لا إمامة في تركيا لمن لا ينفّذ إملاءات العدالة والتنمية

النظام التركي يحكم قبضته على الأئمة إلى حدّ الوصول إلى تهديد بعضهم بالإقالة في حال عدم الالتزام بأدبيات الحزب.
الثلاثاء 2019/08/20
أدبيات الحزب أهم من تعاليم الاسلام

 إسطنبول – تزامنا مع تزايد تشديد الخناق في فرنسا وألمانيا ومعظم الدول الأوروبية على الأئمة الأتراك في المساجد وذلك بفرض قيود عليهم وعلى خطبهم الدينية، يواصل النظام التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية وإحكام قبضته على الأئمة في تركيا إلى حدّ الوصول إلى تهديد بعضهم بالإقالة في حال عدم الالتزام بأدبيات الحزب.

ويجد معظم الأئمة في تركيا أنفسهم في مطب الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي أو تطبيق إملاءات حزب العدالة والتنمية للحفاظ على مكانتهم.

ولطالما، اتهمت المعارضة في تركيا رئاسة الشؤون الدينية في البلاد “ديانت”، بأنها غير محايدة بل ومُسيّسة وخادمة لمصالح الإسلاميين المحافظين، وهو ما يتناقض مع مبادئ العلمانية للجمهورية التركية.

وما انفكت تركيا عن مراهنتها على المساجد التابعة لها في أوروبا للتأثير على المسلمين هناك وبثّ خطابها السياسي الموالي للرئيس رجب طيّب أردوغان المعروف بأفكاره المُتشدّدة والمنبوذ أوروبيا، وهو ما باتت تعرفه جيدا أجهزة الاستخبارات في تلك الدول.

وتقول قناة دويتشه فيليه الألمانية في تحقيق لها، إنّه لا يتعين على الأئمة في تركيا الالتزام بتعاليم الدين فقط، وإنما أيضا بتعاليم “رئاسة الشؤون الدينية”، المعروفة باسم “ديانات”، التي لها دور هام في تقييم عملهم كذلك، حيث تُصدرُ “ديانات” توجيهات تنظم الصلاة والوعظ والعبادات. ومخالفة تلك التوجيهات تستوجب العقوبة الشديدة، وفي غالب الأحيان التسريح من الخدمة.

ولم ترغب “رئاسة الشؤون الدينية” التركية في الإفصاح عن عدد الأئمة المسرحين من عملهم تحت حُجج مُختلفة، بينما أشار الأئمة الذين تحدثت معهم  إلى خطورة تلك المشكلة.

يُذكر أن السلطات التركية كانت قد أصدرت في مارس الماضي مذكرات اعتقال بحق أئمة سرّيين قالت إنهم اخترقوا قيادة القوات البحرية لصالح منظمة غولن.

ورغم سيطرة التعليم الديني على المدارس التركية، يُشكك سياسيون وعدد من رجال الدين ما إذا كان الشباب الملتزم بدأ في الابتعاد عن الدين، إلى درجة أنّ إسلاميين أتراكا بدأوا بالفعل يتجهون للربوبية والإلحاد.

ووفق موقع “أحوال تركية” فإنه من الأمثلة الكثيرة على مُعاناة الأئمة الأتراك ووقوعهم تحت سياط الحزب الإسلامي الحاكم، ما يرويه الإمام عبدالله (35 عاما) الذي دخل في خلاف مع مفتي منطقته، بعدما أصدر الأخير فتوى تقول “إنه لا يجوز للمرأة الذهاب للسوبرماركت دون مرافقة أحد ولاة أمرها”.

وبعد معارضته الفتوى تسارعت الأحداث وتم تسريح عبدالله من وظيفته دون سابق إنذار بحجة “مخالفة التوجيهات”، “استندت في معارضتي إلى حرية الرأي. كل ما فعلته أني أديت مهمتي في تعليم الناس استخدام عقولهم. كنت أظن أن هناك حرية رأي في هذا البلد”، يشكو عبدالله في حديثه مع دويتشه فيليه.

أما أحمد محسن توزر، المعروف بلقب “إمام الروك” فقد فُصل من الإمامة قبل تسعة أشهر تحت نفس الذريعة “مخالفة التوجيهات”. أسس أحمد فرقة لموسيقى الروك. “مباشرة بعد تأسيس الفرقة بعثت رئاسة الشؤون الدينية لجنة تحقيق. كما قاموا بالسؤال عن كافة جوانب حياتي الخاصة. ثم جاءت التهمة: أقام إمام الروك حفلات دون إذن المفتي كسب منها مالا كثيرا”.

ورغم أن أحمد محسن توزر قدم كشوفا لحساباته البنكية، إلا أن ذلك لم يقدم ولم يؤخر. لقد تم تسريحه.

ويقول “إمام الروك” إن مشاكله مع المفتي لم تبدأ من تأسيس الفرقة، “قلت ذات مرة إن مخترع المصباح الكهربائي توماس إديسون سيدخل الجنة. لم يعجب الكلام المفتي لأن المخترع الأميركي كان مسيحيا”. ويشكو أحمد محسن توزر فيقول إن ما وقع معه “عار على الديمقراطية والحرية”.

وفي جنوب شرق الأناضول تم تسريح الإمام س.ت. بعد خدمة دامت ربع قرن. وُجهت له تهمة العضوية بنقابة، تقول السلطات إنها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المحظور. تم إيقاف الإمام البالغ من العمر 46 عاما من الخدمة بمرسوم خاص استنادا إلى حالة الطوارئ. حدث ذلك في عام 2015، بعد احتلال الحزب المحظور عدة قرى في المنطقة ودخوله في مواجهات مع السلطات التركية.

قبل الانتخابات المحلية في 31 مارس تلقى الإمام زكريا بيلادا دعوة من “الحزب الصالح” القومي المحافظ لإمامة الصلاة.

المفتي، المقرب من “حزب العدالة والتنمية” أبلغه باستبداله بإمام آخر، بذريعة أنه قام بالدعاء لأجل أناس مقربين من حركة غولن، المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016. واستند المفتي في قراره إلى مادة قانونية تنص على أنه “لا يجوز لرجال الدين انتقاد أو مدح رأي أو موقف للأحزاب السياسية”.

تعجب زكريا بيلادا من القرار، إذ أن الأئمة، الذين دعوا في الصلاة لفوز مرشح حزب العدالة والتنمية في انتخابات إسطنبول ما زالوا في وظائفهم.

وعلى الرغم من تسلط حزب العدالة والتنمية على كافة مفاصل الحياة في تركيا، إلا أنّ العديد من المحللين السياسيين يرون اليوم نهاية قريبة للإسلام السياسي في البلاد مع بدء تشقق الحزب وانشقاق عدد من أبرز أعضائه.

12