لافتات ودلالات

صاحب محل الخضروات في أي مدينة في العالم حين يريد أن يقول إنه خفض سعر الفجل سيستخدم تعبيرا ويوظف خطا وحجم لافتة كلها تشي بثقافته.
الثلاثاء 2018/03/13
كل لافتة تشي بثقافة صاحبها

هذا الأسبوع استمتعت بفيلمين لمخرج واحد اسمه ألكساندر بين. أحببت المخرج ولو بشيء من النرجسية؛ أحببته لأنه يشبهني في شغفه باللافتات. عموما، لست وحيدا في هذا (أي في حب من يشبهني) فقد شهد الأسبوع خطوبة مغن مشهور لامرأة تشبهه. والروائي الإنكليزي إيفلن ووه تزوج امرأة اسمها إيفلن وصار اسمها بالزواج إيفلن ووه أيضا، وأظنه أحب فيها اسمها الذي هو اسمه.

الفيلمان من أفلام الرحلات وقطع المسافات الشاسعة بالسيارة في الولايات المتحدة. ورغم التضاريس والمسافات لا يفوت المخرج ملاحظة اللافتات. إشارات الطريق ولافتات عيادات الأطباء في المدن وأسماء الكنائس والشوارع وكل شيء.

في كل مدينة أو بلد أزوره أسعى للتعرف عليه من لافتاته: حس النكتة، الذوق في الخطوط والألوان وخصائص أخرى. اختيار اسم المحل يخبرك شيئا عمن اختار الاسم. القاهرة تضج بأسماء ونعوت مبالغة من قبيل: ملك الكفتة وأمير الكبدة. تجد عربة فول مكتوبا عليها بكل استعلاء “إن خلص الفول أنا مش مسؤول”.

في القاهرة أيضا هناك محل يبيع ملابس حجر النوم الخليعة شيئا ما (لانجري) اسم المحل “دلعني دلع شخلعني شخلع”، وهذه لافتة تبعث على الابتسام مهما كان يومك وكان مزاجك وتنبؤك أنك في مدينة تحب أن تضحك. صاحب محل الخضروات في أي مدينة في العالم حين يريد أن يقول إنه خفض سعر الفجل سيستخدم تعبيرا ويوظف خطا وحجم لافتة كلها تشي بثقافته.

في الطريق الجبلي بين بيروت ودمشق وفي موسم الثلوج حين يكون لزاما عليك السياقة ببطء وحذر، أذكر أني رأيت لافتة كبيرة تقول: أسرع ولا يهمك أبو راجي يجي يلمّك. وواضح أن أبا راجي يملك شركة انتشال سيارات محطمة.

في زياراتي للمنطقة العربية أحرص على أن أصطحب ابني المولود في إنكلترا، أريده أن يرى الأشياء وهي في طور التصنيع. الطفل هنا لم ير طرشيا يُعمل أو قميصا يخاط أو دجاجة تُذبح. كل شيء يراه على رف في السوبرماركت: الدجاجة وبرطمان الطرشي. كنت أصطحبه للفرجة في حارة طويلة في القاهرة فيها ورشات ومحلات: محل تجليد كتب ودكان طرشي وأيضا “سلخانة دجاج وبط وخلافه”.

هلع الصبي لرؤية ذاك المزيج المفزع من الريش والدماء. في المحل هذا يذبحون دجاجا وبطا وأوزا وحماما وهناك صراخ وريش يتطاير ومشهد مفزع حقا. لمحل الرعب هذا اسم طبعا. سألني ابني ما اسم هذا المحل فقرأت اللافتة وترجمتها له بأمانة؛ كان اسم المحل “جنة الطيور”.

24