لا أفلام ولا جمهور في دور السينما بالسودان

الثلاثاء 2015/01/06
أجهزة ومعدات العرض استسلمت للنسيان وأتى عليها الغبار

الخرطوم - قبل ثلاثين عاما، كانت الخرطوم تضم نحو خمس عشرة دارا للسينما تكتظ بروادها، أما اليوم فلم يبق منها إلا ثلاث تكافح للبقاء في ظروف صعبة، وفي ظل أزمة اقتصادية وسياسة رسمية غير مشجعة لنظام ذي توجهات إسلامية محافظة.

تعيش دور السينما في عاصمة السودان الخرطوم البالغ عدد سكانها 4.6 مليون نسمة، حالة تدهور منذ وصول الرئيس عمر البشير إلى الحكم في العام 1989 إثر انقلاب عسكري مدعوم من الإسلاميين.

ويقول علي النور، الرجل الخمسيني العامل في حجرة البث بإحدى الصالات الثلاث المتبقية في الخرطوم: “في الماضي، كان الناس يتصلون ليحجزوا أماكنهم مسبقا، وكنا نعرض أفلاما بالإنكليزية في أيام الأحد، وأفلاما بالعربية في أيام الثلاثاء”.

ويستذكر علي الأيام الذهبية لدور السينما في بلده، حين كان الناس يتقاطرون إليها لمشاهدة الأفلام الهزلية المصرية، أو لمتابعة آخر أفلام التشويق الهوليوودية. ويقول بنبرة متحسرة: “صالة قصر الشباب والأطفال كانت تقدم أربعة عروض يوميا، أما اليوم، فهي لا تقدم أكثر من عرض واحد أو اثنين، ولم يعد الجمهور يزيد عن ثلاثين إلى أربعين شخصا في الحد الأقصى”.

لوحات إعلانية قديمة تشهد على زمن الإقبال على أفلام الحركة الهندية

وفيما كان علي يتحدث عن “الحالة المتردية للسينما” في السودان، كان عدد الأشخاص الوافدين إلى دار العرض قليلا جدا، معظمهم من الشباب الباحثين مع صديقاتهم عن مكان بعيد عن عيون الناس. وما زالت لوحات إعلانية باهتة الألوان ترتفع خارج المبنى تشهد على زمن الإقبال على أفلام الحركة الهندية قبل سنوات طويلة.

ويشرح سليمان إبراهيم، عضو مجموعة “الفيلم السوداني” التي أنشئت في عام 1989 قبيل الانقلاب لتطوير السينما في السودان، أن السلطات “لم تقل بوضوح أن السينما محظورة قانونا أو محرّمة دينيا، لكنها اتخذت إجراءات”، أضعفت هذا القطاع.

ومن بين هذه الإجراءات إقفال المعهد الوطني للسينما، وهي مؤسسة حكومية كانت تعنى بتنمية الفن السابع. وقد أتت القبضة الأمنية للسلطات أيضا على ما تبقى من أمل لحياة دور العرض. ففي مسعى لمنع خروج تظاهرات معارضة، عمدت السلطات إلى فرض حظر ليلي للتجوال في العاصمة بن العامين 1989 و1995، ما أدى إلى أضرار فادحة أصابت دور العرض في الهواء الطلق.

ويقول سليمان إبراهيم: “بما أن كل العروض كانت تجري في المساء، فقد توقفت هذه الدور عن العمل”.

ومن بين هذه الدور سينما “حلفايا”، التي تمكنت من الصمود حتى العام 2005 ثم استسلمت لقدرها، واليوم، بات موقعها ساحة يلهو بها أطفال حارسها الذي يقيم بين لوحات متهالكة لأفلام هندية، وجهاز العرض الذي أتى عليه الغبار.

وزاد من حدة أزمة السينما في السودان، تردي الأوضاع الاقتصادية، لاسيما بعد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان في العام 1997 متهمة نظامها بارتكاب انتهاكات في مجال حقوق الإنسان، وبإقامة علاقات مع منظمات تعتبرها واشنطن إرهابية.

سينما "حلفايا" بات موقعها ساحة يلهو بها الأطفال

ولما كان متوسط إجمالي الناتج المحلي للفرد لا يزيد عن أربعة دولارات يوميا، بحسب البنك الدولي، فقد أصبح شراء تذكرة للسينما بقيمة ستة جنيهات سودانية (دولار أميركي واحد)، أمرا صعب المنال لدى فئات واسعة من المواطنين.

ورغم الحظر، تعمل دور السينما المتبقية على الحصول على أفلام أجنبية لعرضها، لكنها غالبا ما تعدل عن ذلك وتكتفي بالأفلام الهندية. ونتيجة لذلك، بات أكثر من 60 بالمئة من السودانيين دون الرابعة والعشرين، لا يتمتعون بأي علاقة مع فن السينما، ولا يعرفون شيئا عن العصر الذهبي للفن السابع في بلادهم.

ويدير طلال العفيفي مركز السودان لصناعة الأفلام المعني بتزويد الشباب الراغبين في خوض غمار السينما بالمعدات اللازمة، وهو يأمل في أن تسفر جهود مركزه عن إعادة إحياء الاهتمام بهذا الفن في بلده.

وقد أطلق العفيفي المهرجان المستقل للأفلام في السودان تشجيعا منه للمخرجين والمنتجين الشباب، ورغبة في إحياء ذكريات عهد الطفولة عن دور العرض في الهواء الطلق، التي كانت تبث “الأصوات والأغاني والأضواء في كل نواحي الحي”.

20