لا أستطيع الرجوع إليّ

السبت 2014/07/26

فقط في قاموسنا العربي، يتعلل الناس بالحجج لتبرير فشلهم أو أخطائهم المتكررة، ولعل أنسب حجة لتقييد حادثة فشل جديدة – ضد مجهول- هي سوء الحظ، فلو لا سوء الحظ لحصدت منتخباتنا الواعدة بطولة كأس العالم في كرة القدم، ولو لا سوء الحظ لجمع مبدعونا أكبر كمية ممكنة من جوائز نوبل النووية، ولو لا سوء الحظ لبلغت نسبة البطالة بين صفوف الشباب العربي أقل من 1 بالمئة، ولو لا سوء الحظ لتحولت السجون المحلية إلى فنادق خمس نجوم بدل أن تكون مسالخ بشرية، ولولا سوء الحظ لاحتفظ الناس ببقايا حضارات ورثوها قبل آلاف السنين و (بعثروها) في حوادث معاصرة يندى لها الجبين. وسوء الحظ هو بعينه، المتهم الأول في تحويل دفة المناخ العربي الربيعي إلى أعاصير رعدية ورياح مزلزلة وبراكين غضب، طوحت بالقشة الأخيرة وقصمت ظهر البعير الذي طال تحمله ونفد صبره.

ترى، من يكون سوء الحظ هذا؟ هل هو سلعة استهلاكية تباع وتشترى في الأسواق فتخضع لمزاج العرض والطلب، أم هو عباءة مصنوعة من أثير لا يلتحفها إلا الراسخون في الوهم؟

سوء الحظ إنما هو خطواتنا العشوائية التي نقطعها كيفما اتفق في طرق قدر لها أن تكون مستقيمة، وهي قراراتنا الفاشلة وخيارتنا القاصرة التي تحكم علينا بالمكوث في ظلام دامس، بينما يسطع النور خارج حدود كهوفنا. وبعد ذلك، وحين نصّر على أن تكون عجلات العربة مربعة، لا يمكننا أن نلوم الأواني الزجاجية إذا ما انكسرت، كما لا يمكننا أن نأمن غدر الجوع ولفحة الفاقة حين نتكاسل عن الذهاب إلى عمل لا يليق بمقام كبريائنا ولا بمكانتنا الاجتماعية، ولا أن نمنع الموت والدمار من الوصول إلى نوافذنا، بعد أن نكون شرّعنا أبواب الوطن للغرباء.

أقدارنا ملك لنا وهي رهن لأفعالنا وخياراتنا، فإذا ما أفلتت منا فهي وقف مباح لمصادفات الأحداث ومفاجآت الطريق، الطريق الذي ينحت أقدامنا بصخوره حتى يدميها لتصبح على مقاسه. وما دمنا قد اخترنا ألا نختار، فلا بأس من الركون إلى الصمت والاستسلام لمصائرنا ولندع أصوات الآخرين ونعيقهم يخرجان من أفواهنا، ومادام سوء الحظ هو خاتمتنا – لامحالة- فلنجلس مع القطيع وننتظر قدوم المساء، حيث الجميع سيمضي طوعاً إلى أقرب الحظيرة.

ولا بأس إن أصبحنا جرحا مباحا وعبرة تلوكها الألسن في القادم من الأجيال، تماماً مثل ملامح عاشق غاضب رسمته برفق أنامل محمود درويش، حين أخفق وترك للحظوظ أن تكتب نهاية قصة حبه ليدعها تجف وتتيبس على حبال الندم، فكان يقول: “أنا العاشق السيئ الحظ لا أستطيع الذهاب إليك. ولا أستطيع الرجوع إليّ”.

21