لا أدب عربياً بهذا الاسم!

لماذا الإصرار على مصطلح أدب الاعتراف، وهو في معظم نماذجه، إنْ لم نقل في جميعها، التي اطلعنا عليها في الكتابات العربية، إما أن تكون في سياق المذكرات واليوميات.
الأحد 2019/02/17
الاعترافات لا تتوفر على مقوماتها (لوحة إيمان شقاق)

رغم العنوان الذي اخترته لمشاركتي هذه، فأنا أقرب في ما أرى بشأن مصطلح أدب الاعتراف، إلى الرأي القائل بعدم وجود مقومات موضوعية لأدب بهذا الاسم، إذ هناك نصان ينضويان في نوع أدبي هو السيرة الذاتية، وليس جنسا من أجناس الكتابة، هما اعترافات القديس أوغسطين واعترافات جان جاك روسو، ويمكن عد أوغسطين الرائد فيها بل مؤسسها، مع وجود فترة بين الإثنين، ذلك أن القديس أوغسطين تأسس نصه وولد من قلب العقيدة الكنسية في مسعى يخصه للبحث عن الله والتشبع بالقيم المسيحية، ومن ثم وفي إطار هذا المسعى، كان عليه أن يعلن اعترافه بأخطائه أو خطاياه، حتى لو لم يرتكبها بحسبان أن كل كائن مآله الموت، هو مخطئ، أو حامل خطيئة ينبغي أن يعترف بها، تليها التوبة وانتظار الصفح، ذلك أن طريق أوغسطين ديني إلهي، وكان في مرحلة دقيقة من تاريخ الإمبراطورية الرومانية.

أما روسو، فعلى الرغم من كون اعترافاته في تسميتها، ذات إيحاء كنسي أيضا، إلا أن توجهه المعرفي ومجال اعترافاته يختلفان، لأنها مرتبطة أساسا بثقافة تضع الإنسان في صميم الفكر وتجعل منه سيد الأرض ويتحكم كفرد في وضعه الإنساني مكرسا ذاتيته، وهكذا أنزل السلطة إلى الأرض ليضعها بيد الإنسان، فروسو هو من طرح مفهوم العقد الاجتماعي، وهذه بعض عناصر الأرضية الفكرية التي ينهض عليها موضوع الاعترافات، وكما نلاحظ فإنها تقع وتحيا في سياق ثقافة وأدب مختلفين عن ثقافتنا وأدبنا، لذلك يبدو لي أن طرحها خارج سياقاتها الفكرية والتاريخية وتشكل الأجناس الأدبية، يجعل منها حالة بعيدة بهذا القدر أو ذاك عما هو موضوعي.

وليس من تجاوز للواقع حين نقول إن أي مراجعة لما كتب عما اصطلح على وصفه بأدب الاعتراف، تضعنا أمام جملة من الملاحظات، في مقدمتها إن ما كتب عنه ليس قليلا، وفيه الكثير من الخلط والتكرار والخطأ، ولا يقتصر ما ذكرنا على الأفكار فحسب، بل يتجاوزها إلى الأمثلة والاستشهادات، وأكاد أجزم أن ما سنتوقف عنده من ملاحظات، مكررة هي الأخرى وسبق أن تم تناولها هنا أو هناك.

وهنا أتساءل، لماذا الإصرار على مصطلح أدب الاعتراف، وهو في معظم نماذجه، إنْ لم نقل في جميعها، التي اطلعنا عليها في الكتابات العربية، إما أن تكون في سياق المذكرات واليوميات، وفي معظمها وجدنا الذاكرة التي أنتجتها، وإما خرجت- المذكرات واليوميات- من مشغلها، كانت غير حيادية، إذ تتبنى الكثير مما هو إيجابي وتسقط الكثير أيضا، مما هو سلبي، هذا في حال عمل الذاكرة، فإذا أضفنا إليه المواقف الذاتية للكاتب، أي تعمد الإضافة أو الحذف والتناسي، لهذا السبب أو ذاك، صارت بعيدة عن الاعترافات بمقوماتها الموضوعية، وهذا التوجه يظهر بوضوح في مراحل المتغيرات السياسية التي وصفتها يوما وأنا أتابع ما يدعيه أشخاص أعرفهم عن قضايا أعرفها، أنها اختلاق سير ذاتية.

أو تأتي متضمنة في النصوص السردية، وما يأتي متضمنا في نص سردي، لا يحقق شروطه الموضوعية والفنية في كونه اعترافات تتطلب أولا، وقبل كل شيء، الصدق، وإلا ما قيمة اعترافات، بل كيف نعدها اعترافات، إن كانت متخيلة أو تلاعب بها الخيال وأبعدها عما ينبغي أن تكون عليه، من انتساب إلى الحقيقة.

ولو بحثنا في النصوص السردية التي نعرف بعض أو كل ما جاء فيها، ونعرف من كتبها، كما نعرف سير أشخاصها، عما أطلق عليه بورخيس نقطة التوافق، أي محاولة اكتشاف المكان والأشخاص في النص الروائي ومدى تطابق النص الروائي بأحداثه وأشخاصه مع الواقع، مكانا وأحداثا وشخصيات، لوجدنا بونا بينهما، قد يكون شاسعا وقد يكون محدودا، لكن في الحالتين لا تتوفر الاعترافات على مقوماتها.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13