لا إسلام أوروبيا في أوروبا

كيف ساهم الإسلام السياسي في تصوير المسلمين في العالم الغربي على أنهم غير إنسانيين؟ وهل كان للربيع العربي دور في إذكاء تلك الصورة السلبية عبر تسببه في بعث الحياة داخل تنظيمات إسلامية متشددة؟ سؤالان طرحهما الباحث البرشت فوس مدير مركز دراسات الشرق الأوسط والأدنى بجامعة ماربورج بألمانيا، وحاول الإجابة عنهما من خلال تتبع دور الحركات الإسلامية في الإضرار بالمسلمين.
الجمعة 2016/04/08
حملات تحديد الهوية

القاهرة - مكنت الفراغات الأمنية في عدد من الدول العربية التي شهدت احتجاجات اجتماعية حادة سنة 2011 من إعادة انتشار الجماعات والخلايا الإسلامية بشكل مكنها من الوصول إلى السلطة سريعا في كل من تونس ومصر، ودول أخرى مثل المغرب وليبيا، وتسبب ذلك في إعادة قراءة علاقة بعض الأنظمة بالإسلاميين والمزيد من الاقتراب منهم مثلما حدث في الجزائر.

هذا ما أراد الوصول إليه الباحث في مجال الشرق الأوسط والأدنى الألماني البرشت فوس في ندوة عقدت بالقاهرة الأسبوع الماضي بمركز دال للدراسات والأبحاث حضرتها “العرب”، مؤكدا أن الإشكالات التي تعيشها الجاليات المسلمة والمواطنين الأوروبيين المسلمين، قسم كبير منها سببه انتشار الفكر الإسلامي الحركي الذي يحول الدين إلى أيديولوجيا لنشر الكراهية والاحتقان والميل إلى الصدام.

وأكد فوس أنه كان لما يسمى بـ”لربيع العربي” دور كبير في ترسيخ الصورة السيئة عن الإسلام والمسلمين، فمع اندلاع الثورات وسقوط بعض الأنظمة التي كانت تتمتع بقدر كبير من الاستقرار السياسي، وظهور تيارات سياسية تمتطي الدين للوصول إلى أغراض سلطوية، بدأ كثيرون يعيدون النظر في تصوراتهم السابقة.

هذه الملامح والتطورات في نظر فوس، أدت إلى هجرة مئات الآلاف من المواطنين العرب إلى أوروبا، هربا من جحيم الحروب والأزمات التي اتخذت في معظمها طابعا دينيا، وهو ما شكل عبئا على الدول المضيفة، بسبب عدم استيعابهم في كيانات رسمية، واستغلال أزمتهم وتوظيفها في الصراعات السياسية الدائرة في المنطقة.

ولم يخل كلام البرشت فوس من إشارة إلى تنظيم داعش، التعبير القصوي للإسلام الحركي المسلح، فقد أكد أن هذا التنظيم كان له أثر واسع في تكوين صورة الخوف لدى الغرب من الإسلام ككتلة حضارية وثقافية بشكل كامل.

ظهور التنظيمات الجهادية المسلحة مثل داعش، يعتبر أحد أهم أسباب تشويه صورة الإسلام في أوروبا حاليا

وفي تقدير مدير مركز الدراسات الشرق أوسطية، يعتبر ظهور التنظيمات الجهادية المسلحة مثل داعش، أحد أهم أسباب تشويه صورة الإسلام في أوروبا حاليا، “فقد كان داعش من ضمن العوامل التي وقفت خلف اعتبار المسلمين خطرا على أوروبا”.

وبذلك فإن مقولة نصرة الإسلام التي يروج لها التنظيم (والمستلهمة من أدبيات حركات إسلامية أخرى أهمها الإخوان المسلمون) تعتبر مقولة مغلوطة ودعائية بالنظر إلى “نتائج نصرة الدين على طريقة داعش التي عادت على المسلمين بالوبال”.

وأضاف فوس أن “المشكلة تفاقمت عقب شيوع مفهوم أن الشريعة الإسلامية تبرر استخدام العنف ضد غير المسلمين، كما أنهم يتخذون من القرآن رخصة للقتل”، ولا يوجد في هذا السياق أكثر من مرجعيات الإخوان دليلا على أنهم يحولون الطاقة الإيجابية للإسلام إلى مجرد تبريرات يخفون وراءها الطمع السياسي والتعطش إلى الدم.

تعاظم قوة الإسلام السياسي بمختلف أشكاله وتعبيراته لا يمكن أن يمر دون استفزاز ردود أفعال من الأوروبيين، فكلما زاد خطاب التنظيمات الإسلامية حدة وكلما مارست العنف أكثر، فإن الخطاب اليميني الأوروبي يزداد بدوره ويأخذ مسارا تصاعديا.

البرشت فوس: الربيع العربي مكن الإسلاميين من الانتشار والوصول إلى السلطة
وأبدى الخبير الألماني تخوفه الشديد من صعود الأحزاب القومية واليمينية، وتنامي تيار النازيين الجدد في أوروبا، مثل حزب البديل في ألمانيا.
وهذا يفرض بالأساس على الأنظمة السياسية العربية والمؤسسات الدينية المتنورة أن تسرع نسق العلاج الاجتماعي والشعبي لمعضلة تفشي الفكر الإسلامي السياسي، وإعادة استقرار المنطقة لأنها مفتاح استقرار العالم.

ليس من السهل أن تكون مناطق استراتيجية عالمية حاضنة للجماعات الإرهابية المتشددة.

فالعراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والصحراء الأفريقية، كلها مجالات مهمة بالنسبة إلى الجغرافيا السياسية العالمية والعلاقات الدولية.
وتمثل الجماعات الإسلامية المتشددة حاجزا شائكا أمام تطور تفاعل تلك المناطق مع المحيط العالمي المتغير بشكل يومي، والذي يحتاج فعلا إلى جسور اقتصادية وسياسية وثقافية مع “المحور العربي الأفريقي”. وبذلك فإن التعامل العالمي مع معضلة الإرهاب يجب أن يراعي أيضا مصالح تلك الشعوب التي يجب أن تعود إلى حالة الاستقرار.

وأضاف الباحث الألماني البرشت فوس في سياق البحث عن حلول لأزمة انتشار الخطاب الإسلامي المتشدد في أوروبا، أنه “على المؤسسات الدينية الإسلامية في أوروبا أن تقوم بدور أكثر فعالية في احتضان أبنائها وحمايتهم من الخلايا المتشددة”، لكنه طرح في الآن ذاته معضلة عدم التنسيق بين تلك المؤسسات “نظرا لاختلاف طوائفها ومذاهبها”.

وهنا يظهر إشكال آخر في كيفية التعامل مع الإرهاب بشكل مفصول عن الانتماء الطائفي، فالتعاطي مع مشكل التطرف لا يجب أن يكون بتطرف مضاد.كما حمل فوس جزءا من المسؤولية أيضا إلى مؤسسات الإدماج الأوروبية، قائلا إن “معظم العناصر الجهادية في صفوف داعش من المهاجرين العرب، حيث وجدوا في التنظيم فرصة للتنفيس عن كبت في داخلهم، جراء عدم القدرة علي التعايش مع المجتمع الأوروبي وتحقيق قدر من النجاح، فلجأوا إلى العمليات الإرهابية، كنوع من التمرد على الواقع ومحاولة إثبات وجودهم”.

13