لانا مامكغ وزيرة أردنية تجلس على كرسي تراه عبئا على الدولة

الأحد 2016/03/27
الأفضل من التعامل مع المثقفين إلغاء وزارة الثقافة

عمان - ألقت تصريحات وزيرة الثقافة الأردنية بظلالها على الجدل الثقافي الدائر في عمّان هذه الأيام، بعد أن فجرت الدكتورة لانا مامكغ قنبلة المطالبة بإلغاء وزارتها “الثقافة”.

كانت الدعوة مفاجئة للوسط الثقافي، كما هي للوسط السياسي، لكن هذا حال المثقفين، مفاجئين وصادمين، ذوي وديان شتى. ليس جديدة دعوتها، لكن الجديد أن تنطق بذلك وهي على الكرسي الذي تطالب بخلعه.

بكل الأحوال، نزعت مامكغ صاعق القنبلة، وألقتها في وجوه القوم، ثم غادرت المسرح عائدة إلى حيث مكانها، وزارة الثقافة، من دون أن يعني ذلك أنها ستستقيل. فما إن طرحت ما طرحت حتى اندلعت في الصحف والمواقع الإخبارية نار نقاشات لا أول لها ولا آخر.

الإعلام "دحرج" الكلام

استفز المختلفون مع هذا الرأي، وتساءل كتاب عن جدية موقف الوزيرة من وزارة ما زالت تتربع على عرشها منذ ثلاث سنوات. لِمَ تبقى إذا في موقعها إن كانت جادة، ولا ترى طائلا أو جدوى من بقاء الوزارة؟ قال الناس.

لانا مامكغ إعلامية أردنية وأستاذة جامعية وكاتبة، من أصول شركسية. كلفها رئيس الوزراء عبدالله النسور في صيف العام 2013 بحقيبة الثقافة. قادمة من الإذاعة والتلفزيون الأردنيين. كانت تقدم برنامجاً “يوم جديد” كل صباح. حاصلة على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها. كتبت المقالات الأسبوعية في الرأي الأردنية وغيرها من المجلات الأردنية والعربية.

اشتهرت بالبرامج الثقافية والحوارية مثل “إضاءات”، “دفاتر الأيام”، “فنجان قهوة”، “مساء الورد”، بالإضافة إلى مشاركتها في صياغة الرواية الأدبية والفنية لعدد من الأفلام الوثائقية.

الوزيرة لم تترك دخان المعركة وتمضي. قالت معقبة على كلامها بعد أيام “إنه أُخذ على غير مقصده، وإنه أجتزئ عنوة، على طريقة (ويل للمصلين)”. وقالت أيضا “إن ما قصدته هو أن السياقات ستأخذنا في لحظة إلى مواجهة السؤال، عن أهمية بقاء الوزارة. لكن جهات إعلامية تشغلها هموم البحث عن عناوين مثيرة، هي التي دحرجت كرة تصريحاتي الصغيرة لتصنع منها جبلا من نقاش لا تكاد تُرى قمته”.

لكن تغطية صحف رسمية منها جريدة الدستور، التي رصدت حديثها لإذاعة محلية أوردت قول الوزيرة “أنا ضد وجود وزارة للثقافة”، كما نقلت الصحيفة عن الوزيرة إشارتها إلى أنها مع إلغائها -أي الوزارة- بشكل كامل، ذلك أن التعامل مع الوسط الثقافي شائك، بالنظر للحساسية العالية لدى المثقفين.

من هذا الحديث تستطيع أن تقرأ إشكالية وجود وزارة للثقافة بين مثقفي الأردن. وربما ستسعفك نقاشات دارت في الدول العربية كلها، حول أهمية وجود وزارة تدير المؤسسات الثقافية وترعى شؤون المثقفين، وتنسيق سياسات نشر الثقافة العريضة في المجتمع بشكل عام.

في حينه، أفضت النقاشات إلى إلغاء الكيانات الثقافية الرسمية في العديد من الدول العربية ومنها الأردن، لكن القرار لم يصمد، وجرى التراجع عنه في وقت لاحق، فعادت الثقافة “وزارة” تمارس دورها في الإشراف على المؤسسات والشؤون الثقافية.

وتجاذب أطراف نقاشات الإلغاء على الأغلب مع مصالح وأجندات أصحاب هذه المواقف المختلفة، بعيدا تماما عن جوهر الفكرة، ففي الوقت الذي يرى بعض المهتمين بأن إلغاء وزارة الثقافة هو جزء من المؤامرة على الدولة وأجهزتها والتعامل معها بالتفكيك، يرى آخرون أن “الإلغاء” هو نوع من إعطاء الحرية للجسم الثقافي للتصرف والانطلاق بعيدا عن “الرعاية” الحكومية.

الوزيرة مامكغ تباهي بإعادتها مبلغا يعادل نصف مليون دولار من موازنة الوزارة للسنة المالية الماضية للخزينة برغم شح موارد ومخصصات وزارة الثقافة الأردنية. تباه نظر إليه بعضهم بصفته بندا من بنود القصور عن تنفيذ المشروعات الثقافية التي كانت خصصت لها هذه المبالغ

الثقافة في المهب

من جانب آخر، رأى بعضهم أن واجب الحكومة أن ترعى العملية الثقافية وأن تنسق أعمالها ضمن الرؤية الوطنية والقومية، وألا تترك الدولة مؤسساتها الثقافية في مهب قصص التمويل الأجنبي، وأن تتركها هياكل سائبة تسير من غير هدى و”عرضة للاختطاف من قبل المترصدين”.

هذه الأحاديث وهوامشها المتشعبة شغلت الشارع العربي منذ سنوات، فيما لا تعكس الأرقام الاهتمام الرسمي في الشأن الثقافي.

وكحال كل الملفات الوطنية، فإنها ستتضخم ويجري الاهتمام بها في حال تقاطعت مع سياسات صانع القرار، لهذا نجد أن أرقام الاهتمام الرسمي لا تكاد تنمو بما يتناسب مع نمو موازنات هذه الدول، لكنها ستقفز للضعف وأكثر، فقط في حال كان هناك احتفالات وطنية رعتها هذه الوزارات.

معظم المبالغ المرصودة للوزارات العربية المعنية بالثقافة، تذهب في العادة تجاه مصاريف جارية على نفقات الوزارة ورواتب ومخصصات أجهزتها وطواقمها الإدارية، ولا تذهب تجاه الأنشطة الواجب على الوزارة رعايتها من نشر وترجمة وغير ذلك.

هي مفارقة تتجلى في صورة من صورها بدعوة بعض المثقفين إلى حل وزارة الثقافة، في دول ما زالت القطاعات الثقافية فيها تحتاج للرعاية والدعم، بينما دعت مجموعة من المثقفين الأميركيين إلى إنشاء وزارة للثقافة في أميركا، حيث لا توجد عندهم وزارة للثقافة.

هي جدلية ترتبط بما تقدمه وزارة الثقافة الآن وليس في جدوى وأهمية وجودها بعد أن اقتنع “المثقف” أن وزارته مشغولة برواتب وقرطاسية الوزارة من دون الفعل الثقافي نفسه. من هنا يمكن فك عقد الغرابة بين أن يدعو المثقف الأردني لإلغاء وزارته وأن يطالب “الأميركي” بتأسيسها.

إن تقدم الدولة لا يعني بالضرورة إلغاء وزارة الثقافة، فثمة دول متقدمة كثيرة ما زالت تحافظ على هذه الوزارة ومنها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

سر مطالبة الوزيرة

بعد ثلاث سنوات من العمل وزيرة للثقافة، وبعد تجريب الإلغاء والإعادة لوزارة الثقافة، توصلت الوزيرة مامكغ إلى أنه لا ضرورة لوجود وزارة للثقافة، هذا هو المهم. والأهم هو أن نأخذ هذا التصريح على محمل الجد ونبحث في أسبابه. وليس من المعقول أن يكون موقف الوزيرة ارتجاليا، أو متسرعا، خصوصا أنها تعاملت بمنتهى الجدية مع ملفات كثيرة في هذا المجال خلال توليها المنصب الأول في الوزارة.

من المفهوم أن الجسم الثقافي يتمتع بحساسية زائدة تجاه الإجراءات الرسمية، خصوصا إذا كان من يتصدى للمهمة من خارج هذا الجسم. ولا ينطبق هذا على الوزيرة مامكغ الصحافية والمذيعة التلفزيونية والمحاضرة الجامعية، التي عرف تعاطيها مع المسألة الثقافية من منظور السلطة الرسمية، التي تضع في الحسبان قضايا المالية العامة، وتقنين المصروفات على القطاعات والمشروعات غير المنظورة نتائجها.

من هنا يفهم تباهي الوزيرة مامكغ بإعادتها مبلغا يعادل نصف مليون دولار من موازنة الوزارة للسنة المالية الماضية للخزينة برغم شح موارد ومخصصات وزارة الثقافة الأردنية. تباه نظر إليه بعضهم بصفته بندا من بنود القصور عن تنفيذ المشروعات الثقافية التي كانت خُصصت لها هذه المبالغ.

قبل هذا الحديث، كان هناك ما يشبه القطيعة بين الوزيرة والقطاع الثقافي إثر إلغاء مخصصات كانت تصرفها الوزارة للتفرغ والإبداع الأدبي، حيث قامت الدنيا ولم تقعد في حينه، حتى أن الجسم الثقافي انتفض ضد الوزيرة ونفذ العديد من الفعاليات ضد القرار وضد السياسات التي تنتهجها الوزارة في عهد الدكتورة لانا مامكغ.

ويأخذ بعض منهم على الوزيرة أنها سيدة تريد أن تدير القطاع الثقافي بعقلية ربة البيت، وتندروا بما أنشأته من مشروعات تراوحت بين كوخ يبيع كتب الأطفال على باب الوزارة وغابة للإبداع نصب فيها شاهد لكل مبدع أردني.

وتنساق هذه الأحاديث إلى درجة توصف فيها الوزارة أنها آخر المعنيين بالهم الثقافي، وأن حالات الإبداع تنشأ خارج أُطرها وبرامجها. أهم وأبرز الشواهد المطروحة اليوم بقوة هو فيلم “ذيب”، الإبداع الأردني الخالص من كل دينار أو جهد رسمي. هذا الفيلم الذي حصد العديد من الجوائز ونافس على جائزة الأوسكار.

ومن أجل الاستشهاد بتقصير الوزارة راح المثقفون يتندرون بالقول “إن الوزيرة لم تكن تعلم عنه شيئا، وصرحت لوسائل إعلامية أنها سمعت عن الفيلم من الإذاعات”.

هنا لا بد أن تتربع علامة استفهام كبيرة، أين الوزارة من الإبداع؟ وكيف لا تعلم شيئا عن فيلم أوصل اسم الأردن إلى أعلى المستويات والتي تطمح كثيرا من الدول إلى بلوغه؟

صحف رسمية أردنية منها جريدة الدستور، ترصد حديثاً لوزيرة الثقافة لانا مامكغ لإذاعة محلية قالت فيه "أنا ضد وجود وزارة للثقافة"، كما نقلت الصحف عنها إشارتها إلى أنها مع إلغائها ـ أي الوزارة ـ بشكل كامل، ذلك ان التعامل مع الوسط الثقافي شائك، بالنظر للحساسية العالية لدى المثقفين

منتج إبداعي غير مكلف

مامكغ تتحدث عن ضرورة وجود معايير للمنتج الإبداعي الذي يستحق دعم الوزارة، وتتحدث عن آليات مستقلة عن الوزارة لتقويم هذه الأعمال، لكن ما يؤخذ على إدارتها للوزارة أنها أهملت برنامج مدن الثقافة الأردنية، ولم تعطه الاهتمام اللازم، حيث يعمل هذا البرنامج على تسمية مدينة أردنية سنويا لتكون عاصمة الثقافة الأردنية، وتنتقل إليها الفعاليات الثقافية، نوعا من التحرر من ربق المركزية. في حين ما زالت الوزارة تُشرف على برنامج كتاب الأسرة، وهو برنامج ناجح يقوم على طباعة ونشر الكتب من خلال معارض تقام بشكل سنوي في المدن الرئيسية والقرى، حيث لا يتجاوز ثمن الكتاب نصف دولار أميركي.

الوزيرة تفاخر كونها تقدم للأسرة الأردنية منتجا ثقافيا رخيص الثمن، من كتب لا يعيبها أو يعيب مؤلفيها رخص ثمنها، بل العكس هو شكل من أشكال الدعوة للقراءة وتشجيعها عندما تكون الكتب رخيصة الثمن.

طبعا، في كل مجال، لا بد من رأي آخر، يرى الصورة من زاوية أخرى، هناك من هو ضد مجانية الثقافة، ومن يرى أن الدعم بهذه الطريقة قد لا يحقق المقاصد، لكن تجربة دولة الكويت في نشر الثقافة ربما تدحض هذا الرأي، فمن منا لم يستفد من منشورات عالم المعرفة وعالم الفكر ومجلة العربي؟

الرسمي لا يلد مبدعا

هل تخلق البرامج الرسمية المبدعين؟ يبقى هذا السؤال برسم إجابة المثقفين، فأعلام الإبداع ولدت مواهبهم من جحيم المعاناة، ولم يتلقَ أي منهم دعما أو إجازات تفرغ أو جوائز، وربما ماتوا تحت طائل من ضنك العيش، ولم يكشف العالم عن إبداعاتهم إلا بعد وفاتهم.

لكن هذا لا يعفي الحكومات من المهمات الثقيلة، التي تتطلب ميزانيات مثل الترجمة والنشر والمعارض وتسهيل نقل الخبرات، والأهم من ذلك كله ترسيخ أجواء حرية التفكير والإبداع وعدم ممارسة سياسة الحجر على الأفكار.

لكن مامكغ أثارت هذه الأسئلة جميعها بما صدر عنها من تصريحات يائسة من جدوى الرعاية الرسمية للثقافة. فأطلقتها صرخة ربما سيكون لها الكثير من الأصداء، بتسليط الضوء على دائرة طالما تعاطت معها الحكومات باعتبارها دوائر ثانوية لا تتقاطع مع سياق رسمي يخدم صانع القرار.

8