لا أحد يقرأ الكتب النقدية

مبدعون يكشفون أسباب تراجع النقد في الساحة الأدبية المصرية.
الجمعة 2020/09/25
الناقد له دور ريادي (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

لا يمكن إنكار الدور الكبير للنقد في تطوير الإبداع. فمن خلال النقد تأسست مدارس فنية وأدبية جديدة في كل مرة، ومعها تجدد الإبداع. لكن النقد اليوم، وخاصة الأدبي منه، شهد تراجعا في الكم والقيمة، حيث صار متراوحا بين السطحية والغياب عن مواكبة الجديد. في هذا التحقيق لـ”العرب” نتعرف على المشهد من زواياه المختلفة عبر قراءات المبدعين له.

 يبدو المشهد النقدي المصري محبطا وبائسا أمام الزخم الإبداعي المتدفق والمتوهج شعرا وسردا ومسرحا، فهذا الزخم لا يجد متابعة حقيقية تضيء تجلياته الفنية والأسلوبية والدلالية للقارئ والمبدع على حد سواء.

علي عطا: ما ينشر من أدب لا يجد ما يوازيه قراءة في مستواها العام أو المتخصص
علي عطا: ما ينشر من أدب لا يجد ما يوازيه قراءة في مستواها العام أو المتخصص

الأسباب التي تكمن وراء بؤس المشهد النقدي كثيرة من وجهة نظر ورأي المبدعين، وتتوزع ما بين تدني مستوى التعليم وسطحية ومدرسية الأكاديميين وتردي أدواتهم النقدية، وافتقاد وزارة الثقافة لأي آلية تدعم الحراك النقدي.

أزمة قراءة

بداية يرى الشاعر والروائي علي عطا أن الحركة النقدية ترتبط بالقراءة. يقول “أتحدث هنا عن نقد الأدب تحديدا، وأرى أن ما ينشر من أدب، سردا وشعرا، لا يجد ما يوازيه قراءةً، سواء في مستواها العام، أو في مستواها المتخصص، وبالتالي نعاني من عدم مواكبة النقد للإبداع الأدبي على نحو متكافئ، سواء في السياق الأكاديمي، أو في سياق الصحافة الثقافية، التي باتت فاعليتها في انحسار مطّرد، ليس لانحسار الصحف الورقية، بل لوضعها في درجة أدنى من الأهمية مقارنة بالصحافة السياسية أو الرياضية أو الفنية، سواء في الصحف أو في الإذاعة والتلفزيون”.

ويوضح القاص ناصر الحلواني أن جوهر النقد بيان الجيد والرديء، وإظهار السمات الجمالية والفنية العامة -سواء في السرد أو في الشعر- والسمات الشخصية الإبداعية الخاصة بالكاتب، فدوره تنويري لكل من القارئ المثقف والمبدع.

ويؤكد أن ما يفصح عنه المشهد النقدي الآن يقول غير ذلك؛ فالنقاد قلة، وغالبا الناقد صحافي أو قاص أو شاعر، يضع نصا نقديا لا يتبع قواعد النقد المعروفة، بل هو تقريظ أو مدح. بالإضافة إلى المأساة القديمة؛ الشللية، وهذا في الوقت الذي كثرت فيه الأعمال الإبداعية بنحو لا يطيق متابعته النقاد حتى لو توفروا. ولعلها المرحلة الأسوأ في تاريخ الحركة الإبداعية والنقدية؛ سيل من الكتابات تجري في مفيض الإنترنت، ويشق بعضها مجراه بـ 50 نسخة في دور النشر الحالية، فصار كاتبا لأن له كتابا، فنبتت على هذه الضفاف كتابات نقدية مشابهة. وفي قلب ذلك ما تزال هناك كتابات أصيلة ونقد جيد، كلاهما صامد في عزلته.

مدحت صفوت: كتابة مراجعات للإصدارات الأدبية دور ثانوي بالنسبة إلى الناقد
مدحت صفوت: كتابة مراجعات للإصدارات الأدبية دور ثانوي بالنسبة إلى الناقد

ويلفت الناقد مدحت صفوت إلى أن “الحديث عن الحركة النقدية الراهنة يستدعي بالتبعية الكلام عن دور الناقد، الذي يحصره كثيرون في كتابة المراجعات للإصدارات الأدبية، في حين أراه دورًا ثانويًا يمكن أن يؤديه النقاد أو غيرهم من متابعي الحركة الأدبية، واللافت أنه في الثقافات غير العربية يؤدي الصحافيون وخبراء الكتابة الأدبية دور الكتابة ونشر المراجعات”.

ويقول “تكثر الشكوى من عدم متابعة الإصدارات بالكتابة السيارة، وفي الدوريات والصحف العابرة، وهي شكوى مفتعلة وصراخها ليس في محله، فالمراجعات تبدو لي أنها تجري بشكل دوري ودائم في الصحف المتاحة”.

ويشير صفوت إلى أن الأزمة الفعلية هي أزمة مقروئية، فكما لا يقرأ الناس الأعمال الأدبية، لا تُقرأ أيضًا الكتابات النقدية والفكرية. العلّة تكمن في عدم القراءة والمتابعة الجادة. ودعني أشر إلى أن الكُتاب والنقاد على حد السواء لا يتابعون الإصدارات النقدية ولا يطيقون قراءتها، نعم، منذ 3 سنوات مثلًا أصدرت وزارة الثقافة ما يزيد عن 30 كتابًا نقديًا خلال العام، لم تلق أي اهتمامًا في المتابعة أو القراءة. نعم هناك أزمة في الكتابة النقدية، سطحية ومدرسية في أغلبها، لكن هذه الأزمة جزء من الأزمة التي نعيشها على مستويات عدة.

في تصور الناقد والقاص أسامة جاد أنه لا يمكن الحديث عن المشهد النقدي في الحركة الثقافية في مصر الآن دون مراجعات للمشهد الثقافي المصري من جهة، ولتراكمات الحركة النقدية المعاصرة في مصر.

ويقول جاد “لعل أهم المؤشرات التي يمكن العودة إليها في هذا الصدد موقع النقد في الخطط الثقافية المتنوعة التي تبنتها مصر، منفردة، أو بالاشتراك مع جهات ثقافية متنوعة مصرية وعربية وأفريقية وعالمية؛ فلعدة عقود لم يكن النقد ولا الحركة النقدية في مصر من العناصر الثقافية التي تلقى عناية واهتماما في الخطط الثقافية المرحلية بتفاصيلها المتنوعة”.

ناصر الحلواني: جوهر النقد بيان الجيد والرديء وإظهار السمات الجمالية والفنية العامة
ناصر الحلواني: جوهر النقد بيان الجيد والرديء وإظهار السمات الجمالية والفنية العامة

ويرى جاد أن نظرة فاحصة للدراسات النقدية “الآن” في مصر لربما تكشف عن الكثير من الاجتهاد التنظيري والتأصيلي للنظريات المتنوعة، ترجمة وبحثا. غير أن البحث عن تجليات تلك النظريات عند التطبيقات المتنوعة قد تخلو من الجدية العلمية، ومن الاستفادة الحقيقية من الجهاز النقدي الكامل، الذي ينبغي له، في رأيه، أن يستفيد من كافة نظريات النقد، في الأسلوب، وفي البنية، وفي السيمياء وعلم الدلالة، وفي الفلسفة، وفي التاريخ النصوصي، وفي فقه اللغة، وفي علم الجمال وغيرها.

النقد والفراغ

يرى الدكتور ياسر ثابت أن الثقافة المصرية تمر بلحظة إحباط واضحة؛ أو قل إنها لحظة الارتطام بحائط الواقع، وسبب تلك الأزمة هو أن الأمل كان معقودا على صحوة ثقافية ما أو نقطة بداية جديدة بعد ثورتين، تشمل النقد والفن والأدب والسينما والمسرح، مع زوال زمن مثقفي السراديب الخفية وصُنَّاع الكلام الكبير لخلق الوهم الكبير.

ويؤكد ثابت أنه “في غياب النقد الجيد والجاد يُستباح الإبداع، ويُسوِّق البعض الرداءة. هكذا طفا على سطح المشهد الثقافي عددٌ من الدخلاء، أولهم الأكاديميون الذين يتصورون أن معرفة مُدرس الشعر بقواعد العروض تكفي لنظم قصيدة، ثم المترجمون الذين عزَّ عليهم الاكتفاء بشرف الترجمة فأمطرونا بأعمال تبدو وكأنها تنتمي إلى عوالم المستشرقين، وكذلك العاملون في مجال الإعلام، الذين تفتح لهم شهرتهم في الصحف والفضائيات أبواب دور النشر وقلوب وجيوب المراهقين الباحثين عن نجم”.

ياسر ثابت: في غياب النقد الجيد والجاد يُستباح الإبداع، ويُسوِّق البعض الرداءة
ياسر ثابت: في غياب النقد الجيد والجاد يُستباح الإبداع، ويُسوِّق البعض الرداءة

ويوضح الروائي محمد صالح البحر أن المتأمل في المشهد النقدي الآن لن يبذل الكثير من الجهد ليشهد بأزمته الطاحنة، فالمشهد النقدي ليس بعيدا عن المشهد العام للسياق الثقافي المأزوم، إن لم يكن في القلب منه.

ويضيف “لن أكون مبالغا إن قلت إن أزمة الثقافة الحقيقية في مصر سببها انحراف النقد عن أداء مهمته الأساسية في إنارة الطريق، والتوجيه، ورسم السياسات التي من شأنها أن تخلق إطارا كليا لمفهوم الثقافة المصرية، يشير إلى هويتها، ويُحدد مجرى سياقاتها، ويُنبئ بآفاقها المستقبلية، لكننا فقدنا كل ذلك بسبب تقاعس الحركة النقدية، وتخليها عن دورها، وتهافت النقاد إلى مناصب السلطة، أو الوجود قريبا منها، ومن التكتلات الثقافية الخاصة الكبرى التي تمنح الجوائز، وتقيم المؤتمرات، وتنشر الكتب الفاخرة، وتهب صكوك التواجد، وتشارك المؤسسات الحكومية بدأب واتساق في إدارة الشأن الثقافي الآن”.

ويؤكد أن النقد تسبب في وجود الأزمة، ثم صار جزءا منها يستميت في البحث لنفسه عن حل، ينقذه من دوامة الركود والسطحية التي انهار إليها، الركود الذي صنعه اختفاء النقاد الكبار مع مرور الزمن وأصحاب القضايا الكبرى، والرؤى النافذة، دون أن يخلفوا وراءهم منْ يقدر على حمل الراية، حتى صارت معظم الجامعات -التي من شأنها أن تربي النقاد، وتدفع بهم إلى الحياة العامة كلها- مرتعا للوساطة، والتبعية، والمصالح المتبادلة، والتوريث العائلي أيضا، ثم جاءت السطحية لتطغى على المشهد النقدي كله، كنتيجة طبيعية للركود والتهافت، فقد نشأ الفراغ وكان لا بد من ملئه، هكذا ظهر ما يمكن أن نطلق عليه “النقد الصّحفي”.

محمد صالح البحر: النقد تسبب في وجود الأزمة، ثم صار جزءا منها يبحث لنفسه عن حل
محمد صالح البحر: النقد تسبب في وجود الأزمة، ثم صار جزءا منها يبحث لنفسه عن حل

ويلفت القاص السيد شليل إلى أن الجميع يعاني من قصور الحركة النقدية ومتابعة المشهد الإبداعي، ويقول “ليس خافيا على أحد أن هناك عدة أنواع من النقد وكنت قد قمت بتصنيفها وكتبت على صفحتي في موقع التواصل الاجتماعي أن هناك نقادا أكاديميين يتعاملون بقواعد وأسس قديمة، ويتناولون أعمالا قديمة ويجبرون طلابهم على التعامل معها بالدراسة سواء كان ذلك في الماجستير أو في الدكتوراه، ولا يلتفتون للأجيال الجديدة”.

إنهم، كما يؤكد شليل، نقاد للأسماء المعروفة اللامعة ونجد تناولهم للنصوص يخلو من المهنية ويعتمد على المجاملات.. ونقاد يجتهدون قدر استطاعتهم وبالطبع نشكرهم على قدر جهدهم، ومبدعون تحولوا إلى نقاد حتى يعوضوا المشهد المفعم بالإبداع.

والحقيقة المؤكدة أن تلك المشكلة لن تحل إلا إذا سنحت الفرصة أمام أصوات شابة مبدعة ودارسة للنقد وأصوله غفل عنها البعض عن عمد. وعن نفسي حاولت قدر جهدي تناول بعض تجارب زملائي القصصية والشعرية بالقراءات النقدية حتى نسد ذلك الفراغ الكبير.

15