لا أمل في إعادة إنعاش الليبرالية العالمية المحتضرة

يقول يوشكا فيشر السياسي الألماني وزعيم حزب الخضر في ألمانيا أنه بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، أصبحت نهاية ما كان يسمى حتى الآن الغرب مؤكدة، حيث مثل انتصار ترامب في الاستحقاق الانتخابي للبيت الأبيض انتفاضة للشعوبية مقابل تراجع القيم الليبرالية حيث ينطلق الشعوبيون فكريا من الصدام بين الحضارات أو الديانات أو الأعراق ليصبح العالم في نظام جديد يقوده محافظون بخطوات أكثر تشددا.
الاثنين 2017/01/23
أجندات غير واضحة

واشنطن - يطرح الاحتفال السنوي بمولد مارتن لوثر كينغ الزعيم الأميركي والناشط سياسي الإنساني الذي طالب بإنهاء التمييز العنصري ضد السّود في عام 1964 إشكاليات العنصرية في ظل نظام عالمي تتغير ملامحه من الليبيرالية والانفتاح إلى التشدد والإنغلاق.

وأدت المتغيرات الدولية الأخيرة إلى طرح هذه التساؤلات خاصة وأن التيارات المحافظة تمكنت من تحقيق مكتسبات انتخابية وفق ما تتبناه من رؤى وأفكار متشددة تنذر بتغيير النظام العالمي نحو تعزيز القومية والتراجع عن القيم الحرة لليبرالية وهو ما جسده تنصيب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة.

ويبدو أن هناك طريقة نافذة لفهم أحداث العام الماضي من خلال اعتماد نظرية علم النفس الاجتماعي المعروفة باسم “النظرة إلى الآخر” والتي تفسر ما يعكسه تحديد الهوية والانتماء بشكل كبير التمييز عن الهويات الأخرى والتمييز في حد ذاته يكمن في عدة عوامل اجتماعية أو قبلية مثل التمييز بين قبيلتي الهوتو والتوتسي.

وتحديد مفهوم مصطلح “النظرة إلى الآخر” يتم بناءا على العوامل التي نراها قد تربط المجموعة معا، من خلال خلق بعض القواعد الفكرية لتحديد من هو جزء من المجموعة ومن هو خارجها.

وعندما يتعلق الأمر بالهوية الوطنية، ينطوي مفهوم الغيرية على مخاطر كبيرة. إذ يبدو أن صناع القرار قللوا إلى حد كبير من الحاجة إلى الخضوع لمفهوم الغيرية ومن عواقبه لتوجيه شعوبهم نحو الانغلاق وتعزيز النبرة القومية والتحفيز إلى الاكتفاء بالمصالح الداخلية وهو ما يدعو له رئيس الولايات المتحدة الجديد.

واعتبر الفيلسوف والأستاذ الجامعي الأميركي فرانسيس فوكوياما أن فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة الأميركية، “ستؤذن بانتهاء العهد الذي كانت فيه الولايات المتحدة تشكل رمزا للديمقراطية نفسها في أعين الشعوب التي ترزح تحت حكم الأنظمة السلطوية في مختلف أرجاء العالم”.

وحذر فوكوياما في مقال نشرته صحيفة ذي فاينانشال تايمز، من مواقف الرئيس الأميركي الجديد من منظومة الأمن الدولي، موضحا أنه قومي حين يتعلق الأمر بالسياسة الاقتصادية وكذلك في ما يتعلق بالنظام السياسي العالمي، مشيرا إلى أنه صرح بوضوح أنه سيسعى لإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية الحالية مثل “النافتا” وربما أيضاً منظمة التجارة العالمية.

وأوضح أن ترامب إذا لم يحصل على ما يريد، فهو على استعداد للنظر في الخروج من هذه الاتفاقيات والتحلل من التزاماتها، مشيرا إلى إعجابه بالزعماء الأقوياء، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذين يحصلون على النتائج التي يريدونها بفضل الفعل الحاسم.

وبين الفيلسوف الأميركي أن ترامب أقل شغفا بحلفاء أميركا التقليديين مثل زعماء دول الناتو أو اليابان وكوريا الجنوبية، الذين يتهمهم بالركوب على ظهر الولايات المتحدة الأميركية والتطفل على نفوذها وقوتها، وهذا يمكن أن يفهم منه أن دعمه لهؤلاء سيكون مشروطا بإعادة التفاوض على الترتيبات القائمة حاليا والخاصة بالتحمل المشترك للأعباء والتكاليف.

وقال فوكوياما في إطار تحذيره من مواقف ترامب “كان نظام التجارة والاستثمار المفتوح يعتمد في بقائه واستمراره  تقليديا  على قوة الولايات المتحدة وعلى نفوذها المهيمن، ولكن إذا ما بدأت الولايات المتحدة بالتصرف بشكل أحادي لتغيير شروط الاتفاقيات المبرمة بينها وبين الدول الأخرى فلن يتورع الكثير من اللاعبين الأقوياء حول العالم عن الانتقام مما سيشعل شرارة انهيار اقتصادي شبيه بذلك الذي وقع في ثلاثينيات القرن العشرين” .

وحذر من موقف ترامب تجاه روسيا، مبينا أنه لم يصدر منه أي موقف ينتقد فيه بوتين، هذا بالإضافة إلى ما ذكره من أن استيلاء بوتين على شبه جزيرة القرم ربما كان مبرراً، وأخذاً بالاعتبار جهله العام بمعظم جوانب السياسة الخارجية.

ولم يستبعد فوكوياما أن يكون بوتين يمارس ضغطا على ترامب قائلا، “إن استمرار ترامب بشكل دائم في الحديث عن روسيا تحديدا يمكن أن يستنتج منه بأن بوتين يمارس عليه نفوذا خفيا من نوع ما، ربما من باب الشعور بالمديونية والامتنان لمصادر روسية معينة مقابل الحفاظ على استمرارية إمبراطوريته التجارية”.

فترة رئاسة ترامب للولايات المتحدة الأمريكية ستؤذن بانتهاء العهد الذي كانت فيه أميركا رمزا للديمقراطية

تحديات الديمقراطية الليبرالية

قال فوكومايا إن التحدي الأكبر الذي يواجه الديمقراطية الليبرالية اليوم ينبع من الداخل في الغرب؛ في الولايات المتحدة الأميركية وفي بريطانيا وفي أوروبا وفي عدد آخر من البلدان، وليس من “القوى السلطوية السافرة” مثل الصين.

وأضاف أن وعود ترامب بأن “يعيد لأميركا مكانتها”، جعل العمال المنضوين في النقابات المهنية، والذين كانوا قد تلقوا ضربة موجعة بسبب تراجع المشاريع الصناعية، يصوتون له، مشبها ذلك بما حدث عند التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

واستدرك فوكوياما بأن القومية الشعبوية ظاهرة أوسع من ذلك بكثير، “خذ على سبيل المثال فلاديمير بوتين، الذي لا يزال فاقدا للشعبية في أوساط الناخبين المثقفين في المدن الكبيرة مثل سانت بيترسبرغ وموسكو، ولكنه يتمتع بقاعدة شعبية عريضة وضخمة في باقي أرجاء البلاد”. وأضاف “ونفس الشيء ينطبق على الرئيس التركي طيب رجب أردوغان، الذي يحظى بدعم قاعدة شعبية واسعة في أوساط الطبقة المتوسطة المحافظة، وينسحب نفس الأمر على رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي يحظى بالشعبية في كل مكان إلا في العاصمة بودابيست”.

تناول مركز المستقبل للدراسات ملامح النظام الدولي في عهد ترامب استهل دراسته بتعريف النظـام الدولـي باعتباره يمثل في جوهره مجموعـة مـن القواعـد والأعراف والمؤسسـات التـي تحكـم العلاقـات بيـن الفاعليـن الرئيسـيين علـى السـاحة العالميـة، وقـد تشـكل النظـام الدولـي الحالـي بعـد الحـرب العالميـة الثانيـة، وترسـخت ملامح الليبراليـة بعـد انتهـاء الحرب البـاردة، ولعبـت الولايات المتحـدة دور القـوة المهيمنـة فيـه.

وبحسب دراسة حديثة لمؤسسة رانــد، فقــد كانــت الرؤيــة السـائدة فـي الدوائـر الحاكمـة الأميركية خلال العقـود السـابقة أن هنـاك علاقة تبادليـة واعتماديـة بيـن مصالـح الولايـات المتحـدة الأميركية ، وبيــن اســتمرار القواعــد والمؤسســات الحاكمــة ً للدراسـة، لكـن هـذا النظـام تعرض في السنوات الأخيرة إلى تهديدات تستهدف استقراره آخرها صعود دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة.

وترى الدراسة أن فوز ترامب جاء نتيجة لتصاعــد تأثيــر شــرائح مجتمعيــة تتبنــى رؤيــة مختلفــة تمامــا للعالـم عـن تلـك التـي سـادت دوائـر النخبـة فـي العقـود السـابقة، وقـد لخـص الكاتـب روبـرت ميـري التبايـن بيـن الرؤيتيـن فـي مقـال بعنـوان “كيـف أحـل ترامـب التوجـه القومـي محـل التوافـق الأميركي حول العولمة؟

ويؤكــد ميــري أن الرؤيــة التــي كانــت سائدة بين النخبة الأميركية المعولمــة كانــت تســتند إلــى عــدة مبــادئ رئيســية، مــن أهمهــا: الإيمان بالنظــام العالمــي أحــادي القطبيــة الــذي تقـع فـي قلبـه الولايـات المتحـدة بصفتهـا الدولـة التـي لا يمكـن الاستغناء عنهـا.

وفـي المقابـل، جـاء ترامـب إلـى السـلطة بدعـم مـن شـرائح تتبنى قيــم القوميــة وتــرى أنهــا يجــب أن تكون مجتمعيــة واســعة تكــون فــي قلــب النظــام وحاكمــة لسياســاته كافــة، حيــث تــرى هـذه القطاعـات أن التركيـز علـى الهويـات الفرعيـة فـي السـنوات الماضيـة قـد قـوض مـن التماسـك القومـي وهـدد حريـة التعبيـر، حيــث أصبــح مــن غيــر المقبــول توجيــه النقــد أو اللــوم علــى أســس يمكــن أن تفســر بأنهــا عرقيــة أو إثنيــة أو دينيــة.

وتؤمــن هــذه الشــرائح المجتمعيــة بأهميــة حمايــة الحــدود، التـي بـدون الدفـاع عنهـا قـد تختفـي الـدول، كمـا تـرى أن التجارة الحـرة قـد أضـرت بالطبقـة الوسـطى وقوضـت البنيـة الصناعيـة الأميركيـة.

وبالنسـبة للسياسـة الخارجيـة، فـإن تجربـة الولايـات المتحــدة فــي تغييــر النظــم أو محاولــة إعــادة بنــاء الــدول، فبينمـا يجـب أن تتفاعـل الولايات كانـت فاشـلة تمامـا مـع العالـم، لذلك يجـب أن تحـاول الهيمنـة عليـه، وبالتالـي فالمتوقع من العلاقات الدولية أن تدشـن عهـدا جديدا تهيمــن فيــه القيــم والتوجهــات القوميــة، علــى حســاب تراجــع سياسـات نشـر القيـم الليبراليـة.

ويعكــس فــوز ترامــب أن الملايين من الأميركيين قــد توافقــوا حـول أن الخطـر الحقيقـي الـذي يهـدد البـلاد يتمثـل فـي النخبـة الحاكمـة مـن الحزبيـن، التـي تبنـت الرؤيـة الليبراليـة المعولمـة، والتـي طبقـت سياسـات أضعفـت البـلاد سياسـيا فشــلت فــي حمايــة حدودهــا، وأقحمــت الولايــات المتحــدة فــي معــارك فاشــلة فــي الشــرق الأوســط، ووافقــت علــى اتفاقيــات تحريــر التجــارة التــي أضــرت بالطبقــة الوســطى. ويقتصــر العــداء للنخــب الليبراليــة -الــذي أتــى بترامــب للســلطة- على الولايــات المتحــدة وحدهــا، بــل امتــدت تجلياتــه إلـى عـدة دول غربيـة ديمقراطيـة بنسـب متفاوتـة، ومنهـا فرنسـا وإيطاليــا وألمانيــا واليونــان.

ويذهــب مــارك باليــث، أســتاذ الاقتصــاد السياســي فــي جامعــة بــراون، إلــى أن الثــورة علــى النخــب هــي ثــورة عالميــة، وأنهــا مدفوعــة بتطــورات داخــل الاقتصـاد العالمـي نفسـه، مـا يمكـن معـه إعـلان أن عصـر النظام سـوف يحـل النظام الاقتصـادي العالمـي النيوليبرالـي أيضـا. ويحل محلــه نظــام عالمــي يقــوم علــى مــا يســميه النيوقوميــة.

القومية الصاعدة

انتفاضة شعوبية

مثل فوز ترامب انتفاضة الشعوبية ويتوقع الكاتــب أن تتكــرر فــي دول أخــرى، هــي فــي جوهرهـا “ثـورة المديـن علـى الدائـن”، وتمثـل ضربـة مباشـرة لهـذا النظـام الرأسـمالي النيوليبرالـي الـذي تقـوض مـن الداخـل، فلــم تعــد سياســات البنــوك ويتعــرض هــو أيضــا للمركزيــة، التــي لعبــت الــدور المحــوري فــي قيادتــه خـلال الأعوام الماضيــة، وهي قــادرة علــى إنقــاذه. والدليــل علــى ذلــك أنــه علــى الرغــم مــن الأموال الطائلــة التــي تــم ضخهــا فــي الاقتصادات المتقدمـة، فلا تزال تعانـي الركـود، بـل واضطـرت البنـوك المركزيـة لاسـتخدام أداة الفائـدة السـلبية، التـي لـم تثبـت.

وسوف يكــون لتغير السياســة الخارجيــة الأميركية، وتراجعهــا المحتمــل عــن دعــم النظــام الدولــي الليبرالــي، تداعيــات شــديدة الأهمية بالنسـبة لأوروبـا علـى وجـه خـاص، لأنها كانـت منـذ البدايـة الشـريك الأساسي في رسـم ملامح هـذا النظام، والمسـتفيد الأول منـه، بعـد الواليـات المتحـدة.

وفـي مقـال “أوروبـا، وحيـدة فــي عالــم ترامــب”، يذهــب المحلل مــن المجلس الأوروبــي للشـؤون الخارجيـة مـارك ليونـارد إلـى أن هنـاك أربعـة أسـباب للتوقـع بـأن الولايـات المتحدة تحـت إدارة ترامـب سـتصبح أهـم مصــدر “لعــدم الاستقرار” بالنســبة للنظــام الدولــي وتتلخــص هــذه الأســباب فــي أن تعهــدات الولايــات المتحــدة لحلفائهــا لــم تعــد محــل ثقــة بسبب تصريحــات ترامــب فــي هــذا الخصــوص. وربمــا تصبــح سياسة الخارجيــة الأميركية أكثر مــع الغرمــاء منــه مــع الأصدقــاء، والمشــكلة الأساســية بالنسـبة لأوروبـا فـي هـذا الصـدد بالطبـع هـي موقفـها مـن بوتيـن، ويضــاف إلــى كل ذلــك عــدم القــدرة علــى توقــع ردود أفعــال ترامـب أو مواقفـه، لأنه فـي الكثيـر مـن الأحيـان قـد أخـذ مواقـف متناقضــة مــن قضايــا بعينهــا.

يعكـــس فـــوز ترامـــب أن ملايين الأميركيــيـن قـــد توافقـــوا حـــول أن الخطـــر الحقيقـــي الـــذي يهـــدد البــلاد يتمثـــل في النخبـــة الحاكمـــة مـــن الحزبين، التـــي تبنـــت الرؤيـــة الليبراليـــة المعولمـــة، والتـــي طبقـــت سياســـات أضعفـــت البلاد سياســـيًا واقتصاديا، كمـــا فشـــلت في حمايـــة حدودهــا، وأقحمــت الولايــات المتحدة في معـــارك فاشـــلة في الشـــرق الأوســـط، ووافقـــت علـــى اتفاقيات تحرير التجارة التـــي أضـــرت بالطبقـــة الوســـطى. يناير – فرباير 2017 حالة العامل والسـؤال الـذي يطرحـه ليونـارد هـو: مـاذا يجب علـى أوروبا أن تفعـل فـي مواجهـة ذلـك؟ فـي المقـام الأول، يجب علـى أوروبا أن تتماســك وأن تتعامــل مــع ترامــب مــن موقــف القــوة، حيــث نجحــت أوروبــا مــن قبــل فــي تغييــر موقــف الولايات المتحــدة في بعـض القضايـا عندمـا أخـذت دولهـا الكبـرى موقفـا لتطويـر توافـق لذلـك علـى الاتحـاد الأوروبـي أن يعمـد سـريعا نحــو سياســات موحــدة مــن قضايــا الأمــن والسياســة الخارجيــة والهجــرة والاقتصــاد. وهــي مهمــة لــن تكــون ســهلة، علــى الأوروبييــن.

ثانيــا حالــة الانقســام الســائدة حاليــا في بناء تحالفـات مـع الآخريـن، والتواصـل معهـم مـن أجـل دعـم المؤسســات الدوليــة أمــام الهجمات المنتظــرة، كمــا أن عليهــم الاسـتثمار فــي تطويــر قدراتهــم العســكرية لمواجهــة التحديــات المتعــددة التــي تواجــه الأمــن الأوروبي.

7