لامارتين ودرويش وفلوبير وابن بطوطة يتقاطرون على القدس

تبقى القدس أكثر المدن العالمية عراقة، فيها تمازجت الأعراق والأديان والبشر من كل صوب، لتكون جوهرة البشرية المتألقة، ولا أدل على ألقها من تأثر كبار الشعراء والكتاب بها، منذ القدم كانوا يتهافتون إليها ليكتبوا منبهرين بروحها العالية رغم ما عانته على مر قرون من صراعات ودمار.
السبت 2017/12/16
مدينة الفجر البشري الساحرة (لوحة للفنانة مريم الزدجالي)

كتاب “مذاق القدس” كتاب صغير الحجم، جمّ الفائدة، إذ يحتوي على نصوص لكتاب عرب هم جبرا إبراهيم جبرا، محمود درويش، أنطون شماس، وإدوارد سعيد، وأجانب هم أرنست رينان، غوستاف فلوبير، لامارتين، بيار لوتي، هارمان مالفيل، ويهود نذكر عاموس عوز، أميشاي، يوشوا، وآخرون. كما يحتوي على نصوص لرحالة قدامى من العرب، مثل ابن بطوطة والمقدسي واليعقوبي، وأوروبيين مثل توركاتو تاسو.

المدينة الموحية

في مقدمة الكتاب، الصادر في طبعة أنيقة عن دار”ماركور دو فرانس”، نقرأ ما يلي “عظمة هذه الحاضرة، والصحراء التي تلفها من كل الأنحاء، واللون الوردي وحنان أحجارها لما تغرب الشمس، والصفاء المخيف قليلا لسمائها، ولياليها المكللة بالنجوم والتي لا تضاهيها في ذلك أي مدينة أخرى، كلّ هذا الجمال، شيء قليل بالنظر إلى لغز الضوء وشبقيّته المُفارقة، والمتقشّفة، والمُرْتجفة. إن سعادة هذه المدينة تكمن في تكرّمها بهذا الضور الذي تقطّرُه رويدا رويدا، وبلا علم منا، وببطء تقريبا”.

ويضيف كاتب المقدمة قائلا “هذه المدينة لا تسلمُ نفسها لنا من أول نظرة، وفي أول خطوة نخطوها في شوارعها. علينا أن نجعلها تمسك بكلّ حواسّنا، وتجبرنا على أن نترك أفكارنا على سجيتها، وأن نحرر نظرنا من كل ما نعرف، أو نحن نعتقد أننا نعرف، وأن نتغاضى عن تيقظنا، ونهمل انتباهنا، وأن نسمح لأنفسنا بنسيان تاريخها”.

ويشير صاحب المقدمة إلى أن القدس محّملة بتاريخ موسوم بالنزاعات والحروب بين الأديان. لذلك أصبحت فيها الجريمة شرعيّة وعادية بالنسبة لجميع من يجعلون من العقائد الدينية وسيلة لتعطشهم للهيمنة. والتجول في القدس يعني التجول في تاريخ أديان ثلاثة. وقد تمّ التمهيد بأبيات لإليوت من قصيدته الشهيرة “الأرض الخراب”، وفيها يقول:

من هي تلك المدينة في ما وراء الجبال/ التي تتكسّر وتتشكل من جديد وتنفجر في الهواء البنفسجي/ حصونها المنهارة/ القدس أثينا الإسكندرية/ فيينا لندن/ أطياف وأشباح.

نصوص وكتابات في مدينة استثنائية

كتابات للقدس

وكان الفرنسي إرنست رينان قد زار القدس في أواخر ربيع عام 1861. ومن وحي تلك الزيارة كتب مؤلفه الشهير “حياة المسيح” الذي أغضب رجال الكنيسة باعتباره مؤلفا يسيء إلى المسيحية، إذ أنه نفى أن يكون المسيح ابن الله، مكتفيا بوصفه بـ”الرجل الفريد”. وزار الشاعر الفرنسي لامارتين القدس في خريف عام 1832، إلاّ أنه لم يتمكن من دخولها بسبب الطاعون الذي كان متفشيا فيها. لذا اكتفى بالنظر إليها من بعيد مأخوذا بضوئها العجيب.

وقد كتب يقول “تركنا خلفنا تلك الأطلال المتلألئة بأشعة الصباح الأكثر ارتفاعا: تلك الأشعة التي لا لتذوب في نور غامض ومُلتبس، وفي إشعاع ساطع وكوني. مثلما هو الحال في الغرب. إنها أشعة تنطلق من أعلى الجبال التي تخفي عنا القدس، مثل سهام من نار مختلفة الألوان، ومتجمعة في الوسط، ثم مُتفرّقة في السماء كلما تباعدت. بعضها أزرق وفضي قليلا. البعض الآخر بلون أبيض كامد. وثمة منها من يكون بلون ورديّ يصبح شاحبا عند الحواشي، ومنها من يكون بلون نار حامية وملتهبة مثل أشعة تنطلق من حريق، منقسمة، لكنها مع ذلك منسجمة من خلال ألوان متلاحقة وتدريجية”.

وعن القدس التي زارها في ربيع عام 1894، كتب الرحالة الفرنسي بيار لوتي يقول “ببطء، وصلت إلى المحطة الرابعة لـ‘طريق الصليب‘، إلى ذلك الباب العدلي الذي غادر منه المسيح القدس، متوجها إلى مرتفع الجلجلة حيث صلب.. عليّ عندئذ أن أجتاز فضاء صاخبا ومظلما يغصّ بالعرب والإبل، وفيه ألج من دون تمهيد بعد الهدوء، وبعد وحدة المدينة السفلى. إنه ‘بازار الزيت‘، وهو حي من الأزقة الصغيرة المسقفة بكاملها بعناية الصليبيين، والذي أصبح اليوم مركزا لتجمهر بدوي لا يكاد ينقطع. كان الظلام يلف المدينة، وكانت المصابيح مشتعلة في الدكاكين التي تبيع الزيت والحبوب. وفي المعابر الضيقة نحن نشق طريقنا بصعوبة وسط المارة الملفوفين في برانيسهم، وقد شوشتنا أصوات الباعة وأجراس الإبل”.

وفي الحادي عشر من شهر أغسطس 1850، وصل غوستاف فلوبير إلى القدس إلا أنه لم يبد اهتماما كبيرا بها، ولا بتاريخها، ولا بمعالمها. وقد كتب يقول “ها قد مرّت ثلاثة أيام على وجودنا في القدس. لكن ولا واحد من المشاعر ومن الأحاسيس التي كنت أتوقعها تجلى: لا حماس ديني، ولا إذكاء للخيال، ولا كراهية لرجال الدين التي يمكن أن تكون مهمة على الأقل. أمام كل ما أشاهد وما أرى، أشعر أنني خاو مثل برميل فارغ. هذا الصباح، في ‘كنيسة القيامة’، كان يمكن أن يكون كلب مستثارا أكثر مني. على من يقع الخطأ؟ على الله الغفور الرحيم؟ عليهم هم؟ أم عليّ أنا؟ عليهم على ما أظن، وعليّ أنا بعدهم، وعليكم أنتم بالخصوص. لكن كم كل هذا مزيفا! وكم هم يكذبون! وكم هو مكلس، ومُبرنق، ومنذور للاستغلال، وللدعاية والزينة. القدس مدفنة عظام محاطة بالجدران. وأول شيء مثير للفضول صادفناه كان مجزرة. في ساحة مربعة، مغطاة بكومة من الأوساخ، ثمّة حفرة كبيرة. في الحفرة دم متجمد، وبراز، وأمعاء سوداء أو سمراء، كلّستها الشمس. وكانت الروائح الكريهة تنبعث من كل مكان. وكان ذلك جميلا مثل وساخة محصّنة”.

وفي قصيدة من وحي القدس بعنوان “الطفل الحكيم” للفلسطيني أنطوان شماس الذي يكتب بالعبرية نقرأ:

أنا هنا، بحسب منطق المدينة والحجر/ وشفتاي من حجر/ ويداي مرتخيتان/ بحسب منطقي الشخصي./ أسمع الليل حيث تنام هي عليه/ نعم، أسمع الليل/ وأكتب قصائد مُرتَجَلَة/ لأجل الصبي الميت./ هو واقف عند النافذة، من الجانب الآخر من الساحة،/ قائما بإشارات بفانوس دموعه.

15