لا أحد يخدعنا

السبت 2016/01/09

في العراق وقبل ثلاثين عاما، ماتت دجاجتنا السوداء متأثرة بجراحها في الحرب إثر شظية استقرت تحت جناحها الأيسر، بعد أن سقطت قذيفة متوسطة السرعة على الجدار الذي يفصلنا عن بيت الجيران، فحطمت قفص الدجاج في الحديقة الخلفية وقطعت معه شجرة “البمبر” وذراع جارتنا. ومنذ ذلك اليوم، وأنا أحلم باقتناء دجاجة أخرى تمتلك مواصفات الفقيدة التي ذهبت ضحية حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. لم أبحث عن الدجاجة متعمدة لكن الصدفة جمعتني بها قبل عامين، في زيارة ودية تفقدية لإحدى المزارع المحلية في لندن وكانت الدجاجة “جمعة” ما تزال في أيامها الأولى، حين تلاقت نظراتنا وتبادلنا فيها رسائل الحب الأولى.

حملت جمعة مع الديك الأبيض الجميل خميس ومعهما خمسة من الأشقاء والشقيقات في صندوق خشبي إلى المنزل بسعادة، مثل طفل فقير حصل على قطعة حلوى كبيرة، وحين أتممنا إجراءات تشييد القفص وتجهيز أثاثه وشراء الطعام حصلت الدجاجات على منزل كبير نسبياً وماء نظيف وبعض الحرية، لكني سمعت بعد فترة بأن قوانين البلدية في المناطق السكنية لا ترحب بتربية الدجاج في المنازل، على الرغم من أن الكلاب والقطط تترك حرة لتسرح وتمرح دون أي قيود، لكني تجاهلت الأمر طالما أن العقوبة في حالة انكشاف القفص لا تؤدي إلى الإعدام، وصرت أمضي ساعات طويلة في العناية بالدجاجات والتحدث إلى جمعة وخميس دون أن يعكر هوايتي هذه سوى اثنين؛ جارتي الإنكليزية التي تعيش منذ عقود وحيدة في بيت كبير فلا تجد لها تسلية يومية أفضل من مراقبة الجيران والتبليغ عن المخالفات البلدية، إضافة إلى ثعلب لئيم كان يتنقل بين الحقل القريب والشوارع المجاورة ليلاً في بحث مضن عن صيد ثمين، لكن كل محاولاته باءت بالفشل بعد أن أمنت على حياة الدجاجات بمجموعة من الأسلاك والأقفال المتينة، وحرصت على أن تدخل جميع الدجاجات إلى الجهة الأخرى من الأسلاك حالما تحضر نجمة المساء وتبدأ تباشير الليل.

ازدهرت الحياة في قفص الدجاج وكبر خميس وكبرت جمعة وتحولا إلى كائنين رائعين بألوان براقة زاهية، أما جمعة فقد كانت تشبه كرة صغيرة سوداء من الفرو وتميزت عن البقية بنظرات حزينة ومشية تشبه مشية البطاريق بسبب رجليها القصيرتين وجسدها السمين. أما الثعلب الماكر فلم يتسن لي التحقق من هيئته لأن عمله الليلي لا يسمح بالتمعن جيداً في ملامحه، فتحول في مخيلتي إلى صورة جميلة في أفلام كارتون كانت تقدم لنا الثعالب على أنها حيوانات جميلة وأنيقة مع بعض الخبث المحبب، لا أنكر بأنني كنت أحب الثعالب في قصص الأطفال. الثعالب كانت كائنات محايدة في نظري، طالما لم تحاول الاقتراب من ممتلكاتي ولأن الدجاجات التي التهمتها سابقاً في القصص والواقع لم تكن تعنيني حتى حصلت الواقعة.

تأخرت في يوم شتائي عن موعد العودة إلى المنزل وكان الظلام قد بدأ يرخي ستارته السوداء تدريجياً، والدجاجات ما زالت تمشي في القفص النهاري الخارجي ولا أسلاك ولا أقفال ولا هم يحزنون.

لم يستغرق الحادث سوى دقائق قليلة، وحين وصلت إلى المكان لم أجد سوى جثث الدجاجات العزيزة وكومة من ريش خميس الوسيم الذي يبدو بأنه قاتل طويلاً، قبل أن يستسلم لمصيره أما جمعة فلم أجد لها أثراً.

ومنذ ذلك اليوم، وأنا أشعر بذنب كبير ليس بسبب إهمالي ولكن بسبب حسن ظني بالثعالب، على الرغم من أن عمنا غوته حذرنا مراراً من الأوهام وكان يقول “لا أحد يخدعنا، بل نحن نخدع أنفسنا”.

21