لامبالاة عراقية تتيح لتركيا توسيع أنشطتها العسكرية في العراق

بغداد تعلن اكتفاءها بالوسائل الدبلوماسية في محاولة إخراج القوات التركية.
الثلاثاء 2019/05/07
جرأة المدنيين العراقيين على القوات التركية تجاوزت الموقف الحكومي الرخو

وجود القوات الأجنبية داخل الأراضي العراقية، سواء تعلّق الأمر بالقوات الأميركية أو بالقوات التركية، ملف شائك وحساس تبدو حكومة بغداد عاجزة عن حسمه وتفضّل التعامل معه بمرونة تستفيد منها تركيا لتوسيع أنشطتها العسكرية في العراق وللإبقاء على قواتها هناك.

بغداد - يكاد الوجود العسكري التركي في العراق وكذلك العمليات التي تقوم بها القوات التركية داخل الأراضي العراقية لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني، يتحوّلان إلى أمر واقع مسلّم به من قبل حكومة بغداد التي أعلنت، الإثنين، عدم نيتها الذهاب أبعد من اعتماد الوسائل الدبلوماسية، لإقناع أنقرة بسحب قواتها، رغم أنّ تلك الجهود سبق أن بُذلت ولم تفض إلى أي نتيجة، بسبب تشبّث تركيا بمنح نفسها “حقّ” التدخل العسكري داخل الأراضي العراقية وكذلك السورية لضرب خصومها من الأكراد الذين تصنّفهم كإرهابيين.

وخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مؤخرا إلى العراق، لم يرشح شيء مهمّ بشأن قوات بلاده في العراق، فيما استحوذ ملف التعاون الأمني والاقتصادي على أجندة الزيارة.

ويمكن تصنيف الليونة العراقية في التعامل مع ملف القوات التركية ضمن حرص حكومة بغداد الواضح على تجنّب إثارة الخلافات مع تركيا التي تشعر بالحاجة إلى التعاون معها في ملفات مهمّة مثل ملفّي الأمن والمياه، بعد أن كانتا قد تعاونتا بفعالية في إحباط المسعى الانفصالي لأكراد العراق والذي اتضحت معالمه بتنظيم استفتاء على استقلال إقليمهم في خريف سنة 2017.

غير أن بغداد لا ترغب من جهة ثانية في تصعيد موضوع القوات الأجنبية على وجه العموم، وتؤثر التعامل معه بهدوء لتجنّب إثارة حماسة الأطراف السياسية الراغبة في إخراج القوات الأميركية من العراق والساعية لسنّ تشريع في البرلمان يجبر حكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي على “طرد” تلك القوات وهو أمر يتجاوز قدرتها الفعلية ويسبب لها حرجا بالغا ومتاعب متوقّعة تضاف إلى متاعبها السياسية والاقتصادية.

وورد في وثيقة رسمية عراقية نُشرت الإثنين بتوقيع عبدالكريم هاشم مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي أنّ “الحكومة العراقية تدرك أن تواجد القوات التركية على أراضيها يؤثر سلبا على أمن واستقرار البلدين، وهي تسعى إلى إنهاء التواجد التركي على أراضيها بالوسائل الدبلوماسية”.

وعرضت الوثيقة أيضا إلى قوات التحالف الدولي في العراق مبيّنة أنّ عدد أفرادها “بلغ حتى شهر ديسمبر الماضي 8956 فردا منهم 6132 من القوات الأميركية بصفة مستشارين ومدربين ودعم وإسناد جوي”.

وذكرت الوثيقة التي جاءت تفاصيلها بناء على طلب من النائب في البرلمان العراقي فالح حسن جاسم من كتلة السند الوطني، أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقّعة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية نهاية عام 2008 لم تحدد مدة بقاء تلك القوات.

وتطالب كتل وتيارات شيعية ممثلة في البرلمان العراقي بإصدار قانون يتيح إخراج القوات الأجنبية من العراق، الأمر الذي ترفضه غالبية التيارات السنية التي ترى أن الخطر لا يزال يحيط بالعراق من الجماعات الإرهابية.

وتستفيد تركيا بشكل واضح من قبول العراق الضمني بنشاط القوات الأجنبية على أراضيه، في ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه أنقرة تنظيما إرهابيا.

وأعلنت أنقرة، الإثنين، في بيان أصدرته وزارة الدفاع التركية أن مقاتلات سلاح الجو أغارت على مواقع للحزب في منطقتي هاكورك وأفاشين باسيان شمالي العراق ما أسفر عن تدمير مستودعات أسلحة وملاجئ ومخابئ تابعة له.

ويرصد مراقبون توسّعا وجرأة متزايدين في النشاط العسكري التركي بالعراق. وكثف الجيش التركي حملته ضد مسلحي الحزب بعد مقتل أربعة جنود مؤخرا في هكاري جنوبي البلاد جراء قصف من شمال العراق.

وتحتفظ تركيا بقاعدة في منطقة بعشيقة شمالي الموصل تتحدّث أرقام غير رسمية عن وجود 600 جندي داخلها، بينما تتحدّث مصادر محلّية عن وجود قواعد تركية أخرى بالشمال العراقي.

إيران تدفع العراق لمزيد من التعاون مع تركيا نظرا للانتعاشة غير المسبوقة في العلاقات بين طهران وأنقرة

ولفّ الغموض ظروف إنشاء تلك القاعدة التي يبدو من شبه المؤكّد أنها أقيمت بعلم سلطات إقليم كردستان العراق الذي يدير كيانا أقرب إلى الحكم الذاتي بشمال العراق، لكن علم حكومة بغداد بها بشكل مسبق يظل موضع جدل واتهام لبغداد بالسماح سرّا لتركيا بإنشائها.

وباءت بالفشل كل الجهود العراقية لإخراج القوات التركية وإزالة معسكر بعشيقة، وذهبت مختلف التهديدات الصادرة عن حكومة بغداد السابقة بقيادة حيدر العبادي وأحزاب وميليشيات شيعية لأنقرة أدراج الرياح، بينما ازدادت نبرة الحكومة التركية ارتفاعا في الدفاع عن “شرعية” وجود قواتها داخل الأراضي العراقية.

وفي يناير الماضي اكتفت بغداد ببيان تنديد ردّا على قتل القوات التركية مواطنا عراقيا كان يشارك في تظاهرة نظّمها سكان بلدة شيلادزي الحدودية بمحافظة دهوك شمالي العراق بالقرب من قاعدة عسكرية تركية احتجاجا على قصف تركي أوقع ضحايا بين المدنيين داخل الأراضي العراقية.

وعملا على الحفاظ على مستوى جيد في العلاقة مع تركيا، صرفت بغداد النظر على دعوى قضائية كانت أقامتها الحكومة العراقية السابقة بقيادة حيدر العبادي ضد تركيا لدى المحكمة الدولية بسبب شرائها النفط من إقليم كردستان العراق دون تنسيق وعلم السلطات الاتحادية.

وأحجم رئيس الوزراء الحالي عادل عبدالمهدي عن الكشف عن المستجدات بشأن تلك القضية، ومدى صحّة الأنباء المتداولة بشأن وقف حكومته الدعوى بعد وصولها إلى مراحل متقدمة باتجاه إقرار حقّ العراق في الحصول على تعويضات من الحكومة التركية قد تصل قيمتها إلى 26 مليار دولار.

وتقول مصادر عراقية إنّ تركيا باتت تحظى بموافقة عراقية غير معلنة على الإبقاء على قواتها في العراق وتنفيذ عمليات عسكرية هناك بفعل تدخّل من إيران لدى حكومة بغداد ولدى الميليشيات الشيعية، وذلك نظرا لحالة الوفاق الكبيرة بين أنقرة وطهران والانتعاشة غير المسبوقة في علاقاتهما على خلفية عدائهما المشترك لعدد من البلدان العربية وأيضا لوقوعهما تحت الضغوط الأميركية وتعاونهما في مواجهتها.

وأكّد مصدر عراقي أن مسؤولين إيرانيين سبق لهم أن نقلوا لنظرائهم العراقيين طلبا بالتعاون مع تركيا في محاصرة عناصر حزب العمّال كمصلحة أمنية مشتركة لدى الأطراف الثلاثة.

3