لا أحد يهب لإنقاذ "عاصمة" الدولة الإسلامية

الخميس 2015/11/12
واشنطن تريد سقوط الرقة العاصمة المعلنة لتنظيم الدولة الإسلامية

ليس سرّا أن واشنطن تريد سقوط الرقة، “العاصمة” المعلنة لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، عاجلا لا آجلا. فقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه سينشر قوات للعمليات الخاصة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في سوريا. وألقت الولايات المتحدة مؤخرا نحو 50 طنا من الذخائر لجماعات معارضة في سوريا. وقد جمعت معظم هذه الذخائر وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.

وتواصل طائرات التحالف دك المدينة من الجو إلى جانب غارة روسية غير مقصودة بين الحين والآخر، بينما قال قائد إحدى جماعات المعارضة التي تدعمها واشنطن “سنعلن ساعة الصفر قريبا لبدء معركة التحرير من الظلم والاضطهاد”. ومع ذلك سيواجه التحالف، إذا لم يتوقع ماذا سيحدث يوم سقوط المدينة ويخطط له، مشكلتين كبيرتين: أن تكون المعركة طويلة ودموية وخطرة، ومن الممكن أن يتطلب الأمر قوة برية كبيرة لطرد مقاتلي الدولة الإسلامية المدجّجين بالسلاح والمتحصّنين ثم تحرير المدينة التي يسكنها 200 ألف شخص.

ولنفكر في الدمار الذي حدث في مدينة كوباني على الحدود السورية التركية، حيث استلزم الأمر قتالا من بيت إلى بيت لمنع تنظيم الدولة الإسلامية من الاستيلاء عليها. وفي تكريت والرمادي وغيرهما من المدن العراقية أبدى المقاتلون المتشددون استعدادهم لتفخيخ مساحات كبيرة من الأرض للقضاء على جهود القوّات التي تحاربهم. ولذلك فمن سيحرر الرقة؟

لا يزال الغموض يكتنف الإجابة لأنه لا يبدو أن ثمة كثيرين يهتمون بتنفيذ هذه المهمة الصعبة. فلا يبدو أن الأكراد يتوقون للاستيلاء على المدينة ذات الغالبية العربية. كما أن الولايات المتحدة لن ترسل قوات برية كبيرة لإنجاز المهمة. وتبدو تركيا عازفة عن إرسال قوات عبر الحدود لشن حرب لا سيما في ضوء عداء أنقرة لمعظم المتمردين الأكراد. كذلك فالجماعات المختلفة التي يتكون منها الجيش السوري الحر أضعف من أن تهاجم الدولة الإسلامية مباشرة.

بالإضافة إلى ذلك من المؤكد أن الائتلاف الذي يحارب الدولة الاسلامية لا يتلهف إلى دخول الرئيس السوري بشار الأسد وداعميه الايرانيين إلى المدينة مرة أخرى. لذلك ففي الواقع لا توجد قوة برية يجري تجميعها لتحقيق هذا الهدف.

لكن ماذا لو تم بالفعل طرد تنظيم الدولة الإسلامية من المدينة ربما على أيدي قوة مقاتلة تدعمها قوة جوية وجماعات صغيرة من قوات العمليات الخاصة الأميركية والـ”سي آي إيه” على الأرض؟ وفي هذه النقطة ربما أمكن لواشنطن أن تكرّر ما حقّقته من نجاح عام 2001 في طرد حركة طالبان من كابول.

دون قوة كبيرة لتحقيق الاستقرار ونظام حكم فعال يستعيد بعضا من أوجه الحياة العادية سيفشل التحالف في تحقيق أهدافه لاستعادة الرقة

قد يسوى ما يصل إلى نصف المدينة بالأرض في المعركة. ولهذا فحالما يتوقف إطلاق النار سيواجه جيش التحرير مشاكل كبيرة في ما يتعلق بالبنية التحتية واللاجئين. وهذا سيؤدي في كل الأحوال إلى السؤال الأكبر ألا وهو من سيحكم الرقة في اليوم التالي لاستعادتها؟

أتذكر أن شيوخ القبائل في المدينة رحبوا بالجيش السوري الحر وغيره من جماعات المعارضة قبل بضعة أعوام. لكن تنظيم الدولة الإسلامية طرد كل المقاتلين عندما ثبت عجزهم عن أو عدم رغبتهم في حكم المدينة. ومن غير المؤكد ما إذا كان أي من هذه الجماعات السياسية يمكنه تقديم القوة اللازمة لإبقاء تنظيم داعش تحت السيطرة وفي الوقت نفسه حماية القانون والنظام في المدينة.

أما بالنسبة إلى الجماعات الخارجية، والتي من بينها الأكراد والأتراك، فمن الممكن أن يتحول الأمر بسرعة من التحرير إلى الاحتلال. ويمكن لبضعة أحداث بغيضة أن تجعل الرقة تبدو مثل بغداد عام 2005، فالقلق القائم بالفعل مردّه الخوف من أن تسعى قوة كردية للثأر إلى الفظائع التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في كوباني وغيرها. ومن الممكن أن يلجأ داعش للعمل السري ويظهر في ما بعد لتفجير سيارات ملغومة والاستعانة بمهاجمين انتحاريين لنشر الفوضى.

وإذا لم يكن أصحاب القرار الأميركيون في البنتاغون والبيت الأبيض ومجتمع الاستخبارات يفكّرون في هذه المشاكل المحتملة بشكل ممنهج، فقد تكون النتيجة هي الفشل. وبدلا من التركيز على جوانب طلعات القصف المنتجة للأدرينالين أو إحصاء الخسائر البشرية لتنظيم الدولة الإسلامية يجب أن تفكر الإدارة في كيفية توفير الأمن والوظائف والصرف الصحي لمواطني الرقة، لأنه دون ذلك ستخلق واشنطن على الأرجح من جديد وضعا جاهزا للفوضى.

والأكثر إزعاجا أن مواطني الرقة قد يرون في قادة تنظيم الدولة الإسلامية نموذجا أفضل، مثلما حدث في مناطق أخرى من سوريا، وعندها سيشكل هذا الأمر صداعا لعقود مقبلة.

دون قوة كبيرة لتحقيق الاستقرار ونظام حكم فعال يستعيد بعضا من أوجه الحياة العادية سيفشل التحالف على الأرجح في تحقيق أهدافه من استعادة الرقة – أو أي مساحة رئيسية أخرى من الأرض التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية- لفترة طويلة.

وعلى الشركاء البدء بالتركيز على ما قد يحدث في اليوم التالي للتحرير قبل أن يأتي ذلك اليوم بفترة طويلة. ولن تحتل عملية إعادة بناء المجتمع المعقدة والطويلة العناوين. لكن إذا كانت واشنطن وحلفاؤها جادين في هزيمة الدولة الاسلامية، فعليهم التفكير في ما سيحدث في اليوم التالي لليوم الذي يستردون فيه المدينة.

محلل سابق متخصص في مكافحة الإرهاب بوكالة المخابرات المركزية الأميركية

7