لا أحد يخطف أحدا

الخميس 2017/07/13

في الطريق إلى السوبر ماركت ألتقي جارتي وصديقها الهولندي، كانت هذه أول مرة أتعرف فيها على صديق جارتي رغم أنه مضى على قدومها إلى الحي أكثر من سنة. جاكلين (اسم مستعار) أستاذة جامعية وباحثة شؤون اجتماعية صدرت لها عدة مؤلفات في هذا الشأن، وصديقها كاتب وناقد أدبي. إستدعياني إلى فنجان قهوة فقبلت، بعد أن اتضح أنني أشترك مع صديق جارتي في حب نفس الشعراء والكتاب تقريبا.

خلال الجلسة التي جمعتنا أخبراني بقصة حبهما، وعرفت من جارتي أن صديقها الذي يكبرها بـ10 سنوات كان متزوجا من رسامة قبلها وله منها طفلان، وأنه ترك زوجته وطفليه من أجلها، بعد قصة حب استمرت عدة سنوات. قالت ذلك بفخر واعتزاز واضحين، ومن دون تحفظ أو تردد، وفي سياق بدا عاديا للغاية، مثلما يخبر أحدهم عن أي قصة حب عادية وبنفس المعنويات المرتفعة. قبل ذلك بأيام كنت قد تابعت بالصدفة فيديو لمذيعة على إحدى القنوات المصرية تحاصر ضيفتها بأسئلة مباشرة ومحرجة عن “خطفها” لرجل متزوج، والضيفة تدافع عن نفسها بقوة وانفعال، ومن بين ما قالته الضيفة إنه لا أحد يخطف أحدا، وإن الرجل عندما يقرر أن يترك زوجته من أجل امرأة أخرى فهذا قراره هو، يتخذه لأسباب مقنعة وقوية وبعد تفكير وتأن طويلين، وليس من أجل أحد.

بعد وصولي إلى هولندا بسنوات قليلة، تعرفت على صديقة كانت قد عملت معي في نفس المكتبة، وكنت ساعتها لا أزال طالبة وأشتغل في نهاية الأسبوع من أجل كسب بعض المال. أخبرتني صديقتي أنها كانت على علاقة برجل، ثم بعد أن تعرفت على أخيه، وقعت في حب هذا الأخير ووقع في حبها، فتركت الرجل الأول من أجل أخيه، وعاشت مع الأخ حياة سعيدة وآمنة، وأنجبت منه أطفالا. كانت صدمتي ساعتها بلا حدّ، فعندما حدث ذات مرة ما يشبه هذا في حينا التونسي انقلب الحي بأكمله رأسا على عقب، وطُلقت الزوجة، ونبذت عائلتها من الجميع، وهاجر الزوج، واختفى الأخ إلى يوم الناس هذا.

أروي كل هذه القصص التي عايشتها بنفسي من أناس مقربين لأتساءل عن مفهوم العلاقة بين المرأة والرجل وحدودها، أو بمعنى آخر: أين يمتحن الصواب؟ هل التخلي عن امرأة من أجل أخرى خطأ يجب أن يعاقب عليه الرجل والمرأة اللذان تجرآ على هذه الفعلة بالندم والمحاصرة والتخوين، والنبذ والإقصاء؟ هل المرأة التي تركت رجلا من أجل أخيه مذنبة تستحق عقاب وجلد المجتمع أم إنها على صواب عندما عرفت أن الأخ أنسب وأقرب استجابة لنداء قلبها، والرجل الذي رأت أنه أب مناسب لأولادها؟

الفرق بين مجتمعنا الذي يرفض هذه الأشكال من العلاقات والاستثناءات، ويدينها بشدة وبين مجتمعات تجيزها وتتعامل معها بشكل إنساني، هو أن ما يحركها هو الحب، وما يحركنا أشياء أخرى كثيرة من بينها نظرة المجتمع وأحكامه. عندما يترك رجل امرأة من أجل أخرى لأنه أحب الثانية، فهذا بالنسبة إلى المجتمعات الأخرى سبب كاف ووجيه ومقنع لكل الأطراف، بما في ذلك المرأة المتخلى عنها، بل إنه يصبح مطلبا أساسيا لها، فلا حياة تستقيم بلا حب.

وعندما تترك امرأة رجلا لتحب أخاه، فهذا أيضا عمل شجاع من وجهة نظرهم، لأنها رفضت أن تبقى مع رجل لا تحبه، وذهبت إلى رجل تحبه. الحب هو المبرر الوحيد لعلاقات البشر المتشعبة وانحراف سلوكهم عن المعتاد والمألوف، لأجله نبقى ولأجله نذهب، ولأجله نسامح ونغفر ونتقبل.

لا أحب عادة أن أجري المقارنات “بيننا” و”بينهم”، لكن ما قصدته هو الدعوة للتفكير في ما نراه تسيبا أخلاقيا وانحرافا وتساهلا من مجتمعات أخرى، هل هو فعلا كذلك؟ ألا يبدو الأمر تفهما إنسانيا، واحتراما للفرد وخصوصيته وإعلاء لخياراته فوق رغبة وسطوة و”تغول” المجتمع؟

كاتبة تونسية

21