لا أحد يترقب تغييرا قادما من إيران فاز رئيسي أم خسر

الرئيس الإيراني المنتخب سيكون خاضعا لسلطة المرشد الأعلى علي خامنئي الذي ستكون لقراراته تأثير على كيفية تفاعل بقية العالم مع إيران.
الجمعة 2021/06/18
النظام لن يتخلى عن لغة العنف والتصعيد

من المستبعد أن يؤدي فوز إبراهيم رئيسي المرشح المحافظ بالانتخابات الرئاسية في إيران المزمع إجراؤها الجمعة، في حال أكدت ذلك نتائج التصويت، إلى إبطاء الخطى نحو إحياء الاتفاق النووي والتحرر من قيود العقوبات، كما يستبعد المتابعون أي تغيير في السياسة الخارجية الإيرانية، حيث سيمضي رئيسي على نفس خطى المرشد باستمرار إدارة متشددة أخرى في تأجيج التوترات بالمنطقة من خلال دعم الميليشيات التي تواليها بالمال والسلاح والعتاد العسكري.

واشنطن- على الرغم من أن الانتخابات الرئاسية تعتبر تتويجا لمرشح متشدد يرعاه المرشد الأعلى علي خامنئي في ظل تصاعد التوقعات بفوز المحافظ إبراهيم رئيسي بكرسي الرئاسة، إلا أن وصول رئيس إيراني مكبوح ومقيد بتعليمات المرشد لن يمنع الآثار الارتجاجية على منطقة الشرق الأوسط التي تعاني بالفعل من سنوات من التوترات بين طهران والغرب، حيث يتوقع المتابعون والمحللون أن يفتح وصول رئيسي في حال فوزه صفحة جديدة من الخلافات مع دول المنطقة.

وسيفرض خامنئي الذي له الكلمة الأخيرة في الجيش الإيراني وبرنامج طهران النووي إملاءاته وتصوراته للسياسة الخارجية على الرئيس المنتخب، فيما ستنحصر مهام الرئاسة في الشؤون الداخلية مثل الاقتصاد، وتبقى وجها شكليا للدولة الإسلامية المتشددة.

ويستبعد متابعون أن ينجح الرئيس الجديد في خط نهج مغاير للسياسة الخارجية الإيرانية. ويتوقع جون غامبريل في تقريره على وكالة أسوشيتد برس أن يستمر مسلسل التصعيد مع دول المنطقة العربية، في ظل إصرار طهران على تقويض أمن المنطقة واستخدامها وكلاءها في الحروب الدائرة حاليا لفرض أجندتها التوسعية.

ومما لا شك فيه سيكون الرئيس الجديد خاضعا لسلطة المرشد، كما سيكون لقراراته تأثير على كيفية تفاعل بقية العالم مع إيران. وتعتبر التباينات في ولايات الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد والرئيس المعتدل نسبيا حسن روحاني، الذي توصلت إدارته إلى الاتفاق النووي المبرم في 2015 مع القوى العالمية، انعكاسا صارخا لذلك.

وتحوم التساؤلات اليوم حول إدارة يشرف عليها رئيس القضاء المتشدد رئيسي. ويواجه رئيسي، الذي يعتبره المحللون واستطلاعات الرأي الأوفر حظا بعد أن عملت لجنة يشرف عليها خامنئي على استبعاد منافسيه الرئيسيين، شكوكا قوية من الغرب بالفعل بسبب سجله الحقوقي السيء. ويرجع ذلك جزئيا إلى إدارته نظاما قضائيا لا يزال أحد أكبر الجلادين في العالم وتجري محاكمه الثورية العديد من المحاكمات خلف أبواب مغلقة.

توماس فريدمان: لن يتغير شيء بالنسبة للإيرانيين، طالما بقي آية الله في السلطة

وعاقبت وزارة الخزانة الأميركية في عهد دونالد ترامب رئيسي “لإشرافه الإداري على إعدامات الأفراد الذين كانوا قصرا وقت ارتكابهم جرائمهم والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للسجناء في إيران”.

كما يشرف رئيسي، بصفته رئيسا للسلطة القضائية، على نظام طالما انتقده أهالي المعتقلين والنشطاء لأنه يستهدف مزدوجي الجنسية وأولئك الذين تربطهم روابط غربية لاستخدامهم كورقة مساومة في المفاوضات.

كما أشارت وزارة الخزانة إلى الوقت الذي أمضاه رئيسي في مكتب المدعي العام في طهران، ووصفته بأنه “متورط” في حملة قوات الأمن على احتجاجات الحركة الخضراء الإيرانية في 2009 المحيطة بإعادة انتخاب أحمدي نجاد المتنازع عليها في ذلك الوقت.

وقالت وزارة الخزانة إن رئيسي شارك في ما يسمى بـ”لجان الموت” في 1988، والتي تقول منظمة العفو الدولية إنها أشرفت على إعدام ما يصل إلى 5 آلاف شخص في نهاية الحرب العراقية الإيرانية.

ولم تتخذ إدارة الرئيس جو بايدن حتى الآن أي خطوة لمحو رئيسي من قائمة العقوبات. ورفضت وزارة الخارجية والخزانة الإجابة على أسئلة حول كيفية تأثير العقوبات على رئيسي في السياسة الخارجية الأميركية إذا انتُخب.

وحسب غامبريل، لن يساعد تهديده لترامب في أوائل يناير بالاغتيال أثناء حديثه في الذكرى الأولى للضربة الأميركية في بغداد التي قتلت الجنرال الإيراني قاسم سليماني. وقال رئيسي حينها إنه “لا ينبغي للعدو أن يعتقد أنه إذا عمل شخص ما بصفة الرئيس الأميركي وكان مسؤولا عن الاغتيال فإنه سيكون في مأمن من العدالة. فلن يكون هناك ما هو آمن في أي مكان في العالم. حيث أن المقاومة مصممة على الانتقام”.

ومع أن القراءة السائدة للمشهد السياسي الإيراني تشير إلى وجود طيف واسع من المتشددين الراغبين في توسيع البرنامج النووي الإيراني، ومعتدلين يتمسكون بالوضع الراهن، وإصلاحيين يريدون تغيير النظام الديني من الداخل، إلا أن هذه القراءة تنهار حيال الواقع السياسي السائد في إيران، فكل هذه الأطياف هي عملة واحدة لنظام واحد ينصاع برمته لسياسة وأوامر المرشد الأعلى.

وترى صحيفة نيويورك تايمز أنه لن يتغير شيء، طالما بقي آية الله في السلطة، وإذا أردنا أن نكون صادقين، وفق توماس فريدمان أحد أشهر كتابها، فإنهم ليسوا الوحيدين الذين اعتمدوا الأسلوب نفسه طيلة 42 عاما، فكذلك فعل الرؤساء الأميركيون ورؤساء حكومات إسرائيل.

وحسب فريدمان يمكن تلخيص إستراتيجية هؤلاء كالآتي “حاول دائما أن تحصل على الصفقة الأفضل مع إيران، التي يمكن للمال تأمينها، أو بشكل أكثر دقة، حاول دائما الحصول على أفضل اتفاق يرفع العقوبات أو يفرضها أو على ما يمكن للحرب السرية أن تشتريه، لكن لا تختر إسقاط النظام بالقوة”.

ومع ذلك، زعم رئيسي في المناظرات الرئاسية الأخيرة أنه سيشرف على العودة إلى الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إدارة روحاني. وشهد هذا الاتفاق بحدّ إيران من تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات الاقتصادية.

وزارة الخزانة الأميركية في عهد دونالد ترامب عاقبت رئيسي لإشرافه الإداري على إعدامات الأفراد الذين كانوا قصرا وقت ارتكابهم جرائمهم والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للسجناء في إيران

ومنذ انسحاب ترامب أحادي الجانب من الاتفاقية، عمدت إيران إلى تخصيب كميات صغيرة من اليورانيوم تصل إلى مستوى نقاء 63 في المئة، وهي نسبة قياسية وإن كانت لا تزال أقل من مستويات تصنيع الأسلحة البالغة 90 في المئة.

وتضرر الاقتصاد الإيراني منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. ويمكن أن يساعد الانضمام إلى الصفقة، التي يمقتها المتشددون، في تخفيف المصاعب الاقتصادية. وقال رئيسي لمنافسه المعتدل، محافظ المصرف المركزي الإيراني السابق عبدالناصر همتي في المناظرة الأخيرة قبل الانتخابات، إن الصفقة “لن تنفذها أنت. إنها بحاجة إلى حكومة قوية”.

وجاءت هذه التصريحات إثر تعليقاته السابقة خلال حملته الرئاسية الفاشلة في 2017 ضد روحاني، والتي قارن فيها الصفقة بـ”صك لم يُصرف” من خلال تقاعس الحكومة.

ولم يقدم رئيسي تلميحات أخرى بشأن السياسة الخارجية خلال الحملة، إلا أن إشادته بجماعة حزب الله اللبنانية في الماضي وانتقاده جهود السلام بين إسرائيل والدول العربية يكشفان معالم سياسته الخارجية تجاه المنطقة.

ويتوقع المتابعون أن تحظى الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة من لبنان إلى اليمن إلى سوريا والعراق وغيرها من الدول، بالمزيد من الدعم المالي والعتاد العسكري والسلاح.

ويعتقد هؤلاء أن العودة إلى الاتفاق النووي سيكون لها تأثير غير مباشر على حزب الله لأن إيران تبقى الراعي الرئيسي له، مما يوفر الأموال في الوقت الذي يواجه فيه لبنان ما وصفه البنك الدولي بأنه أسوأ أزمة مالية في العالم منذ خمسينات القرن التاسع عشر. وسيؤجج هذا الدعم التوترات في المنطقة، خاصة مع عودة التصعيد في غزة، أمام توقعات بأن حرب الظل بين طهران وإسرائيل ستبقى مستمرة.

لن يتغير شيء
لن يتغير شيء

وفي ما يخص علاقتها مع دول الخليج العربي، سبق أن حاولت طهران الترويج لحوار مباشر مع السعودية للإيهام باستسلام المنطقة لسياساتها، مستفيدة من رخاوة موقف واشنطن تجاهها.

 لكن لا تزال التوقعات متحفظة بشأن مستقبل الحوار بين طهران والرياض ومستواه، وهناك مؤشرات توحي بصعوبة رفع مستويات تمثيل البلدين فيه. وعبر مراقبون سياسيون عن اعتقادهم بأن أي تفاهم سعودي إيراني سيتطلب جولات عديدة، ربما تستغرق بضعة شهور، قبل التوصل إلى شيء.

وكانت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية كشفت في السابع من مايو الماضي أن مسؤولين سعوديين وإيرانيين رفيعي المستوى عقدوا محادثات مباشرة خلال الشهر الجاري، في محاولة لإصلاح العلاقات بين البلدين.

وبالنسبة إلى الإمارات فقد شاركت الجهود الدبلوماسية الدولية من أجل خفض التوترات في المنطقة حيث تولي أهمية كبرى للجهود السياسية والحوار كخيارات أساسية لمعالجة الأزمات والصراعات في المنطقة والعالم. وقد طالبت دول الخليج مؤخرا بإشراكها في المحادثات النووية، داعية المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لمنع وصول الأسلحة إلى الحوثيين التي تدعمهم إيران في اليمن.

ويستنتج المتابعون أن التقارب مع دول الخليج والمنطقة العربية لن يتحقق دون كف طهران سياساتها التخريبية في المنطقة. ويلحظ هؤلاء أن وجود حكومة مناهضة بشدة للغرب قد يجعلها تتردد في تخفيف حدة التنافس الإقليمي مع دول الخليج العربية ما لم تأمر بذلك السلطة العليا في البلاد متمثلة في خامنئي.

وبالنسبة إلى رئيسي، قد يأتي الخطر المباشر والتحدي الحقيقي من داخل إيران بالذات. وقد أدى الغضب من اقتصادها المتعثر إلى اندلاع احتجاجات على مستوى البلاد مرتين في السنوات الأخيرة وخرجت عن السيطرة.

وتتوقع استطلاعات الرأي التي أجرتها وكالة استطلاع الطلبة الإيرانية المرتبطة بالدولة أن تكون نسبة المشاركة، التي ينظر إليها المسؤولون منذ فترة طويلة على أنها علامة على دعم النظام الديني، أن تكون الأدنى منذ الثورة الإسلامية في 1979.

7