لاعتزال الكتابة دوافع مختلفة ونتيجة واحدة

الجمعة 2014/11/28
لم تكن واقعة اعتزال "زيدان" الكتابة الأولى من نوعها

شهد الوسط الثقافي العربي العديد من وقائع “اعتزال الكتابة”، سواء الكتابة الإبداعية الأدبية أو الكتابات الفكرية المختلفة، وهي الوقائع التي تمثل دائما صداعا برأس المكتبة العربية، إذ تحرمها من مزيد الإضافات في شتى المجالات، في الوقت الذي تباينت فيه الدوافع الرئيسية لقرارات “اعتزال الكتابة” لدى متخذيها، فما بين ضغوط سياسية أو تعرض لتهديدات بالقتل أو ما يتعلق بالعنف الديني وخلافه، إلى رغبة الكاتب أو المثقف نفسه في الاعتزال بعدما ينمو لديه إدراك أنه قدّم كل ما يريد قوله وكل ما لديه للقارئ.

مؤخرا، فاجأ الروائي المصري -الحاصل على جائزة البوكر العربية عن روايته الشهيرة عزازيل- الدكتور يوسف زيدان، جمهوره، بقرار اتخذه معلنا فيه التوقف التام عن الكتابة، وأي فعل أو تفاعل ثقافي في مصر والبلاد العربية.


دوافع الاعتزال


يوسف زيدان ذهب أبعد من ذلك في حدث اعتزاله الكتابة والعمل الثقافي ليطال حتى الكتابة الأسبوعية في الصحف، بالإضافة إلى التوقف عن كافة الاجتهادات التثقيفية والصالونات الثقافية والندوات واللقاءات الفكرية التي يُقيمها في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن المصرية، كما أنه قرر عدم المشاركة في أي حدث عام، ثقافي أو غير ثقافي، في مصر أو في غيرها، وذلك كتعبير منه على الاعتراض على تعيين رئيس مكتبة الإسكندرية الدكتور إسماعيل سراج الدين، كمستشار لرئيس مجلس الوزراء.

لم تكن واقعة اعتزال “زيدان” الكتابة الأولى من نوعها، فقد سبقه فيها الكثيرون، لأسباب ودوافع مختلفة، كان من بينهم المفكر الباحث في التاريخ الإسلامي سيد القمني، الذي شهد تهديدات بالقتل من قبل متطرفين إسلاميين، إذ قال في رسالة له في العام 2005: “تصورت خطأ في حساباتي للزمن أنه بإمكاني كمصري مسلم أن أكتب ما يصل إليه بحثي، وأن أنشره على الناس، ثم تصورت خطأ مرة أخرى أن هذا البحث والجهد هو الصواب، وأني أخدم به ديني ووطني، فقمت أطرح ما أصل إليه على الناس متصورًا أني على صواب وعلى حق، فإذا بي على خطإ وباطل.

التضييق السياسي من قبل السلطة على بعض الكتاب دفع بعضهم إلى السأم من الوضع الثقافي واعتزال الكتابة

ما ظننت أني سأتهم يوما في ديني، لأني لم أطرح بديلا لهذا الدين، ولكن لله في خلقه شؤون”. وهي الاستقالة التي وصفت على أنها جاءت صونا لحياته وعياله.

ودفع “القمني” ضرائب باهظة نتيجة عدائه لتيار الإسلام السياسي، وهجومه الدائم على ذلك التيار، وهو الهجوم الذي كان يتسم بالجرأة، لدرجة أن البعض من المتشددين اتهمه بـ”الردة”، والبعض الآخر اتهمه بدعم مخططات غربية، ما سبب له عدة تهديدات، كانت أبرزها تهديدات تنظيم “الجهاد” الإرهابي، الذي أهدر دمه، ورسائل تهديد تنظيم القاعدة نفسه إلى درجة أنه أصدر بيانا ضده عبر مواقعه على الإنترنت.

ومثّلت وقائع التهديدات التي يواجهها العديد من الكتاب، على خلفية ما كتبوه، لا سيما تلك التهديدات التي تتخذ الشكل الديني، والتي يُشهر أصحابها سهام “التكفير” في وجه الكتاب، أبرز الأحداث التي لاحقت العديد من المبدعين، وثبطت من هممهم، ودفعت بعضهم إلى التوقف عن الكتابة، فيما نجح العديد من المبدعين في المواجهة والتصدي لكل تلك الهجمات، التي زادتهم إصرارا على مواصلة نشر إبداعهم رغم الضغوط.

أما الشاعر عبدالرحمن شكري، والذي يعدّ من الرواد في تاريخ الأدب العربي، زميل العقاد والمازني، فقد اعتزل الكتابة والحياة على خلفية الظلم الذي عانى منه، عقب أن مُنع من الترقي في وظيفته، وشهد تحريضًا ضده بسبب كتابة قصيدته “أقوام بادوا”، دفعت لخروجه على المعاش.

الظُلم الذي عانى منه “شكري”، دفعه للكفر بعدالة الناس، فأقدم على خُطوة مؤلمة، إذ قام بحرق مؤلفاته ودواوينه، قبل أن يعتزل الكتابة والناس والحياة، ثم يصاب بالشلل، ليتوفى في ديسمبر عام 1958، لتكتب كذلك شهادة وفاة واحد من الرواد في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهو ثالث ثلاثة من أعمدة مدرسة الديوان التي وضعت مفهوماً جديداً للشعر في أوائل القرن الميلادي الماضي.


الحرمان من الإضافة


وإضافة إلى الدوافع التي تؤدي إلى خطوة “اعتزال الكتابة”، التي هي ليست وليدة العصر الحديث، بل إنها ضاربة بجذورها في التاريخ، تطل واقعة اعتزال “لبيد بن أبي ربيعة”، برأسها على تلك الوقائع، إذ كان “لبيد”، من أمهر الشعراء، غير أنه لم يكتب شعرًا عقب دخوله في الإسلام.

وتدل هذه الزاوية التاريخية على موقف “لبيد” وتبلور فكرة الاعتزال لديه، إذ أرسل حاكم الكوفة يومًا في طلب لبيد، وسأله أن يلقي بعضًا من شعره فقرأ لبيد “سورة البقرة”، وقال عندما انتهى: “منحني الله هذا عوض شعري بعد أن أصبحت مسلمًا”.

وإيمانًا من بعضهم بأن قرار “الاعتزال” في غاية القسوة، تراجع بعض “المعتزلين” عن قراراهم، منهم الشاعر المصري الراحل إبراهيم ناجي، والعراقي بلند الحيدري، بالإضافة إلى “أدونيس”.

أما الشاعر المصري الراحل إبراهيم ناجي (صاحب قصيدة “الأطلال” الشهيرة والتي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم)، فضرب مثالًا آخر في أسباب ودوافع “اعتزال الكتابة”، وهو ما يتعلق بسطوة النقد وقسوته، إذ قرر اعتزال الشعر، بعد ديوانه الأول، إلا أنه تراجع عن ذلك الاعتزال، لا سيما عقب أن تمكن عميد الأدب العربي طه حسين من استفزازه استفزازًا نقديًا إيجابيًا، دفعه إلى إصدار ديوانه الثاني “ليالي القاهرة”، وكتب قصيدة عودته.

شهوة الكتابة والحكي ونقل التجربة تجعل لدى المبدعين والمفكرين المزيد مما يقال وينقل

ويُضيف “أدونيس” سببًا آخر من دوافع وأسباب الاعتزال، وهو ما يتعلق بـ”اكتمال التجربة”، إذ أن “أدونيس” الذي أعلن اعتزاله “الشعر” وليس الكتابة ككل، برر تلك الخطوة بأن “دورته الشعرية اكتملت”، إلا أنه عاد من جديد ليكتب الشعر، متراجعًا عن قراره، وكذلك “الحيدري” الذي توقف في الثمانينات عن كتابة الشعر، غير أنه عاد مرة أخرى.

ولم يكن الكاتب الكبير الملقب بـ”الأستاذ” محمد حسنين هيكل، بمنأى عن كل تلك الوقائع، إذ كتب في العام 2003، ما يعد اعتزالًا للكتابة، وذلك في مقاله الذي نشر بصحيفة الأهرام المصرية واسعة الانتشار، تحت عنوان “استئذان في الانصراف”، غير أن شهوة الكتابة والحكي ونقل التجربة تجعل لدى المبدعين المزيد مما يقال ويُنقل.

وتشهد الساحة الثقافية والفكرية قرارات مماثلة للعديد من الكُتّاب والمثقفين، في الصحف أو في الدوريات المختلفة، بدوافع مختلفة، ونتيجة واحدة تتمثل في فقدان المكتبة العربية لعنصر فعّال فيها، وحرمانها من المزيد من الإضافات، التي تثري المحتوى العربي والساحة الثقافية بشكل عام.

وشهدت الصحافة المصرية العديد من الوقائع المماثلة، عبر عزوف العديد من الكتاب البارزين عن الكتابة الدورية بالصحف، من بينهم الروائي البارز الدكتور علاء الأسواني، والكاتب والسيناريست بلال فضل، وغيرهم.

بينما تبرز على فترات من التاريخ وقائع عديدة للتضييق السياسي من قبل السلطات الحاكمة على بعض الكتاب دفعت بعضهم للسأم من الوضع الثقافي واعتزال الكتابة والناس، بينما أجبر البعض الآخر على الابتعاد عن الساحة سواء بنفيه أو ملاحقته بالنقد القوي الذي يصل إلى “الاتهام بالكفر”.

14