لا أريد العيش داخل إنترنت الأشياء

تجربة جانيت وينترسون لا تكتفي بمنحنا تصورا عن حياتنا الرقمية المقبلة، إنها تحلل تلك العلاقة مع الوسائط التي تدير حياتنا وتقيس مشاعرنا وتجعلنا نمارس أو نفتعل الحب التكنولوجي مع كائنات رقمية تشاركنا الحياة.
الخميس 2021/11/11
لماذا نسعى لنكون سعداء؟

مثلها يعبّر بامتياز عن التمرد والخروج عن الطوق، فجانيت وينترسون منذ أن تركت أمها بالتبني، وهي لا تريد العيش حياة تُرسم لها من قبل الآخر، لذلك كتبت روايتها الأولى “البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة”، وعندما أعادت اختراع نفسها كتبت سيرتها لاحقا بطريقة “لماذا نسعى لنكون سعداء في حين يكفي أن نكون طبيعيين؟”.

فهذه الروائية البريطانية تستطيع تغيير القصة، لكنها في حقيقة الأمر هي القصة! وهذا ما تفعله اليوم مع إنترنت الأشياء عندما ترفض أن تكون في داخله.

تجربة وينترسون لا تكتفي بمنحنا تصورا عن حياتنا الرقمية المقبلة، إنها تحلل تلك العلاقة مع الوسائط التي تدير حياتنا وتقيس مشاعرنا وتجعلنا نمارس أو نفتعل الحب التكنولوجي مع كائنات رقمية تشاركنا الحياة!

الروائية البريطانية في كتابها الجديد لا تكتفي برفض العيش داخل إنترنت الأشياء، بل تعرض علينا تجربتها ككاتبة وامرأة في النهاية، لنتأملها في تلك المقالات التي لا تفقد متعة قراءتها مرة بعد أخرى
الروائية البريطانية في كتابها الجديد لا تكتفي برفض العيش داخل إنترنت الأشياء، بل تعرض علينا تجربتها ككاتبة وامرأة في النهاية

في كتابها الجديد ”12 بايت: كيف وصلنا إلى هنا. وإلى أين قد نذهب بعد ذلك” لا تكتفي برفض العيش داخل إنترنت الأشياء، بل تعرض علينا تجربتها ككاتبة وامرأة في النهاية، لنتأملها في تلك المقالات التي لا تفقد متعة قراءتها مرة بعد أخرى.

منذ أن درسنا روايتها الأولى “البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة” في السنة الجامعية الأولى لطلاب قسم الصحافة والإعلام في مادة تحليل النص، لم أترك متابعة كل ما يحصل مع هذه الروائية، وقدمت جانبا من تجربتها في كتابين صادرين لي من قبل. أنا مثل غيري أدرك أنها تدير موقعها الإلكتروني، وكانت كاتبة إلكترونية في وقت مبكر عندما احتفظت بقلمها على الطاولة جوار كمبيوترها. لكنها في كتابها الجديد “12 بايت” ترفض تغيير التكنولوجيا الذكية للعلاقات البشرية.

تعود وينترسون إلى أجهزة الكمبيوتر الأولى وتعيد التخيل بطريقة كيف سيشكل الذكاء الاصطناعي حياتنا بما فيها الجنسية في المستقبل. لأن الفكرة القائمة اليوم على الذكاء الاصطناعي تختصر المخاوف في ثنائية الخير والشر وأسبقية الاستثمار بأحدهما.

يمكن أن نتفهم الاستثمار في الروبوتات الصغيرة التي يوجد منها اليوم في منازلنا، لأنها لحد الآن رائعة ومساعدة وصبورة وتُعلِمنا بكل ما نحتاجه. بالنسبة إلى وينترسون هذه الروبوتات أنفع بكثير من الجلوس أمام التلفزيون خصوصا مع كبار السن والأطفال. يمكنك أن تقول نفس الشيء للروبوت 500 مرة ولن ينفد صبره معك. لكنها على مستوى آخر لا تخفي قلقها من تحويل الروبوتات إلى نساء، وإعادة بناء النظام القديم للجنس والمال والسلطة. عندها كيف ستبدو حياتنا مع كائنات الإنسان الآلي الذي يشاركنا المنزل والشارع؟

كذلك تتساءل جانيت وينترسون بلغة أدبية وحس صحافي في مقالات هذا الكتاب، وتجيب على سؤال عن المصير الذي نؤول إليه عندما تكون الأجهزة الذكية وسيطا في العلاقات الإنسانية بسؤال مقابل عمّن قام ببرمجة هذه الأجهزة؟

بمجرد إدخال مجموعة البيانات، تبدو الآلة وكأنها محايدة أو غير متحيزة أو موضوعية. لكننا نعلم أن هذا ليس صحيحا. فعندما ننظر إلى البيانات التي تم تضخيمها بواسطة انحياز الذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نرى تحيزاتنا الإنسانية الخاصة. وهي مرآة عاكسة غير مريحة إلى حد ما.

وتطالبنا وينترسون بأن نكون واقعيين، وألّا ننغمس في التفكير السحري. فإنترنت الأشياء والعالم الافتراضي الذي يعيد تشكيله مشروع ميتا في فيسبوك، ليس بقوة الجاذبية التي لا يمكننا الهروب منها. فهو بمثابة اقتراح يعرض علينا. في المقابل تظهر لنا القوة المطلقة التي يمتلكها البشر وتغيير القصة لأن الإنسان هو من يشكل القصة.

تعرض علينا هذه الكاتبة تجربتها كمثال على علاقتنا مع العالم الرقمي الذي يسيّر حياتنا، فهي ولحسن حظها ولدت في زمن القلم والكتاب الورقي، لذلك تشعر بالراحة في طريقة قراءة الكتاب الرقمي، لا تريده في كل مكان وليس مثل الذين ولدوا وتعلموا في عصر الأجهزة الذكية.

وينترسون تتساءل بلغة أدبية وحس صحافي في مقالات هذا الكتاب، وتجيب على سؤال عن المصير الذي نؤول إليه عندما تكون الأجهزة الذكية وسيطا في العلاقات الإنسانية

ترفض مثلا التحدث مع “سيري” في هاتفها الذكي لأنها موقنة بأن هناك من يستمع إليها ويراقبها من أجل أن تتجنب التطفل لاحقا عليها.

تعرف أنها عندما تبقي نفسها خارج شبكة الإنترنت في أوقات تختارها، ستواجه بسؤال من الجيل الجديد “هل أنت مجنونة؟”. لكن لديها ما تجيب عليه مع أنها مؤلفة كتاب يحمل دلالة عنوان “12 بايت”!

تقول وينترسون “كتبت هذا الكتاب وأنا أجلس جوار موقدي الذي يعمل بالخشب الذي قطعته بيدي. وعندما كنت أجوع أقتطف من خضروات حديقتي التي زرعتها بنفسي أيضا” في إشارة إلى أنها تستطيع تدبر حياتها جيدا من دون أن تستعين بخدمات هاتفها الذكي. مع أنها تعلم أن هذه الحياة ليست عملية وغير مستدامة لمعظم الناس اليوم.

وترى أن فكرة المدن الذكية هي مستقبل حياتنا لكن ليس على طريقة حياة تشبه عش النمل. لذلك تظهر لنا مشاعر التمزق في داخلها بين حياة تقع فيها تحت سطوة إنترنت الأشياء وبين أخرى تعيش فيها بوصفها كاتبة ملهمة. وهذا ما أرادت أن يكون عليه متن كتابها “12 بايت” حزمة من أسئلة تناقشها مع القراء بطريقة من نريد أن نكون؟ كيف نريد أن نعيش؟ وما هي الخيارات التي نود أن نتخذها لأطفالنا، ولأنفسنا؟

كان الروائي الألماني الراحل غونتر غراس قد وصف حياة الصداقة الافتراضية بأنها فكرة بغيضة ولا تعبر عن حقيقة الإنسان، وأنه رقد مرتاحا في حياته الأبدية من دون أن يدخل إلى إنترنت الأشياء، لكنه من الصعب علينا تخيل اليوم بماذا سيصف مؤلف “طبل الصفيح” الجهد الذي يبذله فريق بحثي من جامعة جورجيا مع الجيش الأميركي لإيجاد طريقة تساعد البشر على الثقة بالروبوتات عندما يتعلق الأمر بالحياة، أو قرارات الموت في ساحة المعركة؟

جانيت وينترسون لديها إجابات مقترحة في كتابها “12 بايت: كيف وصلنا إلى هنا. وإلى أين قد نذهب بعد ذلك” من دون أن تتخلى عن شغفها بالحياة التي عاشها غونتر غراس من أجل الكتابة الملهمة وحدها.

16