لا بأس من حكاية سوريالية في هذا الحر

صارت البشرية تطلب الموت وتسعى إليه دون جدوى. لم يعد هناك من معنى للسموم ولا للأدوية ولا لأيّ شيء -حتى المواعيد- ما فائدة أن تقول لأحدهم أنتظرك عند الساعة الخامسة بعد ألفي عام.
الثلاثاء 2019/07/02
صار كل شيء لا معنى له في ظلّ حياة أبديّة

خرج السيد عباس مزهوّا بعد حمّام منعش وقصد المائدة بعد أن سمع صرير الباب، وإذ به يشاهد رجلا يجلس إلى المائدة في هدوء تام ويتأبّط دفترا ضخما وسميكا ويبدو شديد الحرص عليه؟

- من أنت؟

- أنا قابض الأرواح يا عباس، بعثتني السماء كي أقوم بهذه المهمّة حتى تتمكّن زوجتك من الولادة في اللحظة التي تغادر فيها أنت الحياة.

- كيف؟ لم أفهم..!

- لو نظرت في هذا الدفتر لقرأت أسماء كل من هم على قيد الحياة، وكلما دنا أجل واحد منكم يا معشر البشر، أمحو اسمه بهذه الممحاة التي في طرف القلم وأكتب من سيحلّ محلّه بخطّ قابل للمحو في كلّ لحظة… ولقد شاءت الأقدار هذه المرّة أن يحلّ ابنك محلّك… إنّ زوجتك الآن في حالة مخاض، فما رأيك؟

- هل لك أن تمهلني بعض الوقت كي أرتّب بعض أموري وحاجيات المولود الذي لن أراه وبكل أسف؟

- لا بأس، ولكن اعلم أنّك لو تأخرت فسوف تموت زوجتك مع جنينها وتبقى أنت على قيد الحياة… أنا أعطيتك هذا الخيار دون سواك لأنك شJاعر، وأعتبرك رجلا استثنائيا.

- شكرا لك.. ما رأيك في تناول هذه التفاحة مع هذا الكأس؟

يقضم الملاك من التفاحة ويتناول رشفة من الكأس فيقع على الأرض مغشيا عليه، ويسقط منه الدفتر والقلم اللذان يتحكّمان في ثنائية الموت والولادة.

أمسك عباس بالدفتر والقلم ولاذ بالفرار. من ساعتها توقفت الولادة والموت، وأصبحت البشرية تعيش حياة أزليّة لم تعهدها من قبل، صار كل شيء لا معنى له في ظلّ حياة أبديّة سرمديّة خالدة لا موت فيها ولا ولادة: الحب، الحقد، الحرب، السلم، الزواج، الطلاق، السياسة، العلم، الأميّة، الفن، التديّن، العمل، الكسل، النوم، الصحو، القوي، الضعيف… إلخ.

صارت البشرية تطلب الموت وتسعى إليه دون جدوى. لم يعد هناك من معنى للسموم ولا للأدوية ولا لأيّ شيء -حتى المواعيد- ما فائدة أن تقول لأحدهم أنتظرك عند الساعة الخامسة بعد ألفي عام مثلا…. أو أن يحكم القضاء على مجرم بالسجن المؤبّد….!

ظلّت زوجة عباس حاملا تنتظر مولودها منذ بضعة آلاف من الأعوام واستحال الملاك (قابض الأرواح) إلى كائن نصف بشري يبحث عمّا افتقده بعد أن غضبت عليه السماء.

24