لاهوتيون يجددون الخطاب المسيحي بأول تفسير عربي للكتاب المقدس

مشاركة طوائف مختلفة في إنجاز التفسير الجديد تعد  انفتاحا فكريا، لكنها لا ترقى إلى التنسيق التام بين الكنائس الثلاث.
الخميس 2018/11/22
مراجعة عربية مبسطة

القاهرة - نجحت الهيئة القبطية الإنجيلية في مصر (تابعة للكنسية الإنجيلية)، في إصدار أول تفسير عربي للكتاب المقدس تشارك فيه الطوائف المسيحية الرئيسية الثلاث (الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت)، وقام بإعداده 48 لاهوتيا وباحثا ينتمون إلى 6 دول وهي، مصر ولبنان والأردن وفلسطين والعراق والكويت، في رحلة عمل استغرقت 11 عاما قبل أن يرى النور نهاية الشهر الماضي.

ويعد التفسير الذي يحمل عنوان “التفسير العربي المعاصر للكتاب المقدس”، الأول من نوعه في المنطقة العربية، لأنه يقدم تفسيرا شرقيا للكتاب المقدس، وبأقلام كتّاب من خلفيات متعددة، ولم يقتصر فقط على وضع تفسيرات حديثة للإنجيل تتوافق مع الحداثة المجتمعية في الدول العربية، لكنّ أجزاءه امتدت لتشمل مقالات تقدم شرحا لرأي المسيحية في القضايا المعاصرة التي تواجه المواطن العربي.

ويرى العديد من المهتمين بالشأن المسيحي، أن الكتاب الذي ستوزع نسخه قريبا في دول عربية مختلفة، خطوة على طريق تجديد الخطاب الديني المسيحي الذي طالب به الكثير من رموز الكنائس المصرية والعربية على مدار السنوات الماضية، ومواجهة التطورات المتلاحقة التي يمر بها الأقباط في الشرق.

قال القس إكرام لمعي، رئيس مجلس الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية في مصر، إن من قاموا بإعداد التفسير الجديد ابتعدوا عن النصوص الكتابية بشكل مجرد، ووظفوها فقط للتأكيد على كيفية تأثيرها في حياة وأفكار وسلوكيات المواطنين العاديين تجاه القضايا والتحديات الراهنة، ما يجعله أول قراءة عربية سلسة ومبسّطة للكتاب المقدس.

وأضاف في تصريحات لـ“العرب”، أن التفسيرات العربية السابقة للكتاب المقدس كانت ترجمات للتفسيرات الغربية، وهو ما لم يحدث في هذا التفسير الذي ينبع من أفكار الباحثين العرب في منطقة الشرق الأوسط، ويعبّر بالأساس عن الحالة المصرية والعربية في شكلها المعاصر، ويترجم الهدف الأساسي بأن يكون لدينا تفسير “مصري – عربي – معاصر  للكتاب المقدس”.

وأشار إلى أن الكنسية الإنجيلية اقترحت عام 2007 أن يكون هناك تفسير موجه إلى الفئات الشعبية في القرى والأرياف والمناطق التي تشهد الترويج للأفكار المتشددة أو المناطق التي شهدت أعمال عنف وتهجيرا ضد الأقباط، ما جعل هذا التفسير يربط بين نصوص الإنجيل وبين وقائع شهدتها تلك المناطق، الأمر الذي يلصق به صفة البيئة العربية، بعكس غيرها من الترجمات السابقة.

وكانت الترجمات المتباينة للكتاب المقدس تواجه بانتقادات من قبل مؤسسي التيار العلماني في مصر وعدد من الدول العربية، وأنها لا تتماشى مع البيئة التي يعيش فيها مسيحيو الشرق، لأنها ركزت على البيئة الغربية (الإنكليزية والألمانية والفرنسية) المأخوذة منها تلك التفسيرات، والتي توجه أصلا إلى المواطن الغربي.

وأوضح لمعي أن الكثير من الترجمات السابقة كانت بحاجة إلى تحديث للأفكار الموجودة فيها، بما يساعد على تقديم حلول للمشكلات التي وقع فيها بعض الأساقفة، مثل زيّ الكنيسة والموقف من الآخر، بما أفرز حاجة إلى حل العديد من المشكلات الموجودة على الأرض، سواء كانت سياسية أو لاهوتية أو أخلاقية، مؤكدا أن التفسير الحالي أحد أوجه التجديد، وينفتح على الآخر بعدم مهاجمته أي من الطوائف المسيحية المختلفة.

Thumbnail

وظهر أول حديث جاد عن ضرورة تجديد الخطاب الديني المسيحي في مصر عام 2015، بعد أشهر قليلة من مطالبة الرئيس عبدالفتاح السيسي لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بتجديد الخطاب الديني الإسلامي، وأعلن وقتها البابا تواضروس الثاني، بطريرك المسيحيين المصريين، سعي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى تجديد الخطاب الديني، غير أن تلك الخطوة لم تشهد تحرّكا حقيقيا على مستوى الكنسية الأرثوذكسية.

وانتشرت خلال العامين الماضيين آراء كنسية شدّدت على أهمية التجديد، بما يتوافق مع تداعيات الانتقال من مرحلة الثورة الصناعية إلى مرحلة الثورة التقنية في فضاءات الاتصال والمعرفة، وما تفرضه من تغيّر في أدوات التعليم داخل الكنيسة، والتي تفرض التحول من المعلم الفرد إلى منظومة تعليم ترتبط برؤية شاملة وتنتشر في ربوع الوطن.

أشار القس رفعت فكري، رئيس مجلس الحوار والعلاقات بسنودس النيل الإنجيلي، إلى أن اندلاع ثورات الربيع العربي كان مؤثرا من حيث توظيف التفسير لمواجهة التغيّرات التي طرأت على أوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط، بما أدى للحديث عن مستقبلهم في الدول العربية وكيفية تعاملهم مع الأحداث الطائفية التي يواجهونها، بالإضافة إلى الحديث عن تعرض الكثير منهم لأحداث العنف بدت ممنهجة، فضلا عن موقف الإنجيل من دولة إسرائيل. وأكد فكري، وهو أحد القائمين على إعداد التفسير الجديد، لـ”العرب”، أنه على مدار السنوات الماضية عقدت العديد من المؤتمرات بين الباحثين القائمين على إعداد التفسير للاتفاق على منهجية واحدة يجري العمل عليها، وتمت مراجعة النصوص العربية واليونانية، وكانت هناك لجان متعددة للتحرير والمراجعة، إلى جانب وجود لجنة لاهوتية للتقريب بين وجهات نظر الطوائف المختلفة. ولفت إلى أن التفسير الجديد “كُتب من الكنيسة إلى الكنيسة”، في محاولة لتغيير الأفكار بما ينعكس على تغيير المجتمع ككل، وجعله متاحا لكل ناطق بالعربية، ومن أي خلفية دينية وثقافية، كي يساهم في التقارب بين الأديان بشكل عام.

وانعكست رغبة الكنيسة الإنجيلية في تقديم تفسير معتدل ومتطور للكتاب المقدس على التقارب بين المؤسسات الدينية، ودعوة العديد من قيادات الأزهر خلال حفل التدشين الذي نظمته دار الثقافة التابعة للهيئة القبطية الإنجيلية مؤخرا وتتولى نشر الكتاب، في إشارة تحمل معاني تؤكد إمكانية استغلال الحدث في تطوير عملية مواجهة الأفكار المتطرفة.

ويبدو الهدف الأهم بالنسبة للكثير من الأقباط، أن يساهم التفسير الجديد في تقريب وجهات النظر بين الطوائف المسيحية، في ظل وجود تفسيرات مستقلة بكل طائفة على حدة. ويرى البعض من المتابعين أن السماح بمشاركة باحثين من طوائف مختلفة يعد انفتاحا فكريا، غير أنه لا يرقى إلى التنسيق التام بين الكنائس الرئيسية الثلاث.

وتوقع المفكر القبطي إسحاق حنا، الأمين العام للجمعية المصرية للتنوير (حقوقية قبطية)، أن يثير التفسير الجديد انتقادات عناصر داخل الكنسية الأرثوذكسية، باعتبارها الأكبر داخل مصر، ولأن التفسير صدر عن إحدى الهيئات التابعة للكنيسة الإنجيلية، كما أنه يسير فوق أشواك تحملها المئات من التفسيرات القديمة للكتاب المقدس، وكانت من بين الأسباب التي تعرقل التجديد لوجود خلافات جوهرية بين الكنائس المصرية الثلاث. وأضاف حنا، في تصريحات لـ”العرب”، أن التجديد لا بد أن ينعكس على التعليم الكنسي ومدارس الأحد الشهيرة، بحيث يكون الخطاب المقدم منفتحا وبعيدا عن التعصب والانغلاق، وتعليم الشباب أنهم حين يتبعون كنيسة ما، فهم لا يمتلكون بالضرورة كل الحقيقة، وهو ما يفتح الباب أمام تقبّل الأفكار المغايرة من الكنائس الأخرى.

13