لا أمل في استيقاظ ضمير "ميتا"

زوكربيرغ يطمح في إحضار المعنى الحقيقي للحياة الافتراضية في ميتا لتبديد صورة فيسبوك الغارقة في الظلام.
الخميس 2021/11/04
ميتا هجوم تسويقي محمل بخيال غامض

لأن مارك زوكربيرغ يعرف أنه من غير الممكن استيقاظ ضمير فيسبوك أكد أن أولويات “ميتا” اسم شركته الجديدة “ستكون ميتافيرس وليس فيسوك”، و”هذا يعني أنكم لن تعودوا بحاجة يوما ما إلى فيسبوك للدخول إلى باقي خدماتنا”.

عندما يتعلق الموضوع بالضمير التجاري، فهذا يعني أيضا بالنسبة إلى إدارة أكبر إمبراطورية رقمية بالعالم خسارة المليارات من الأموال! لذلك تبدو طريقة الأولويات الجديدة ماكرة وذكية تخفف من الضغط الدولي على فيسبوك. بينما الأموال ستستمر في التدفق على الشركة التي ارتدت قناعا جديدا لا أكثر.

لقد وصلت زوكربيرغ مشاعر الملايين من الناس التي تنظر إلى محتوى فيسبوك بأنه ممل ومضلل وسلبي ومفرط في المجاملات المزيفة والكراهية المضمرة. ولأن زوكربيرغ رؤيوي “علينا الإقرار بذلك من دون شك” تعهد بأن تقوم الشركة ببناء “وريث للإنترنت عبر الهاتف المحمول”، وهو عالم افتراضي مليء بالشخصيات الرمزية يعرف باسم ميتافيرس.

تكمن المفارقة في الإنترنت في أنها أتاحت المزيد من السيطرة من قبل المستبدين وأثارت اضطرابا أكبر داخل المجتمعات

ربما استوعب زوكربيرغ وأصدقاؤه المستقبل مرة أخرى، كما فعل في سنواته الجامعية الأولى. لهذا أبقى الرؤيوية التي تميز بها في سنوات مبكرة من عمره مشدودة إليه. وهو يقترح علينا عالما افتراضيا مقبلا سيحل علينا بدلا من عالم الإنترنت.

لم يخل الأمر من كوميديا في وسائل الإعلام الأميركية بعد إعلان اسم ميتا، لأنه تغيير تزامن مع موافقة القضاء الأميركي رسميا على تغيير اسم المغني المعروف باسم كانييه ويست إلى “يي”، من دون أي اسم شهرة أو اسم ثان لدوافع شخصية. فطلاق كانييه من نجمة تلفزيون الواقع الأميركية كيم كارداشيان، أوصله إلى اسمه الجديد. لكن فيسبوك أشبه بحصان جامح خرج من الحظيرة. وليس بمقدور ميتا إعادته في الاسم الجديد.

تُجمع غالبية التكهنات بأن تغيير العلامة التجارية يهدف إلى تشتيت الانتباه عن فضائح فيسبوك، إلا أنه من الغريب الاعتقاد بأنه إعلان عن خطة جذرية لإعادة اختراع العالم الرقمي.

يعتقد المرشد الأعلى لفيسبوك مع فريقه التكنولوجي بأنه يمتلك ما يكفي من الأدوات القوية لمواجهة المزدرين لإمبراطوريته، من دون أن يفعل ما يكفي للتخفيف من الضرر الحتمي الذي سببه فيسبوك للمجتمعات.

أو بتشبيه المحللين التكنولوجيين ميتا بالمكافئ الأبوي لإعطاء السكين لطفل صغير والأمل في اتخاذ القرار الأفضل. فطريقة تعامل فيسبوك مع كل ما جرى من أحداث في العالم على مدار السنوات الماضية، وعدم اتخاذ القرار الرادع لإيقافها، تحول دون أن تجعل التاريخ يحكم علينا بلطف. فإذا كنا نبحث عن العدو، فقد قابلناه وجها لوجه على فيسبوك، ولم يكن غير نحن!

مع ذلك هناك من يعبر عن تفاؤله كما فعلت ميغان مكاردل الكاتبة في صحيفة واشنطن بوست ومؤلفة كتاب “لماذا الفشل هو مفتاح النجاح” التي عبرت عن اعتقادها أن زوكربيرغ سبقنا مرة أخرى في الوصول إلى المستقبل، وجعله في ميتا ملكا لأشخاص افتراضيين لم نسمع بهم من قبل، لا تنتابهم أشواق المستخدمين العاديين.

لكنها تستدرك بقولها “هذا لا يعني أنهم سيكونون أشخاصا أفضل، أو أننا سنكون أكثر سعادة مع إبداعاتهم الافتراضية مما نحن عليه في العالم الحقيقي. لكن بالتأكيد أن ذلك سيحدث تغييرا”.

طالما عبرت عن “احتقاري” لفيسبوك مثل الذين يحتقرونه لأسباب متعلقة بالخصوصية الشخصية والمجاملات الزائفة، ولا تكفيني إجابات زوكربيرغ عن مدينة فاضلة تكنولوجية يتواصل فيها الناس ويعيشون في عالم افتراضي، للتراجع.

فيسبوك الذي شوه علاقات العالم بشكل مروع، فهل يمكن أن يكون حلا لنا في ميتا؟
فيسبوك الذي شوه علاقات العالم بشكل مروع، فهل يمكن أن يكون حلا لنا في ميتا؟ 

من الواضح أنه في إحضار المعنى الحقيقي للحياة الافتراضية يطمح زوكربيرغ في ميتا لتبديد صورة فيسبوك الغارقة في الظلام. دعونا نذكّره، أو نتذكر معا أنه في الأيام الأولى لفيسبوك، أنهى الاجتماعات الأسبوعية برفع قبضته والصراخ “الهيمنة”. وهكذا شحنت فيسبوك صعودها من ثقافة “النمو بأي ثمن” لجذب 3.58 مليار مستخدم ومبيعات ربع سنوية تزيد على 29 مليار دولار.

مع ذلك لا يشعر المستثمرون، في الوقت الحالي، بالانزعاج من هذا الأمر. فقد ارتفع سعر سهم فيسبوك بشكل طفيف مع إعلان الاسم الجديد على الرغم من تدفق سيل من التقارير المشككة بجدوى تغيير الاسم. وهكذا ستظل جيوب الشركة ممتلئة كما كانت عليه دائما. ونحن ندفع الثمن بقبولنا العشوائي من دون التفكير بالعواقب.

يقول أندرو ليبسمان محلل التجارة الإلكترونية في شركة إنسايدر إنتيليجنس “لا يمكنني التفكير في منصة اجتماعية بدأت في التراجع المستمر من حيث المستخدمين تمكنت بعدها من التعافي من ذلك، على الرغم من أن الاتجاهات السائدة يمكن أن تستغرق وقتا لكي يتم التثبت منها”.

اليوم يتم استعادة الانطباع السابق الذي رافق انتشار الإنترنت بوصفه حلما مثاليا وأفضل خدمة تقدم للبشرية، مع المستقبل الافتراضي الذي يعدنا به ميتا.

فالأباء الأوائل للإنترنت كانوا يرون أن الانتشار العالمي للمعلومات المفتوحة من شأنه أن يوسع حرية الإنسان. وبوجود عالم مفتوح على بعضه، كان الاعتقاد يصل إلى أنه أفضل الطرق لإضعاف الحكام المستبدين.

للأسف، لم يتم الأمر بهذه الطريقة. تكمن المفارقة في الإنترنت في أنها أتاحت المزيد من السيطرة من قبل المستبدين وأثارت اضطرابا أكبر داخل المجتمعات. السير تيم بيرنرز لي مكتشف الويب لا يتردد عن التعبير عن أسفه لأن الإنترنت تحولت إلى جزر معزولة وليس كما كان يتوق له المؤسسون الأوائل كوسيلة تجمع مجتمعات العالم.

وهكذا لن يؤدي الاسم الجديد وإعادة العلامة التجارية لفيسبوك إلى إصلاح شركة تبدو غير قادرة على التعلم من أخطاء الماضي.

يعتقد المرشد الأعلى لفيسبوك مع فريقه التكنولوجي بأنه يمتلك ما يكفي من الأدوات القوية لمواجهة المزدرين لإمبراطوريته، من دون أن يفعل ما يكفي للتخفيف من الضرر الحتمي الذي سببه فيسبوك للمجتمعات

أو عبر وصف جانيت موراي، أستاذة الإعلام الرقمي في معهد جورجيا للتكنولوجيا، بأنّ ميتا عبارة عن هجوم تسويقي محمل بخيال غامض للغاية، لكن تلك التكنولوجيا ستكون بلا شك طريقا لكسب المزيد من المال، كما فعلت من قبل ووفرت أشياء لم نعتقد أنها كانت ممكنة من قبل.

يكفي أن نذكر هنا أن فيسبوك حقق 33 مليار دولار من الأرباح العام الماضي من المنتجات التي قد تقوض استقرارنا وصحتنا العقلية.

أعتقد بأننا في النهاية بحاجة إلى تأمل ميتا وفق تشبيه الكاتب هنري مانس في صحيفة فاينانشيال تايمز، بقوله: دعونا نفترض بأنك ذهبت إلى جراح تجميل رخيص وحريص، لمعالجة ما تشتكي منه. لكنك تخرج منه مشوها. وعندما تعود له لمعالجة ما أحدثه من تشوهات، يعتذر منك لأنه تغير ولم يعد جراح تجميل وإنما أصبح جراح قلب! فهل يمكن أن يثير اهتمامك لأجراء عملية زراعة قلب!

هذا ما يحدث بشكل أساسي في فيسبوك الذي شوه علاقات العالم بشكل مروع، فهل يمكن أن يكون حلا لنا في ميتا؟ ما تحتاجه الشركة ليس اسما جديدا ومهمة جديدة؛ إنها بحاجة إلى ثقافة جديدة.

16