لا ألمانيا قوية بدون أوروبا قوية

الثلاثاء 2017/10/10
الثقة الألمانية والتدبير

تؤسس أنجيلا ميركل فلسفتها السياسية على التجربة التاريخية لألمانيا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ترجلت ميركل الباحثة في الفيزياء إلى السياسة في اللحظة التي سقط فيها جدار برلين عام 1989، وهي في ذلك نتاج انبلاج ألمانيا التي أضحت علامة من علامات زوال نظام عالمي هيمن على العالم إبان الحرب الباردة.

تعتبر زعيمة حزب الاتحاد المسيحي أن انتماءها إلى حزب يميني محافظ لا يجعلها غير متيمة بما يمكن اعتباره من قيم اليسار. وهي في مشوارها السياسي لطالما أدركت عمق الوحدة الألمانية التي تحققت في عهد المستشار الراحل هلموت كول، بما هي من زواج قسري جرى بين ألمانيا التي أنهكها النظام الشيوعي شرقا وأتعبها وضعها “القاصر” غربا.

لا يعرف الألمان متى يتوقف بريق مستشارتهم. ميركل قادرة على صنع العجائب في زمن لا يمكن استشرافه بسهولة. انتشلت حزبها من هزيمته عام 1998، على النحو الذي جعل الحزب ميركلي الهوى يعيش في ظلال “ملكته” ويخشى نهاية بركتها كما تنتهي بركة الملوك في التاريخ.

في التحالفات الداخلية التي حملتها مستشارة لبلادها، تحلّت مركيل بحكمة “أم البلاد” ولم تنجرف في أتون المواجهات السياسية مع الخصوم. وهي وإن شكلت حكومتها الحالية المنتهية ولايتها مع الخصوم الاشتراكيين، ذلك أنها، وفي ظل اندثار الوجوه التاريخية لليسار الألماني، استطاعت فرض حضورها الذي سيسجله تاريخ البلاد، من خلال كاريزما استثنائية تتقاطع داخله سمات القوة والحزم كما خصال المرونة والقدرة على استيعاب الجميع.

ميركل تسعى للإبحار داخل عالم أصبح أكثر تعقيدا منذ أن بزغت ظاهرة فلاديمير بوتين في روسيا ومنذ الارتباك الذي تبديه الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب

في القرار المفاجئ لأنجيلا ميركل بفتح حدودها أمام اللاجئين ما يشي بالمفاصل التي تميّز رجال/ نساء التاريخ. لم يستطع الاشتراكيون مواجهة ما يمثل القيم التي يدافعون عنها، فيما بدا أن المجتمع الألماني الذي ما زالت تشوه تاريخه ذاكرة العهد النازي، قادر على مجاراة قرار المستشارة واستيعاب الموجات الغريبة التي تخترق البيئة الألمانية الساكنة، على النحو الذي رفع ألمانيا إلى مصاف رفيع ينتج قيما جديدة أثارت صدمة في واشنطن كما في باريس ولندن وعواصم أخرى.

تعتبر ميركل أن لا ألمانيا قوية دون أوروبا قوية. تدرك المرأة أن خصوم أوروبا يؤاخذون على الاتحاد الأوروبي أنه بات يمثل الهيمنة الألمانية بما تختزنه من تفوّق اقتصادي لافت. وتدرك أيضا أن ألمانيا التي تعيش بحبوحة هذه الأيام هي نتاج منطقي لمشروع أوروبا، وأن استمرار تميّز ألمانيا واحتلالها لصدارة المشهد في القارة يحتاج إلى تصليب تلك الشراكة القديمة بين باريس وبرلين والتي أخرجت اتحاد الأوروبيين من دمار الحرب التي فتكت بالعالم في أربعينات القرن الماضي.

وقد لا يفوت على المراقب أن الاتحاد الأوروبي في مواجهته الحالية لأزمات الوجود التي اندلعت منذ البريكست البريطاني يتطلع دائما إلى الخيارات التي تعتمدها أنجيلا ميركيل. ولا ريب أن الحزم والحكمة اللذين تبديهما المفوضية الأوروبية في بروكسل إزاء الحالة البريطانية، ينهلان من ذلك الحزم وتلك الحكمة التي تشيعها ميركل داخل الاتحاد. وفي ما ينتظر أوروبا في ما يتعلق بمستقبل وطبيعة العلاقة مع لندن ما يمكن أن يخرج من مواجهة تجري بين سيدتين؛ واحدة في برلين وواحدة في لندن.

تقترب أنجيلا ميركل كثيرا من إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا الذي اقتحم خلال أشهر السياسة في بلاده مطيحا بعتاتها. تعوّل أنجيلا على باريس لتصليب تلك النواة الألمانية الفرنسية التي أنتجت “أوروبا” منذ أن كانت “اتحادا للفحم والصلب” عام 1951. لكن سيدة ألمانيا الأولى تدرك أن الدول الـ27 للاتحاد الأوروبي (بعد خروج بريطانيا) لن تستسيغ هيمنة للثنائي الفرنسي الألماني على اتحادها، وبالتالي فإنها باقترابها “الحميم” من ماكرون تمني النفس لاحقا بشراكة متعددة الأطراف تزيل اللبس المتعلق بسطوة برلين على مقاليد الشأن الأوروبي وهيكلياته.

تسعى ميركل بمهارة للإبحار داخل عالم أصبح أكثر تعقيدا منذ أن بزغت ظاهرة فلاديمير بوتين في روسيا ومنذ الارتباك الذي تبديه الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب. لا تغيب عين سيدة أوروبا عن الصين التي تتعملق مهددة اقتصاد القارة.

لكن، وللمفارقة، فإن ميركل التي أعادتها الانتخابات الأخيرة زعيمة لألمانيا لولاية رابعة، هي الأطول في تاريخ الزعماء الغربيين، تبتسم لهذا العالم الملتبس مدركة لأهمية ولزومية دورها في التعبير عن نقطة توازن دولية باتت مفقودة في طموحات بوتين ونزوات ترامب، وضعف عواصم أوروبا وحذر بكين وتحفظها.

12