيا. وبصفة عامة لا ترتقي أيّ حالة إلى المعايير التي يجب توافرها لتتم معاقبة الأندية. والعقوبات، في حال وجدت لا تفرض إلا مع وقف التنفيذ. وهذا أمر سخيف.

ولا تشكل العنصرية النقطة السوداء الوحيدة في كرة القدم الإيطالية إذ أن التمييز الجغرافي لا يزال سمة طاغية في الملاعب، لا سيما بحق أندية جنوب البلاد وأبرزها نابولي.

كما شهدت الملاعب حالات تبادل للإهانات بين اللاعبين أنفسهم، وأيضا من دون فرض عقوبات صارمة على أيّ منهم. إذ لم يعاقب لاعب روما دانييلي دي روسي على نعته لاعب يوفنتوس الكرواتي ماريو ماندزوكيتش بـ“الغجري الوسخ”. فمن الأسباب التي تحول دون وجود عقوبات صارمة هو “غياب حركة مناهضة للعنصرية في كرة القدم الإيطالية، كما أن الجمعيات التي تعنى بمواجهة العنصرية لا تركز على كرة القدم.

وأمام هذه الظاهرة الخطيرة لا بد من التدخل العاجل والفوري من قبل الأطراف المسؤولة عن كرة القدم من أجل دعم كل اللاعبين الذين كانوا ضحايا لهذه الآفة الخطيرة، ولا بد من ضرورة التصدي لها بحزم.

ومن بين الحلول التي يجب أن يتّبعها الاتحاد الدولي لكرة القدم تفعيل عمل اللجنة المختصة في النظر بهذه الأمور ولا بد لها أن تتدخل لاتخاذ الإجراءات اللازمة. والشيء المهم هو أن تتحرك اللجنة وكلما كان اتخاذ الإجراء أسرع كلما كان ذلك أفضل.

لذلك يجب ضمان تحرك الفيفا عبر اللجنة المختصة لاتخاذ الإجراء المناسب إزاء أيّ سلوك تمييزي عنصري. وإذا كان الفيفا يرغب في مكافحة العنصرية يفترض به التحرك والتصدي لها. فهل يقدر الرئيس الجديد إنفانتينو أن يفعل شيئا تجاه هذه الظاهرة السلبية. كما شدد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” على ضرورة تطبيق الحكام البروتوكول ثلاثي الخطوات عند حدوث مواقف عنصرية خلال المباراة، والذي يقضي في البداية بإيقاف اللقاء أو تعليقه إذا لم تحل المشكلة.

وأعرب أعضاء مجلس الفيفا خلال اجتماعهم بالمنامة عن القلق عشية إقامة النسخة الـ67 من الجمعية العمومية حيال “الحوادث العنصرية الخطيرة التي وقعت مؤخرا”.

وأوضح مجلس الفيفا في بيان بموجب هذا البروتوكول الثلاثي يقوم الحكم بإيقاف المباراة حال وقوع حوادث عنصرية من جانب الجمهور، ويطلب نشر رسالة تحثّ المشجّعين على وقف تصرّفاتهم، وبعد ذلك يقوم الحكم بتعليق اللقاء حتى يلتزم المشجعون بالقواعد وفي حالة عدم التزام الجماهير وتحقيق الانضباط يكون بإمكان الحكم الانسحاب من المباراة.

رغم الحملات المكثفة وفضلا عن العقوبات الكبيرة لا تزال العنصرية تلازم كرة القدم العالمية. ورغم محاولات الاتحادات الوطنية والمؤسسات الكروية القيادية، وعلى رأسها الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، الحدّ من تلك الظاهرة عبر توقيع عقوبات تبدأ بفرض الغرامات المالية وتنتهي بالحرمان النهائي والاستبعاد، إضافة إلى تشكيل مجموعة عمل داخل الفيفا، منذ عام 2013 هدفها نشر التوعية ضد عنصرية الملاعب، فإن كل ذلك لم يأت بالنتائج المرجوة، وبدا أنه من المستحيل اقتلاع جذور تلك الظاهرة المقيتة من الملاعب.

صحافي تونسي

22