لا أستطيع خداع نفسي

الأحد 2015/02/22

من البدهي أن الكاتب يعمل ليقرأ له الآخر عساه يعي ما يشغله ويراه (وليس فقط ليزدادوا حبا بغابرييل غارثيا ماركيز)، وما من مجال إبداعي إلاّ وكانت دوافعه الوصول إلى الناس، على الرغم من إدراك المبدع أن عمله لن يحدث ثورة ولن يسقط طاغية ولن يحسّن من الظروف المعاشية للناس. جلّ ما يبتغيه أو يحسنه الإبداع هو تهذيب لنفوس من قد يثورون ضدّ طاغية لتحسين معيشة الناس.

ولهذه الغاية انبرى عدد من العاملين في الحقل الثقافي على إشاعة تلك الجهود الإبداعية خارج إطار النشر وغاياته الربحية، ففي العقود الأخيرة شهدنا تجارب شتّى بعضها عاش قرابة العشرين سنة مثل مجلّة “الاغتراب الأدبي” التي أصدرها في لندن الشاعر العراقي صلاح نيازي بجهده الفردي، وبيننا اليوم شاعر آخر مصاب بالهوس ذاته، فقد أصدر مجلة “الكاتبة” الفريدة في تاريخ الإصدارات العربية، ويشرف على جهود “أدب الرحلة” التي أصدرت ما تجاوز المئة كتاب، ولم يمنعه انشغاله هذا من الإشراف على إصدار مجلة “دمشق” المتميّزة والتي توقّف إصدارها مؤخرا مع الأسف، وها هو، الشاعر نوري الجرّاح، يشارك في تحقيق مجلة “الجديد” التي نحن بصدد الاحتفاء بها. فشكرا لكلّ من ساهم في هذا الإنجاز الجديد.

لا أستطيع خداع نفسي وإقناعها بجدوى جهود المثقّف العربي في الظروف الراهنة، والماضية أيضا، أدرك أن ما تستطيع الثقافة بلوغه جدّ ضئيل في مجتمعات تغلب عليها الجهالة وتضرب أرقاما قياسية بين الدول الأقلّ قراءة على ظهر الكوكب. وللحق، ليس عارنا هذا بسبب عجز في قدرات الناس عندنا، ولا أرى سببا مباشرا وحاسما سوى في سياسة تلك القوى التي تتحكّم بما يسمّى العالم العربي. سياسة التجهيل الممنهج نراه بجلاء في بلد كسوريا، وهو أمر عايشته عن قرب. وليست القضية إهمالا أو جهلا بأهمية التعليم، بل هو ثمرة فهم من أن توعية الشعوب تمثّل خطرا على المتسلّط.

المثقّف في الوطن العربي يعدّ نفسه، بجهده الخاص، وليس بفضل سوية التعليم أو توفّر الشروط التي تجعله كذلك. ونحن، ككلّ شعوب العالم لا نخلو من مبدعين متميّزين، ولكن، هل تصل جهودهم للجمهور الواسع؟ لا بالطبع، وليس بسبب قلّة القرّاء أو الجهالة فقط بل ولافتقاد الجهد الإبداعي إلى المنابر. نعرف جميعا أن غالبية الدوريات المطبوعة تتبع جهات سياسية ما وبالتالي مصالح تتقاطع مع الرأي الحرّ. وكذلك شأن القنوات المرئية -وهي الأكثر وصولا لعامة الناس- لن تجدوا قناة فضائية أو محلّية تقدّم ثقافة حرّة. الأمر يحدث أيضا في هذا الغرب الذي يعيش قسم منّا فيه. ما من إطلاق في شيء، فما من حرية أو عدالة أو ديمقراطية مطلقة في أي مكان. لكن مرتبة بلادنا هي بين الأسوإ عالميا.

من هنا أهمية مجلّة “الجديد” هذه التي آمل أن يحسن توزيعها ونشرها إلكترونيا لتصل إلى أكبر عدد من القرّاء. تاريخ الكلمة المطبوعة لا ينسى أفضال من كان وراءها من كاتب وناشر. وبانتظار راع واع يقدّم لنا فضائية ثقافية أكرّر شكري البالغ للمساهمين في جديدنا هذا.


نحات وكاتب من سوريا مقيم في غرناطة

11