لا إصلاح سياسيا في مصر دون حدوث انفراجة اجتماعية

بعد النجاحات الأمنية التي حققتها مصر حان وقت النهوض الاقتصادي وعدم تجاهل الوضع الاجتماعي المتأزم منذ عقود.
الخميس 2020/07/02
شعب بحاجة إلى الحد الأدنى لا الرفاهية

مثّل تفشي جائحة كورونا في مصر فرصة هامة ومناسبة للنظام للوقوف على مواطن الخلل في البلاد التي تعاني أزمة اجتماعية عميقة مردها الوضع الاقتصادي المتردي الذي يستدعي الحكومة التركيز عليه لأن هذه المداخل عادة ما تعتمد عليها جماعات الإسلام السياسي للاستقطاب. ومع حدوث تغيرات كبرى منذ ثورة يونيو 2013 وتحقيق نجاحات أمنية في دحر الإرهاب لم تعد هناك أمام النظام أي مبررات لتجاهل الوضع الاجتماعي المتأزم منذ عقود.

القاهرة - عززت تداعيات جائحة كورونا الاجتماعية والاقتصادية سلبية قناعة النظام المصري في منح خطته المزيد من التركيز التدريجي على هذين البعدين، وإهمال الاستجابة لنداء التعجيل بالإصلاحات السياسية المجمدة تقريبا. وهي إشكالية تتجاوز حدود مصر، حيث يدور خلاف حول أيهما أولى؛ خفض معدلات الفقر والبطالة أم تطوير الحياة السياسية؟ وهناك طريق ثالث لا يرى تناقضا بينهما ويشجع على فكرة الجمع بين الإصلاح بالتوازي في أكثر من مجال لتطوير الحياة عموما.

أبدى النظام المصري حماسا للقطاع الأول، وقام بخطوات كبيرة من البداية لتخفيف المعاناة عن المواطنين، باعتبارها النافذة التي تستغلها جماعات الإسلام السياسي التي كبدت الدولة خسائر فادحة عقب تغلغلها في نسيج المجتمع، واستغلال قواعده المجتمعية الرخوة، وفشل القوة المجتمعية الصلبة في التصدي لها.

إصلاحات وتحديات

منحت الحكومات المصرية التي تعاقبت منذ ثورة 30 يونيو 2013 أولوية كبيرة لسد هذه الفجوات، وتبنت عملية إحلال وتجديد في المنظومة المجتمعية، وتبوأت أجهزة الدولة مكان ممثلي التيار المؤدلج من خلال تخفيف الأعباء بصورة دقيقة، وفقا لخطة بعيدة المدى، تسير جنبا إلى جنب مع تجفيف المنابع السياسية والأمنية.

قطع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي شوطا كبيرا في مجال الاهتمام بالطبقات الفقيرة، وتحسين أحوالها عبر زيادة رواتب الموظفين، وتحقيق طفرة في المعاشات، وتقديم منح مع انتشار كورونا، وتوظيف إمكانيات جهازي الجيش والشرطة في تقديم مواد غذائية بأسعار تفضيلية، وعدم ترك البسطاء فريسة سهلة للتجار، وغلق الأبواب أمام أي جهات يمكن أن تنفذ إلى وجدان شريحة كبيرة، يؤدي حل جزء ملح من مشكلاتها لمنع استثمارها سياسيا.

وأدت هذه التحركات إلى الإقدام على خطوات جريئة في مجال الإصلاح الاقتصادي، والتفاهم والتوافق مع أجندة صندوق البنك الدولي للحصول على قروض سخية منه، لم يجرؤ على اتخاذها حاكم مصري من قبل خوفا من ردات الفعل الشعبية.

تداعيات كورونا ترجمت سلبية النظام المصري في منح خطته المزيد من التركيز على البعدين الاجتماعي والاقتصادي

ربما تكون الأجواء العامة ساعدت السيسي على تنفيذ إجراءاته القاسية وانحياز فئات عديدة له، فلم تعد هناك قوى سياسية معارضة تستطيع استغلال هذه الخطوات وتحريك الشارع ضده، كما أن السيطرة على مفاصل الدولة أسهمت في تهميش القوى التي أبدت انزعاجا من القرارات الاقتصادية الجديدة، فضلا عن تآكل الطبقة المتوسطة الحيوية، وغياب قدرتها المعروفة في الرفض والرغبة في التغيير، وهو ما جعل المناخ السياسي قابلا لتحمل الإجراءات الجديدة، رضاء أو قسرا.

كما أن القرارات الصعبة التي اتخذت اصطحبت معها منظومة حمائية لغير القادرين، تجاوزت مسألة الغذاء إلى توفير المسكن، وجرى تحسين أوضاع أسر كثيرة في هذا الفضاء، وتجنبت أجهزة الدولة الاقتراب من رجال الأعمال والابتعاد عن أن يكون التحسن على حسابهم.

وشككت هذه المسألة في قدرة الحكومة على التعامل معهم، وعدم استعدادها لتحميلهم جانبا كبيرا من المسؤولية المجتمعية، أو حضهم على دفع ضريبة اقتصادية مناسبة، وربما رأى النظام تأجيل هذه المواجهة كي يتسنى له كسب المزيد من التأييد الشعبي، ويحصد نتائج واضحة من وراء القرارات التي اتخذها.

وبقدر ما تحمل خطوات تخفيف المعاناة على محدودي الدخل ملامح اجتماعية، بقدر ما تنطوي على أغراض سياسية بعيدة، فإذا ضمن المواطنون حياة جيدة سوف تخف تلقائيا قدرتهم على الانجذاب لأي قوى معارضة، ونزع ورقة مهمة أزعجت الكثير من القيادات المصرية السابقة، فمع كل أزمة اقتصادية أو سياسية كان التلويح مباشرا بورقة الشارع، والتي ضغطت دوما على صانعي القرار في أوقات كثيرة، ودفعتهم للتراجع وتقديم تنازلات.

وعندما تستقر الأوضاع مجتمعيا تفقد المعارضة زخمها المعتاد، ويبدو النظام الحاكم هو الملاذ والضامن لحياة أفضل، خاصة أن أجهزة الدولة تمكنت من تصدير النماذج المشوهة لدول عربية فقدت وحدتها الإقليمية وهويتها عندما انساقت وراء فصائل من المعارضة، مستفيدة من تدهور أحوالها الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي كانت الأوضاع مستعدة لتقبل الحراك، وحتى الدول التي شهدت تطورا سياسيا منظما يتم تصويرها على أنها مهددة في وجودها، طالما بقي التيار الإسلامي قويا.

وتنطلق حسابات النظام المصري من غلق المسافة بين الجانبين (الاجتماعي – الاقتصادي، والسياسي)، عندما ينجح في معالجة قضايا الفقر من الممكن معالجة قضايا السياسة بشكل أسهل، وحقق هذا الطريق قدرا من التفوق، حيث جعل ما يسمى بـ”حزب الكنبة”، وهم الشريحة الكبيرة الصامتة وغالبيتها من الفقراء في مصر، عصيا على التحرك ضد ما تتخذه الحكومة من إجراءات، وأخفقت جماعة الإخوان والمتحالفون معها من تيار اليسار مرارا، وفي مناسبات عدة، في حض هؤلاء وإجبارهم على الخروج ضد النظام الحاكم.

النظام الحاكم نجح في العبور بالبلاد من الناحية الأمنية
النظام الحاكم نجح في العبور بالبلاد من الناحية الأمنية

وكلما ضمن النظام المصري ولاء هؤلاء وحافظ على مصالح الشريحة الأغنى والأقل عددا، اتسعت قدرته على السيطرة، فالأولى يمكن أن تفضي تصرفاتها العشوائية تحت وطأة مشكلاتها المجتمعية والاقتصادية إلى فوضى يصعب التحكم في المدى الذي يمكن أن تصل إليه، بينما الثانية إذا استشعرت أنها ستدفع ضريبة الإصلاحات يمكنها أن تؤثر في البعد الاقتصادي ولها سلطان عليه، فقد تلجأ إلى استفزاز العمالة لديها، والتي ازدادت نسبتها مع توجهات الحكومة لمنح المزيد من الفرص للقطاع الخاص.

استراح النظام المصري للمعادلة التي أرسى قواعدها خلال السنوات الماضية، ويشعر بقدرته على التفوق في ما فشلت فيه أنظمة سابقة، كما تعامل مع الواقع السياسي بدرجة عالية من البرغماتية والوضوح، فلم يصطنع هيكلا حزبيا واحدا يصبح ظهيرا شعبيا له في الشارع، وأدت تصرفاته إلى سباق غالبية الأحزاب لتكون رديفا للنظام.

وأخذت الأوضاع السياسية تميل نحو الشكلانية، أو بمعنى أدق يتم استخدامها كنوع من أنواع الديكور لزوم التعامل مع المجتمع الدولي ومفرداته، أو كرصيد يمكن البناء عليه مستقبلا، وفي المجمل ليس هناك يقين بأهمية الدور الذي يلعبه نحو مئة حزب سياسي، ولو اصطنع البعض ضجيجا إعلاميا يوحي بأنهم مازالوا على الخارطة.

أسئلة وإجابات

تظل التساؤلات المطروحة في أذهان المراقبين للأوضاع في مصر تبحث عن إجابات لها، لأي مدى يستطيع النظام الحاكم توفير درجة جيدة من درجات الكفاف، وليس الرفاهية، وهل تنجح النسبة التي سوف يتمكن من تحقيقها في المجالين الاجتماعي والاقتصادي في دفن الحياة السياسية العريقة في مصر، وما هي الضمانات التي تمنع أي حراك تلقائي أو تحريضي في الشارع؟

تحتاج الإجابة على هذه التساؤلات المحورية التعرف على قدرات مصر الاقتصادية، وهي لا تزال في مستوى متدن، مع كل الوعود التي تقدمها الاكتشافات النفطية والغازية، وحتى الذهب، ففي ظل وجود أكثر من مئة مليون مواطن، نصفهم على الأقل تحت خط الفقر، تصبح كل موارد جديدة صعبة على الاستجابة لطموحاتهم، التي تترافق مع طموحات مماثلة لدى القيادة السياسية في التعمير والبناء وغيرها، بالتالي من الصعوبة تلبية الحد الأدنى، ما يجعل شريحة غاضبة بينهم غير مضمون رد فعلها، والذي قد يتخذ أشكالا احتجاجية مختلفة، بينها العنف المجتمعي.

ناهيك عن وجود فئة ليست هينة من النخبة الواعية تبدو صامتة الآن، لكن من يتابع تعليقاتها على مواقع التواصل الاجتماعي يشعر بمدى حاجتها لتطوير الأوضاع السياسية، ويمكن أن تحرك المياه السياسية إذا وجدت قناعة للحركة، إيجابا أو سلبا، ولذلك تمثل قوة خاملة وقابلة للنشاط في أي وقت.

تحتاج مصر إلى إصلاحات هيكلية في المجال السياسي أكثر من أي وقت مضى، خاصة أن النظام الحاكم نجح في العبور بالبلاد من الناحية الأمنية، ووضع أقدامه على بداية الطريق الاجتماعي والاقتصادي، ولم تعد له مبررات في التأجيل، كما أن التحديات الإقليمية التي تحيط بالدولة سوف تستغرق وقتا للفوز فيها، وتظل لفترة تصعد وتهبط، ما يجعل ارتداداتها عنيفة في حالة الفوران والخطأ في التعامل معها.

6