لا أحد يتحرك خارج قواعد "السيستام" في تونس

حركة النهضة التي تشعر أنها تتولى ترتيب المشهد بذكاء، ستكتشف أن الأمر كله مرتب ومدروس من دوائر "النمط"، وأنها جزء من الترتيبات وليست خالقة لها.
الخميس 2018/10/04
المرحلة تتطلب الالتفاف حول الشاهد وليس إقصاءه

هل فعلا النهضة هي التي تستخدم رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في التخلص من التوافق مع الرئيس الباجي قائد السبسي وحزب نداء تونس؟ الإجابة عن السؤال بالإيجاب يبدو أنها تحولت إلى أمر واقع، فمختلف التحاليل تقول إن النهضة انفردت بالشاهد ونجحت في كسر الود بينه وبين الرئيس الذي جلبه إلى رئاسة الحكومة، وأنها ترتب من بوابة هذا الانفراد لعزل الشاهد عن حزبه بما يسمح لها أن تظل الحزب الأوفر حظا في الفوز بالانتخابات التشريعية القادمة.

قد تخطط النهضة لهذا كله، لكن الشاهد لا يتحرك في خلافه مع القيادة الحالية لنداء تونس ممثلة في المدير التنفيذي حافظ قائد السبسي بشكل شخصي ودون دوائر محلية وخارجية داعمة له، وهذا أمر لا يرقى إليه شكّ، والنهضة لم تنحز له بصفة كاملة إلا لمعرفتها بوجود هذا الدعم، وأنه يمكن أن يوفر لها مظلة جديدة تتخفى وراءها من سيناريو مصر 2013، وهو الضابط الذي يتحكم بخيارات الحركة، حتى وإن سعت إلى تقديم اندماجها في المنظومة السائدة كنوع من التطور وتأكيد لتخليها عن هويتها الإسلامية المنغلقة.

لم يكن الشاهد في البداية سوى شخصية تكنوقراط جيء به لتكون ترويكا المؤسسات الشرعية (رئاسة الحكومة، ورئاسة الجمهورية، ورئاسة البرلمان) بيد حزب نداء تونس والدوائر الداعمة له محليا ودوليا، في تلاف لتكرار تجربة الحبيب الصيد في رئاسة الحكومة بعد أن رفض تدخل قيادة نداء تونس في عمل الحكومة، وخاصة ما تعلق بالتعيينات على رأس المؤسسات الكبرى.

لكن، مسار نداء تونس وخلافات قياداته ثم انشقاقاته المتعددة دفعت الدوائر الداعمة للحزب، إلى تصويب المسار عبر تنويع البدائل والأشخاص وفق مقاسات المرحلة. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الدوائر هي التي تهندس سياسة البلاد بعد أن نجحت في تلافي صدمة 2011، وهي دوائر النفوذ التقليدية من رجال أعمال وقيادات نافذة في الإدارة والأمن وحراس النموذج الاجتماعي (النمط) الذي أرسته الدولة الوطنية مع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وما بعده، وبينهم مثقفون ورجال قانون وأساتذة جامعيون وممثلو جمعيات مدنية وحقوقية.

ومن الواضح أن “السيستام” الذي يقيّم باستمرار أداء أدواته وقدراته في إدارة المشهد العام لم يعد راضيا عما يجري في نداء تونس من ناحية الوضع المستشكل الذي صار عليه المدير التنفيذي للحزب، حافظ قائد السبسي، في ضوء ما بات يُعرف بقضية التوريث وأن خلافه مع الشاهد يعود إلى التنافس على خلافة الرئيس الباجي قائد السبسي ما بعد انتخابات 2019 وليبدو نجل الرئيس وكأنه يستقوي بنفوذ والده الاعتباري ليتبوأ مرتبة أولى في المشهد، وهو أحد الأسباب المباشرة لانشقاقات النداء المتناسلة بشكل لا يتوقف.

أزمة النداء لم تفض فقط إلى تراجع شعبيته وخسارة نفوذه في البرلمان أو في الانتخابات المحلية، بل في ما هو أعمق، إذ ساهمت في تراجع الصورة الاعتبارية للرئيس السبسي في أذهان جزء كبير من جمهور نداء تونس ولدى الدوائر العميقة الداعمة له، التي صارت تفكر بانتقال سلس وهادئ بغاية خلق شخصية جديدة يتم تجميع الدوائر الداعمة من حولها، ثم التسويق لها كبديل ولو بشكل مرحلي، وهذا ما يحدث مع الشاهد. وقد عبر عنه القيادي السابق في نداء تونس محسن مرزوق حين قال في برنامج تلفزيوني على قناة خاصة إن المرحلة تتطلب الالتفاف حول الشاهد وليس إقصاؤه، ويمكن اعتبار هذا التصريح مقياسا للحراك الذي يتم من وراء الستار لترتيب المرحلة المقبلة.

"السيستام"  لم يعد راضيا عما يجري في نداء تونس
"السيستام"  لم يعد راضيا عما يجري في نداء تونس

وأعتقد أنه يمكن الحديث، بعد الظهور التلفزيوني الأخير للرئيس السبسي، والذي بدا فيه في وضع العاجز عن وقف الانشقاقات، عن مرحلة ما بعد النداء بصورته الحالية، أي تحت قيادة نجل السبسي، وأنه يجري خلق المناخ الملائم لانتقال سلس نحو هيكل حزبي جديد باسم مشابه، ودون تجريم للانشقاق.

ومن السهل جدا أن تنزاح الجهات، التي تبقّت إلى الآن مع شق نجل الرئيس، إلى الضفة الأخرى بشكل تدريجي ودون صخب في حال تشكل الهيكل الجديد، خاصة أن الماكينة الإعلامية العمومية والخاصة يتم التحكم فيها وتتحرك بانضباط، وهو ما عكسته المحطات السياسية السابقة سواء في الدعاية لنداء تونس، أو شيطنة المنشقين، أو الحملة المنظمة على الخصوم التقليديين للحزب وبينهم حركة النهضة.

ويمكن تتبع حركة الاستقالات في البرلمان وجرعاتها، وآخرها أمس استقالة أربعة نواب جدد، لتصبح كتلة النداء أقل من 40 نائبا، لفهم مسار الإبدال والاستعداد للهيكل الجديد.

وفيما تشعر حركة النهضة أنها تتولى ترتيب المشهد بذكاء، ستكتشف أن الأمر كله مرتب ومدروس من دوائر “النمط”، وأنها جزء من الترتيبات وليست خالقة لها. وبدأ الوعي بهذه الحقيقة يتجسد بصورة جلية في نقاشات الإسلاميين، ويتسلل إلى دوائر متقدمة منهم استفاقت على أن الحركة لم يتم القبول بها في المشهد إلا في سياق واضح يهدف لعزلها عن مرجعيتها التقليدية التي توسم بالتشدد، وخاصة كونها حركة فوق وطنية في ارتباطها الفكري وربما التنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين.

وهناك قناعة تتبلور خلال تلك النقاشات أن الاعتراف الذي تحصل عليه الحركة في دوائر محلية متنفذة، أو في دوائر أجنبية مؤثرة في المشهد التونسي يهدف إلى تذويبها في ثنايا الدولة العميقة، وإشغالها بالمزايا وشهادات الاعتراف والتثمين لتجد نفسها في الأخير وقد تحولت إلى رقم عادي في مشهد سياسي بلا مشاريع كبرى يمكن أن يحتكم إليه التقييم.

انتقال دراماتيكي

ربما تكون الدوائر المحلية والأجنبية التي تدير الشأن التونسي قد أفاقت على حقيقة أن هزيمة الإسلاميين لا تتم من بوابة المعالجة الأمنية والقضائية القاسية، التي صنعت لهم وزنا، وإنما في استدراجهم للمشاركة في الحكم، والتورط في اتخاذ قرارات ومواقف تحت إكراهات الضرورة والتمادي في البراغماتية بلا ضوابط.

لكن الثابت أن حركة النهضة تحمل بوادر داخلية لهذا الانتقال الدراماتيكي الذي يأخذها بيسر من تصنيف راديكالي يتمسك بالأصولية إلى تصنيف جديد تقبل فيه بحماس أن تتحول إلى حركة ليبرالية تريد كسب رضا الآخر أكثر من البحث عن استقطابه أو التسلل للهيمنة عليه وابتلاعه لاحقا كما يتم التخويف منها على نطاق واسع.

لا شك أن الدوائر التي تؤمن بأن اللعب على الوقت سيفقد حركة النهضة حجمها وتأثيرها الاجتماعي قد بدأت تكسب الرهان ليس فقط اعتمادا على البعد الكمي الذي أفرزته انتخابات 2014 و2018 التي فقدت فيها الحركة قرابة مليون من أنصارها، فذلك قد يعزى للضغط الإعلامي والسياسي على حركة خرجت للتو من السرية وعاجزة عن الاندماج بسرعة.

ولكن ثمة ما هو أهم، ذلك أن الحزب الذي كان يجمع من حوله الأنصار بالآلاف لكونه حزبا إسلاميا، تخلى بسهولة لافتة عن خلفيته بشكل كامل ويحرص على تقديم نفسه حزبا مدنيا ليبراليا بمسحة إسلامية (لزوم ما لا يلزم)، ما دفع الآلاف من أنصاره المتدينين لينفضوا من حوله، والأمر نفسه مع أنصار التغيير الراديكالي الذين راهنوا على أن ينهض الحزب بمهمة قيادة الثورة بعد انتخابات 2011 لكنه يتهمونه بأنه ساهم بشكل فعال، مع آخرين، في إعادة الحكم للمنظومة القديمة.

استقطاب النهضة وتذويبها في لعبة التوازنات الخفية
استقطاب النهضة وتذويبها في لعبة التوازنات الخفية

ولا يقف الأمر عند اهتزاز الصورة الخارجية، فهناك مؤشرات على أن الأزمة بدأت تنتقل إلى التنظيم، وبين قياداته المؤثرة، وأن الخلاف بدأ يتسلل إلى العلن مثلما كشفت عنه الرسالة الأخيرة التي وجهها عدد من القيادات البارزة إلى الغنوشي للاحتجاج على فك التوافق مع الباجي قائد السبسي والرهان على تحالف جديد مع الشاهد.

وما يلفت النظر في الرسالة أنها كشفت عن أن الخلاف لا يتعلق بقضايا إدارة الاختلاف في التنظيم، وإنما مناقشة خيار سياسي يتحرك المحتجون فيه انطلاقا من تموقع خارجي ربما تحكمه مصالح أو التزامات شخصية.

وتؤشر الرسالة على وجود محاولة للاستقواء بدوائر ضغط ونفوذ خارجية لتعديل الخط السياسي لرئيس الحركة، ما يعني احتمالين أن الغنوشي يدير ملف التوافق منفردا أو اعتمادا على دائرة محدودة، أو أن من أعدّ الرسالة يقدّم نفسه بديلا عقلانيا وبراغماتيا مضمونا للدوائر التي تشتغل على استقطاب النهضة وتذويبها في لعبة التوازنات الخفية.

وربما تكون الرسالة الغاضبة التي يروج أن مهندسها الأول هو لطفي زيتون، المستشار السياسي للغنوشي، وأحد المدافعين عن خيار الانفتاح والتوافق والتخلص من الميراث القديم، مقدمة لشقوق علنية في التنظيم قد لا تتحول إلى انشقاقات مباشرة، لكن ربما تمهد لها الطريق مع الوقت.

ولا شك أن النهضة استفادت جيدا من صرخات معارضين مأزومين دأبوا على التأكيد أنها الأقوى وأنها مثل قمقم في الأسطورة القديمة يبتلع من حوله، ليسوق قادة النهضة أنفسهم خارجيا على أنهم البديل الوحيد، وخاصة ليتصرفوا بتعال تجاه من حولهم من المعارضات بمن في ذلك شركاؤهم في حكومة الترويكا وما قبلها الذين تحولوا بفعل ذلك إلى أعداء متنمرين، وهو ما تعكسه تصريحات محمد عبو المتتالية وأحمد نجيب الشابي وموقف المستقيلين من حزب الحراك للرئيس السابق المنصف المرزوقي.

ربطت النهضة مصيرها السياسي بالتحالف مع الأحزاب المحسوبة على المنظومة القديمة، وتحول التكتيك إلى استراتيجية، لكن السؤال الأهم: ماذا بقي من الأصدقاء لتتحالف معهم الحركة لو قررت الدوائر العميقة أن تفك توافق تبادل المصالح؟

7