لا الفيء يحل ولا الحبيبة تأتي ووحدها الشمس تحرق وجوه الشعراء

من أغراض الشعر العربي المهمة، القديمة والحديثة الغزل، وفيه وصف جمال المرأة في لفتاتها وحركاتها، سكناتها وصوتها، عفتها وكرمها، وجمال روحها. والتغني بهذا المخلوق، الذي أغنى الحياة بالبهجة، والاستمرار، ودفع أصحاب المواهب للتباري في قول أجمل ما جادت به قرائحهم للتغني بها والانبهار بجمالها الظاهر، والروحي.
الأربعاء 2015/08/19
في القصائد المختارة نقترب من مميزات الغزل العذري فهي قصائد يغيب عنها القول الفاحش

برع الكثيرون من شعراء العربية، في غرض الغزل كزهير بن أبي سلمى وعنترة بن شداد، وامرؤ القيس، وعروة بن الورد وغيرهم. وحتى شعراء العصر الحديث، ومن يمثله كنزار قباني وعبدالله الفيصل وأحمد رامي وغيرهم، ومن المختارات التي ضمت قصائد لشعراء من الخليج مختارات جمعها الكاتب محمد بركات، وضمنها قصائد لشعراء من البحرين والإمارات والسعودية وسلطنة عمان وقطر والكويت واليمن.

ذم الهوى

في هذه الإضاءة سأتناول شعراء البحرين، الذين تضمنت المختارات قصائدهم الغزلية، التي عبرت خير تعبير عما أريد أن أشير إليه من ملاحظات حول التغيير النفسي والاجتماعي الحاصل للعلاقة العاطفية بين الشاعر الخليجي والأنثى، وهؤلاء الشعراء كتبوا غزلهم بطريقة أخرى، فلم تعد القصيدة الغزلية تكتب في ما يبدو كما كان يكتبها شعراء العصر الجاهلي أو شعراء ما بعد البعثة النبوية أو خلال فترة حكم الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والعباسية.

كتوطئة للقصيدة إن كانت مدحا أو ذما أو لأغراض شعرية أخرى، أو يكون هدفها الرئيسي التغزل بالأنثى، وذكر جمالها، وعلاقة الشاعر بها، لقد حملت قصائدهم مضامين اجتماعية وسياسية صارت هدفا رئيسيا في قصائدهم، ولم تعد المتغزل بها غير” أنثى مانيكان” الشاعر في قصيدة الغزل البحرينية.

وخرجت القصيدة عن كونها تعالج موضوعا محددا، وغرضا خاصا بعشق الشاعر، وأحواله، ووصفا لنار الفراق والهجران في صدره. وهجاء المشيب الذي غزا شعر رأسه، والوقوف على آثار البيوت المندرسة، لأنها كانت مواطن الحبيب، وتلك القصائد التي تحدثت عن ذلك الهوى” ذمها قديما ابن الجوزي في كتاب عنونه “ذم الهوى”.

الشعراء كتبوا غزلهم بطريقة أخرى فلم تعد القصيدة الغزلية تكتب في ما يبدو كما كان يكتبها شعراء العصر الجاهلي

فرد عليه الشاعر ابن الرومي بقصيدة يقول فيها دفاعا عن شعر الغزل، وأهل الهوى “لا تكثرن ملامة العشاق ــ فكفاهم بالوجد والأشواق / إن البلاء يطاق غير مضاعف ــ فإذا تضاعف كان غير مطاق”.

لقد أضاف هؤلاء الشعراء لبنة جديدة إلى هذا النوع من الكتابة الشعرية، فوضعوا إبداعات مبتكرة في رسم الصورة الشعرية ومزجها بتلوينات اجتماعية وسياسية، وحملت المفردة أكثر من تأويل، للعلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، إذ صارت تنقل إرهاصات الشاعر، وعذاباته اليومية ومعاناته مع صعوبات الحياة، كالفقر أو المرض، وأخذ الشاعر يروي فيها ومضات عن ابتلائه بحسد الحاسدين من أصحابه والمحيطين به.

يقول الشاعر إبراهيم العريض في قصيدته ” التمثال” التي اختارها صاحب المختارات “سكنتْ في الطابق المظلم من دار سوية ــ غادة لا تملك القوت وبالحسن غنية/ هي في الأسمال لكن لها روحا زكية ــ سلبتها كل شيء ثورة إلا التقية/ تتلوى كلما أبصرت الدار خليه ـــ أين عنها أبواها في ظلام الأبدية”.

ونرى في قصيدة الغزل هذه ما أوردناه من تبئير الحالة الاجتماعية والنفسية للغادة الجميلة الموصوفة في القصيدة، كما أن الحس الاجتماعي والسياسي لم يغب عن قصيدة إبراهيم بوهندي.

فقد اختار له معد المختارات قصيدة “طقوس التوبة”، ولنا أن نجتزئ منها “دثريني بهواك/ يرتديني عالم/ فيه أكون الطير/ والبحر/ أكون الشجرة / دثريني/ ندخل الغيمة غيما/ صار منك مطره/ لحظة الحب تغشتني/ أماط السحر وحي السحرة”.

غزل شعراء البحرين تأويل للعلاقة العاطفية

نجد الكثير من المميزات المشتركة في قصائد الشعراء البحرينيين، منها غزارة الصور الشعرية، والابتكار في رسم هذه الصور بالكلمات، واستخدام الطباق والمواراة والاستعارة.

واستخدام بحور الشعر السبعة عشر المعروفة، فنجد في قصيدة تقي البحارنة المختارة هذه الأبيات المؤثرة من قصيدته “همسات الليل”: قربي من أذني فاك قليلا/ واهمسي فيها، ولا تخشي عذولا/ إن سمعي لم يطاوعني فقد/ ركب الصعب، ورام المستحيلا/ لم يؤانسه غناء صاخب/ يرهق الأسماع… عزفا وعويلا”.

الغزل العذري

من الملاحظات في القصائد المختارة اقترابها من مميزات الغزل العذري، فهي قصائد يغيب عنها القول الفاحش، وهي تنشد الجمال في جميع تفصيلاته.

ومن الشاعرات اللاتي تمّ اختيارهن في المختارات حمدة خميس قولها “أيها الحب/ أيها اللهب السري في كيمياء الخليقة/ أدر نخبك/ وانتشلنا/ أيها الحب/ يا قصيدة الكائنات الجميلة/ املأ شعاب الأرض/ وانسرب في الأصابع والصدور والأجساد”.

اختار المؤلف أيضا قصيدتين مؤثرتين للشاعرين محمد حسن كمال الدين وسليم عبدالرؤوف، وقد أبدعا في كتابة قصيدة الغزل، وأضافا إليها إبداعات مبتكرة في وضع الصورة الشعرية، ومزجها بتلوينات اجتماعية ونفسية.

فحملت المفردة الشعرية أكثر من تأويل للعلاقة العاطفية بين الأنثى والذكر، وصارت في الكثير من القصائد المختارة للشعراء البحرانيين نقلا لإرهاصات الشاعر في معاناته اليومية، المجتمعية، بما تحمله من ضغوطات، وقد حملها قصيدته الغزلية، ولم يعد الشاعر يحمل هم التغزل بمحبوبته فقط، كما كان يفعل شعراء العرب قديما.

إنه في وصفه لحاله وحال الحبيبة كمن يتحمل لسع الشمس الحارقة في الظهيرة على أمل أن يحل الفيء، ومع حلول الفيء تأتي الحبيبة. ولكن قصائد الشعراء تقول، أن لا الفيء يحل ولا الحبيبة تأتي ووحدها الشمس تحرق وجوههم.

14